الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 22، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
آية الكرسي لها فضل عظيم وتفسيرها يبين معاني عظمة الله، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على من يعرفها. تفسيرها يشمل معاني اسم الله الحي القيوم.
اسم الله الحي القيوم يعني أن الله حي لا يموت وله الحياة الكاملة، والقيوم هو القائم بنفسه والمقيم لغيره، ويتضمن جميع صفات الكمال الفعلي.
عظمة الله وملكه تشمل الشفاعة بإذنه ورضاه، وإحاطة علمه بجميع الأمور سواء المستقبلة أو الماضية أو الحاضرة، بينما لا يستطيع الخلق إحاطة علمهم بكل ما يعلمه الله.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم ومبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد ذكر شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "الواسطية" قال: وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه، حيث يقول الله: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم﴾. ذكر الشارح الشيخ العلامة ابن هُرَيرَة رحمه الله في شرحه فضل هذه السورة، فضل هذه الآية، بما جاء عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، رواه مسلم رحمه الله، ورواه البخاري كذلك معلقا عن أبي هريرة، حيث سأل النبي عليه الصلاة والسلام أبا المنذر أبي بن كعب عن أعظم آية في كتاب الله، قال: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارا -يعني كرر عليه السؤال- حتى قال أبي: آية الكرسي، فوضع النبي يده على كتفه وقال: «ليهنك العلم» أو «ليهنك هذا العلم أبا المنذر»، أي هنيئا لك هذا العلم. والعلم أعظم ما يهنى به الشخص. الناس الآن عندهم التهاني يملأون الدنيا، وأولى من ذلك العلم. من درس كتابا وأكمل كتابا يهنى، استحق أن يهنى. قال له: هنيئا لك أكملت هذا الكتاب، هنيئا لك أكملت هذا الجزء من القرآن، هنيئا لك حفظت جزءا آخر. انظروا، هنأ أبا المنذر على آية في كتاب الله، علم أنها أعظم آية. فكيف إذا كان العلم أكثر وأكثر من هذا؟ فالتهاني أكثر. أما اليوم، التهاني في أمور الدنيا: هنيئا لك الربح في تجارة الفلانية، هنيئا لك البيت الثاني، هنيئا لك السيارة الجديدة. وأما باب العلم، قليل من يهني أصحابه، فيقول له: هنيئا لك هذا العلم، هنيئا لك هذا الإكمال للكتاب، وإلى آخر ذلك. وقرر النبي عليه الصلاة والسلام لأبي المنذر أن هذه الآية هي آية الكرسي، لأن أبا المنذر قال: آية الكرسي. فإن تسمية آية الكرسي بنص من النبي عليه الصلاة والسلام، لأن تسمية سور القرآن وآيات القرآن منها ما كان بنص، ومنها ما هو اجتهادي من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وغيرهم. فمثلا آية الكرسي بنص، لقرارد النبي عليه الصلاة والسلام. هناك آية الصيف بنص، آية كذا إلى آخر ذلك، فيما جاء فيه النص. ومنها ما هو اجتهاد، التوبة سميت بسورة الفاضحة، هذا ليس بنص، وإنما اختيار بعض السلف. جاء عن قتادة: سماها سورة الفاضحة، لأن الله فضح فيها المنافقين. فآية الكرسي بنص، سميت آية الكرسي. وسبب تسميتها بآية الكرسي لذكر الكرسي فيها، لأن الكرسي لم يذكر في القرآن إلا في هذه الآية. لم يذكر الكرسي في القرآن إلا في هذه الآية، آية الكرسي. فسميت بآية الكرسي، وهذا من فضلها. ذكره الشارح رحمه الله تعالى. وأيضا من فضلها: قالوا في رواية عند أحمد، والذي نفسي بيده، إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش. هذا أيضا من فضل آية الكرسي، لها لسان ولها شفتان تقدس الملك عند ساق العرش. والحديث ضعفه العلامة الألباني رحمه الله في "مختصر العلو" وغيره من أهل العلم. ومن الفضائل: أن من قرأها في ليلته لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه الشيطان، كما في حديث أبي هريرة في "صحيح البخاري". ماذا؟ صدقه أتى والليلة وسرق، زعم أن له عيالا وتركها أبو هريرة. والليلة الثانية والليلة الثالثة، حتى قال: دعني وأعلمك ما لا شيء ينفعك، اقرأ آية الكرسي، إذا قرأتها كل ليلة لم يقربك الشيطان، ولا يزال عليك من الله حافظ. وفي قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث: «لها لسان وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش»، فيه الرد على من فسر العرش بالعلم أو بالملك. من فسر العرش بالملك: الرحمن العرش استوى، يستوى على ملكه، هذا باطل. مما يرد به عليهم أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف العرش بأن له ساقا، العرش له ساق. وهل الملك له ساق؟ ها الملك له ساق، لا. فيبطل قول من فسر العرش بالملك جل جلاله. قال: ولا غرو، ولا غرو -يعني ولا عجب- كما في "مختار الصحاح": ولا غرو، فتح الغين، سكون الراء، فتح الواو. ولا غرو، ولا عجب، يعني أن تكون هذه الآية لها هذا الفضل، لاجتماعها على الأسماء العظيمة العزيزة والصفات التي لم تجتمع عليها آية أخرى. هذه الآية ذكرت فيها من أسماء الله جل وعلا الشيء الكثير، وهكذا الصفات. حتى قال الشيخ العثيمين رحمه الله في شرح "الواسطية": قال: تضمنت أكثر من خمسة وعشرين صفة. آية الكرسي تضمنت أكثر من خمسة وعشرين صفة، من تأمل فيها. وطيب الكلام في الكرسي: الكرسي موضع القدمين، كما جاء عن ابن عباس قال: الكرسي موضع قدمي الرب جل وعلا. والحديث صحيح، صرح بذلك العلامة الألباني وغيره. منها العلم والأثر عن ابن عباس، جاء مرفوعا، لكن رجح أهل العلم الوقف على ابن عباس، موقوف على ابن عباس. يشكل عليه مثلا قول من يقول: ابن عباس ممن أخذ عن بني إسرائيل، قد يكون هذا ما أخذه عن بني إسرائيل. يقال: هذا أثر تلقته الأمة بالقبول. والثاني: الأمر في العقيدة، الأمر في العقيدة فيما يختص بالرب جل وعلا، يختلف عن الأخبار الأخرى. يختلف عن الأخبار الأخرى التي فيها احتمال الأخذ من بني إسرائيل. والأثر تلقته الأمة بالقبول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. بل بعضهم يقول: هذا فيه إجماع، يعني ما خالف أحد من أهل السنة في ذلك. تلقت الأمة الأثر بالقبول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأما من فسر الكرسي بالعرش، فهذا خطأ. جاء عن الحسن البصري رحمه الله تفسير العرش، تفسير الكرسي بالعرش. وهذا ليس بصواب، لأن النصوص دلت على التفريق بين العرش والكرسي. فالكرسي وسع السماوات والأرض: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾. وجاءت رواية صححها العلامة الألباني رحمه الله: أن نسبة الكرسي إلى العرش كنسبة حلقة ألقيت في فلاة من الأرض. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في نسبة الكرسي إلى السماوات والأراضين: كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض. فماذا تساوي هذه الحلقة بالنسبة لفلاة من الأرض؟ لا شيء. وهكذا السماوات العظيمة بالنسبة للكرسي، نسبتها للكرسي كنسبة الحلقة للفلاة من الأرض. وهكذا النسبة، نسبة الكرسي للعرش. فدلت النصوص على التفريق بين الكرسي والعرش. فكيف يقال: الكرسي هو العرش؟ وهذا من فسر الكرسي بالعلم، كمن فسر العرش بالملك، وغيره. لمن فسر الكرسي بالعلم، هذا أيضا ليس بالصحيح. نقل عن ابن عباس ذلك، جاء عن ابن عباس في أثر أنه فسر الكرسي بالعلم، ولكن في السند انقطاع، لم يثبت ذلك عن ابن عباس. الذي ثبت هو أن الكرسي موضع القدمين، موضع قدمي الرب جل وعلا. قال: والعرش لا يقدر قدره إلا الله. فتفسير الكرسي بالعلم خطأ وباطل. بل بعض العلماء يقول: هذا من تفسير أهل البدع. الكرسي غير العلم. قال رحمه الله تعالى: فقد أخبر الله فيها عن نفسه بأنه المتوحد في إلهيته، الذي لا تنبغي العبادة بجميع أنواعها وسائر صورها إلا له. هذا واضح في قوله جل وعلا: ﴿الله لا إله إلا هو﴾، في إثبات الوحدانية. وأنه جل وعلا متوحد في إلهيته، فهو مستحق للعبادة، لأن معنى "لا إله" أي لا معبود بحق إلا الله. "لا إله إلا الله". ثم أردف قضية التوحيد بما يشهد لها من ذكر خصائصه وصفاته الكاملة. فذكر أنه الحي الذي له كمال الحياة، لأن حياته من لوازم ذاته، فهي أزلية أبدية. ثم أردف بعد إثبات اللوهية والوحدانية له ما يدل على استحقاقه ذلك، لأنه هو الذي له الصفات الكاملة، هو الحي القيوم. الحي الذي لا يموت، أما غيره فهو يموت. وذا كان في دعاء النبي عليه السلام: «أنت الحي الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون». أنت الحي الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون. فالله جل وعلا حي لا يموت، فاستحق أن يعبد جل وعلا. أردف له كمال الحياة، وحياته جل وعلا من لوازم ذاته، أي من له ذات لازم أن يكون له حياة. ومن له حياة لازم أن يكون له ذات. فلا حياة بدون ذات. لا يمكن يكون شيء حي لا ذات له. مدام هو حي فله ذات. نعم. ومدام هو ذات فله حياة تليق بها، حياة جل وعلا أزلية أبدية، لأن ذاته أزلية أبدية، يعني أولية لم يسبقها شيء. هذا معنى الأزلي، الشيء الأزلي هو الذي أولي لم يسبقه شيء. وكمال حياة يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال الذاتية له. مدام أنه جل وعلا موصوف بكمال الحياة، فهذا يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال من له الحياة الكاملة. يلزم من ذلك أن يكون متصفا بجميع صفات الكمال الذاتية، كالعزة والقدرة والعلم والحكمة والسمع والبصر والإرادة والمشيئة وغيرها. كلها صفات كمال، صفات ذاتية من لوازم من كان له الحياة الكاملة. قال: إذا لا يتخلف شيء منها إلا لنقص في الحياة، لأنه إذا لم يكن الرب جل وعلا متصفا بهذه الصفات، صفات الكمال، وتخلف منها شيء. نعم. إنما يدل على النقص في الحياة. ولذلك وجب إثبات كل صفات الكمال لله جل وعلا. فمن قصر في إثبات صفة واحدة من صفات الكمال لله جل وعلا، فهذا قد تنقص الله جل وعلا، وتنقص حياة الله جل وعلا، لأنه جل وعلا الحي الذي له الحياة الكاملة. ومن لازم ذلك أن يتصف بجميع صفات الكمال التي لا يشاركه فيها أحد. فمن لم يثبت ذلك، فقد تنقص الله جل وعلا، وتنقص حياته جل وعلا، وجعلها يلحقها شيء من صفات النقص. تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا. قال: