الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 54، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح المقطع صفة العجب لله جل وعلا باعتبارها من الصفات الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، ويستعرض أحاديث مثل «عجب ربنا من قنط عباده» و«عجب ربك من شاب ليست له صبوة» مع مناقشة أسانيدها. ويبين أن عجب الرب من الشاب الخالي من الهوى يدل على استقامته وطاعته.
يبيّن المقطع أن حديث الشاب الناشي في طاعة الله ضعيف سنده لكن معناه صحيح، ويستعرض أحاديث صحيحة في عجب الله من عباده كعجبه من الأنصار المضيفين والراعي المحافظ على الصلاة. ويختم بذكر القراءتين في آية ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾: قراءة بالضم تُرجع العجب لله، وقراءة بالنصب تُرجعه للرسول.
يبيّن المقطع أن العجب نوعان: عجب ناشئ عن جهل أو خفاء أسباب وهو منتفٍ عن الله تعالى، وعجب ناشئ عن خروج الشيء عن نظائره والمألوف وهو ثابت لله تعالى. وعجب الله ليس لاستغراب أو جهل، بل استعظاماً وترغيباً وثناءً على من خالف المألوف بطاعته.
يذكر الشيخ ابن عثيمين نوعين للعجب: عجب المخلوق وعجب الخالق، ويوضح الهراس أن عجب الله معنى يحدث له سبحانه وفق مشيئته وحكمته عند وجود مقتضيه. أي الشيء المستحق للتعجب من أفعال العباد المستغربة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. بعد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الموضع ما جاء في نصوص السنة من إثبات صفة العجب لله جل وعلا، في سياق ذكره لما ورد من الأحاديث في إثبات الصفات لله جل وعلا، ومنها صفة العجب، وأنها من الصفات الفعلية لأنها تتعلق بسبب حصول العجب، صفة تحدث لله جل وعلا عند حصول موجبها؛ فإذا حصل ما يوجب العجب، فإذا حصل ما يستدعي العجب، تعجب الله عز وجل، كما أنه يغضب عند حصول ما يستدعي الغضب، ويفرح عند حصول ما يستدعي الفرح، وهكذا. صفة العجب هي من الصفات الفعلية الثابتة لله جل وعلا في الكتاب والسنة، لأنه كما سيذكر الشارح الهراس رحمه الله قوله جل وعلا: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ على قراءة الضم كما سيأتي. وذكر هنا الشيخ - رحمه الله - هذا الحديث، وذكر الشارح الهراس رحمه الله في تعليقه وشرحه: قال: قوله: «عجب ربنا» إلى آخره، هذا الحديث يثبت لله عز وجل صفة العجب. وفي معناه قوله عليه الصلاة والسلام: «عجب ربك من شاب ليست له صبوة». وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿بَلْ عَجِبْتُمْ وَيَسْخَرُونَ﴾ بضم التاء، على أنه ضمير الرب جل شأنه. الحديث الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله فيه ضعف كما هو عندكم في سنده ابن لهيعة. لا أقصد الحديث الأول: حديث «عجب ربنا من قنط عباده» ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، فمنهم من حسّنه، ومنهم شيخ الإسلام قال: حديث حسن، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله، وبعضهم ضعّفه، بعض أهل العلم ضعّفه. طيب. وذكر الشيخ الهراس رحمه الله حديثاً آخر في معنى هذا الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «عجب ربك، عجب ربك من شاب ليست له صبوة»، بمعنى: ليس له هوى وميول. الهواية: الصبوة تعني الهوى، الهواية والميول؛ لأن من غالب طبيعة الشباب أن يكون عندهم الميول والهواية للشيء، فكون الشاب ليست له صبوة بمعنى: ليس له ميل، هذا خروج الشيء عن أصله الغالب وعن