فالكمال في الحياة يتبعه الكمال في سائر الصفات اللازمة للحي، لأن من لازم الحي إثبات صفات الكمال له جل وعلا. قال: ثم قرن ذلك باسمه "القيوم". ومعناه: الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع خلقه غنا مطلقا، لا تشوبه شائبة حاجة أصلا، لأنه غنى ذاتي. وبه قامت الموجودات كلها، فهي فقيرة إليه فقرا ذاتيا. بحيث لا تستغني عنه لحظة، فهو الذي تدبر إيجادها على هذا النحو من الإحكام والإتقان. وهو الذي يدبر أمورها ويمدها بكل ما تحتاج إليه في بقائها وفي بلوغ الكمال الذي قدره لها الله جل وعلا. قرن اسمه "الحي" باسمه "القيوم". ومعنى اسم الله "القيوم": الذي قام بنفسه وقام بغيره. فالله قام بنفسه وقام بغيره، قام بالسماوات وقام بالأراضين وقام بالإنس وقام بالجن وقام بالجبال وقام بكل المخلوقات. لأنه جل وعلا لو لم يقم بها لما قامت. لو لم يقم ربنا جل وعلا بالسماوات لما قامت السماوات. ولو لم يقم "القيوم" جل وعلا بنا لما قمنا. فإنما قيامنا وقيام المخلوقات جميعا بقيام "القيوم" لها. وذلك جل وعلا قال: ﴿أم من هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾. فهو القائم جل وعلا على كل نفس، قام بها جل وعلا. لو لم يقم بالسماوات لزالت. نعم. ولو لم يقم "القيوم" جل وعلا بإمساك السماوات لوقعت على الأراضي. ولو لم يقم بالأراضي لتحركت واضطربت وأهلكت من عليها. وأكد ذلك في الشمس، وأكد ذلك في القمر، وأكد ذلك في النجوم، وأكد ذلك في البحر. لخرج على الناس وأغرقهم. والشمس لو اقتربت وأحرقتهم. والقمر كذلك. وهكذا. والدواب وهجمت على الناس وأكلتهم من الوساع والسباع. وهكذا. والحيوانات المفترسة التي في البحار والتي في الغابات. لكن "القيوم" قام بها جل وعلا، وجعلها على هذا النحو، أمسكها، حفظ عباده بقيامه لهم جل وعلا، بأن جعل هذا الملكوت على هذا النحو. السماء قائمة بأمره، الأراضون قائمة بأمره، كل المخلوقات قامت بأمره. لا يتعدى أحد على أحد إلا ما قدر الله جل وعلا من اعتداء بعض هذه على بعض، بأمره وقدره، لحكمة قضاها جل وعلا. والله تحصل في بعض الأحيان الزلازل، تحصل في بعض الأحيان البراكين، ويحصل في بعض الأحيان هجوم السباع على بعض الناس، وهكذا. وأعظم من ذلك ما سيكون يوم القيامة من انكدار النجوم، وقرب الشمس قدر ميل، وتسجير البحار، وتكوير الشمس، وغير ذلك من المتغيرات التي يأمر الله جل وعلا بتغييرها على ما كانت عليه. فكل هذا من "القيوم" جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: نعم. فقيامه كما قال: قام بنفسه واستغنى عن جميع خلقه غنى مطلقا، لا تشوبه شائبة حاجة أصلا. يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله الغني الحميد. المخلوقات فقيرة إليه فقرا ذاتيا، فقيرة بذاتها إليه، لا تستغني طرفة عين عن ربها جل وعلا، وعن رحمته، وعن حفظه. وأما الخلق، وأما الله جل وعلا الغني، ما هو محتاج. أمرهم بالعبادة لمصلحتهم، وإلا هو غني عن عبادتهم. أمرهم بالتقوى لأنفسهم. وهكذا. فالله جل وعلا هو الغني، لا ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم. وهكذا بسائر العبادات. فالله من رحمته أن شرع للعباد العبادات رحمة بهم، لا كلفة بهم، مشقة لهم، لا. رحمة بهم أن يأتوا بهذه العبادات، تطمئن نفوسهم وتنشرح صدورهم وتزكو