نظائره. نعم، ولذلك مثلاً يقال للشاب: هذا انطوائي، مثلاً الشاب الذي يعتزل الناس، مثلاً، ولا يمارس معهم الهوايات التي يريدون منه أن يمارسها معهم، فيلغون عليه: انطوائي، ما عنده ميول، ما عنده هواية. نعم، ليس هو معهم في كرة قدم، وليس هو معهم في منافسات كذا، ولا في كذا، ولا في كذا، فليست له صبوة. نعم، فيعجب، يعجب منه، يعجب منه الناس من هذا الشاب. وعجب الرب جل وعلا من الشاب الذي ليست له صبوة، يعني: بحمد الله ليس عنده ميول إلى الباطل وما يقع عند الناس من مخالفات، ووقوع ما يقع من غالب الشباب، وأنه مظنة الانزلاق في مثل هذه الهوايات التي لا تنفع، بل هي تضر، بل هي من المخالفات. ولعلّه كان من السبعة الذين يظلهم الله جل وعلا في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «شاب نشأ في طاعة الله» كما في صحيح أبي هريرة. هذا الشاب الذي نشأ على طاعة الله كان نعم أحد نماذج هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في يوم الظل إلا ظله، من هؤلاء شاب ليست له صبوة، يعني: إنما هو على طاعة الله، على مرضاة الله. نعم، خالف ما عليه أصل الشباب من الميول إلى الشهوات والمخالفات والتقصير والتفريط. هذا معنى الحديث، والحديث ضعيف ومعناه صحيح، الحديث ضعيف سنده ومعناه صحيح، في سنده ابن لهيعة كما هو عندكم، قد ضعّفه الشيخ الألباني رحمه وغيره من أهل العلم. طيب. عليه الصلاة والسلام، وأحاديث جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام في إثبات صفة العجب لم يذكرها هنا المؤلف، ومعناها كذلك الشارح، وهي صحيحة لا خلافة فيها. جاء في البخاري، عند البخاري رحمه تعالى، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في عجب الرب جل وعلا من الأنصار، من الذين أضافوا، نعم، الرجل وامرأته حين أضافوا ذلك الضيف وآثروه على أنفسهم، عجب الله جل وعلا من صنيعهما كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «يعجب الله عز وجل من راعي غنم على رأس شاة ضاحية يؤدي ما افترض الله جل وعلا عليه». هذا يعجب منه الله عز وجل؛ لأن الغالب أن الرعاة ينشغلون عن أداء الواجبات، يشغلهم الرعي فيقصرون في أداء الواجبات، هذا الغالب، ولذلك يعجب ربنا عز وجل من راعي غنم على رأس شاة ضاحية يؤدي ما افترض الله جل وعلا عليه، يعني: لا يشغله الرعي. وعجبه جل وعلا من هؤلاء الأصناف تعظيماً لفعلهم، وثناءً لفعلهم، وترغيباً في أن يحتذي الناس حدوهم. هذا معنى العجب من الله عز وجل كما سيأتي. وهكذا يعجب الله جل وعلا من رجل يدعو، يقول: «اللهم اغفر لي، قال: يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا»، فيخبر عن الله عز وجل من رجل يدعو الله عز وجل ويطلب منه المغفرة، فيعجب الله عز وجل منه. وهذه أحاديث صحيحة، الحديث الأول بخاري، وأما هذا ففي الصحيحين، وهذه أحاديث صحيحة قد أشار إليها شيخ الإسلام رحمه تعالى في مجموع الفتاوى، لكن هنا لم يذكر تلك الأحاديث التي ذكرها رحمه الله في إثبات صفة العجب لله جل وعلا، وذكر هذا الحديث أيضاً عنده أنه حديث حسن. طيب. وذكر هنا رحمه الله تعالى قراءة ابن مسعود لقوله جل وعلا: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ بضم التاء، لأن هذه الآية فيها قراءتان: قراءة بالرفع، وقراءة بالنصب. قراءة بالرفع: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، العجب يعود لله عز وجل، ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ بضم الضمير يعود إلى الرب جل شأنه، وبالنصب يعود إلى الرسول عليه الصلاة والسلام. وهذه قراءة ابن مسعود وعلي بن أبي طالب وغيرهم، وكذلك قراءة حمزة والكسائي وخلف، قرأوا بهذه القراءة، حمزة والكسائي وخلف قرؤوا بالضم. ثم ذكر رحمه الله وتعالى معنى العجب الثابت لله عز وجل، فقال: «وليس عجبه سبحانه ناشئاً عن خفاء في الأسباب أو جهل بحقائق الأمور كما هو الحال في عجب المخلوق، بل هو معنى يحدث له سبحانه على مقتضى مشيئته وحكمته، وعند وجود مقتضيه، وهو الشيء الذي يستحق أن يتعجب منه». طيب، أفادنا رحمه الله تعالى أن العجب على نوعين: عجب يحدث ويحصل للمتعجب الذي تعجب بسبب خفاء الأسباب عليه، وبسبب جهله بحقائق الأمور وما تؤول إليه الأمور، هذا هو أحد نوعي العجب. نعم، النوع الثاني: وهو عجب يحدث بسبب خروج الشيء عن نظائره التي ينبغي أن يكون عليها، أو الذي غالباً الغالب أن يكون عليه، فإذا خرج عن نظائره يتعجب منه، وهذا هو الثابت لله جل وعلا. أما الأول فهو ممنوع محال في حق الله عز وجل، أن الله جل وعلا يخفى عليه شيء. فالله جل وعلا حين يتعجب ليس معناه أنه حدث شيء لم يكن في علم الله، أو أن الله جل وعلا تعجب لما حدث هذا الأمر لأنه كان خفياً عليه، لا. هذا بالنسبة للمخلوق: حين يتعجب المخلوق من شيء، يتعجب خفاءً، يعني: ما يتوقع، ما يتوقع أن يحدث هكذا، حدوث أمر لا يتوقع حدوثه على هذا الوصف، فيتعجب. نعم، وذلك يقول: عجب، لا، لا يقول: عجب، تعجب مما هو غير متوقع حدوثه على هذا الوصف. ليس هذا هو عجب الرب جل وعلا، لا، هذا عجب المخلوق. وكذلك المخلوق قد يعجب لخروج شيء عن نظائره، يرى شاباً مستقيماً، دائماً الطاعة، من البيت إلى المسجد، لا يوجد إلا في أماكن الخير، يتعجب مخلوق من ذلك. نعم، هذا أيضاً ثابت لله، فالله جل وعلا يتعجب من الشاب الذي قد ترك الملذات التي غالب الشباب يميل إليها ويتعلق بها، ويتعجب من ذلك الراعي الذي قد أدى مفترض الله جل وعلا عليه مع أنه يؤدي الرعي، وغالب من يتولى هذه المهمة يغفل عن هذه الواجبات. وأنا أعرف رعاة بسبب رعيهم تركوا الصلاة. نعم. وهكذا مثلاً الصيد: يعجب من إنسان يصطاد ولا يغفل، تعجب لماذا؟ لأن غالب أن تتبع الصيد غفل، وسل الصيادين، ها، سواء كانوا في البر أو في البحر. نعم، فإذا كان هناك من الصيادين من يصطاد براً أو بحراً، ومع هذا يؤدي مفترض الله عز وجل عليه ولا يشغله هذا، فهذا يتعجب منه. ويقول: ما ترون الصيادين في حلقات العلم، نعم، ولا في الدروس إلا من يتعجب منه، الذي يحضر يتعجب منه: عجباً لفلان، هذا الصياد الذي ما شاء الله، يعني: قليل، غالب. وهكذا فخروج الشيء عن نظائره، نعم، وعن الغالب الذي يكون عليه، هذا يستحق العجب من الله، فيتعجب الله منه، ليس لأنه غير متوقع أو كان خفياً عليه جل وعلا، وإنما يتعجب جل وعلا ويخبر ربنا جل وعلا يتعجب استعظاماً له، استعظاماً لهذا، وترغيباً وثناءً منه جل وعلا لهذه الأوصاف ولهؤلاء الأصناف الذين يقعون ويأتون بمثل هذه الأفعال. فهذا ثابت للعجب. وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وتعالى في شرح الواسطية هذين النوعين للعجب، نعم: عجب المخلوق وعجب الخالق، وفصل فيهما رحمه الله، وهذا الذي ذكرته خلاصته، وهو عجب، وكما ذكره الشارح الهراس هنا رحمه الله. طيب، لأنه قال: أي الهراس: «بل هو معنى يحدث له سبحانه على مقتضى مشيئته وحكمته، وعند وجود مقتضيه»، يعني: ما يستدعيه، وهو الشيء الذي يستحق أن يتعجب منه. وهذا الشيء الذي يستحق أن يتعجب