وتطهر، وهكذا. ويترقون في المعالي وفي الدرجات، وغير ذلك من الأمور التي لا يمكن أن يحصرها الإنسان مما ينتفع به من أدائه لهذه العبادات، وقيامه بهذه الأحكام، تنفيذه لأوامر الله جل وعلا، الشيء الذي لا يستطيع حصره. قال رحمه الله تعالى: فهو الذي تدبر إيجادها على هذا النحو. طيب. يعني أحكم خلقه وأتقنه. أحكم الخلق الكوني وأحكم الشرعي. أحكمت آياته، آيات القرآن. وهكذا أحكم الكون. فما ترى فيه من فطور، فارجع البصر هل ترى من فطور؟ فارجع البصر كرتين، ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير. فارجع البصر كرتين، ينقلب السكون. ولله إليك جواب الشرط: إليك البصر خاسئا وهو حسير. لماذا؟ ما تجد من فطور، لأن الله أحكم الخلق. السموات ما يأتي أحد يقول: والله لو كان لونها أحمر كان أولى. والأرضون لو كانت على هذه الهيئة كان أولى. أو الشمس والقمر، ما يستطيع أحد خلقا محكما. أو البعير لو كان لونه لون الحمار، والحمار لون البعير. كل شيء محكم أحكمه الله جل وعلا. وأحكم شرعه. ما يأتي أحد يقول: لو كانت الصلوات أربع كان أفضل من خمس. لا. شرع محكم، خمس صلوات. أو الصيام أكثر من شهر، أو أقل. أو الزكاة أكثر من هذا القدر، أو ما يمكن. شرع محكم أحكمه الله عز وجل. والمخلوقات أمدها الله جل وعلا لما تكون سببا في بقائها. أمد المخلوقات بالنعم، بالهواء، وبالماء، والغداء، لكي تقوم. ولكي تبلغ الكمال اللائق بها. والكمال اللائق بالمخلوقات أن تكون فقيرة إلى الله جل وعلا، قائمة بما أمرها الله سبحانه وتعالى. هذا هو الكمال الذي قدره. لا تكبر، ولا مشاركة، ولا منازعة له في كبريائه. وكبريائه وجبروته جل وعلا. قال: فهذا الاسم -يعني القيوم- مضمن من جميع الصفات الكمال الفعلية. يعني اسم الرب جل وعلا "القيوم". كما أن اسمه "الحي" مضمن من جميع الصفات الكمال الذاتية. اسم الله "الحي" يشمل جميع الصفات الذاتية، لأنه من لازم الحي أن يتصف ماذا؟ بصفات الذاتية، من القدرة والعزة إلى آخر ذلك. وما تقدم ذكره. واسم الله جل وعلا "القيوم" يستلزم ويتضمن جميع صفاته، يتضمن جميع صفات الكمال الفعلي. لأن "القيوم" الذي قام بماذا؟ بغيره. فهذا يدل على ماذا؟ على أفعال منه جل وعلا. أفعال خلق السماوات، وفعل رزقها، فعل أمدها، فعل حفظها. كل هذه أفعال. ف"القيوم" تضمن إثبات صفات الفعلية. وهو فعله جل وعلا بخلقه سبحانه وتعالى، بحفظهم، بخلقهم، برزقهم، بعانتهم، برحمتهم، وهكذا. ولهذا ورد أن "الحي القيوم" هو اسم الله الأعظم الذي تسأل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. جاء هذا عن أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله تعالى عنها. وهو حديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال عليه الصلاة والسلام: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾، وقوله جل وعلا: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾». فمن الأقوال في اسم الله الأعظم: "الحي القيوم". بهذا الحديث الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء في حديث آخر: «يا حي يا قيوم برحمتك استغيث». ف"الحي القيوم" من "الحي القيوم" اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. فيدل على عظيم هذين الاسمين، عظيم هذين الاسمين. ثم أعقب ذلك بما يدل على كمال حياته وقيوميته، فقال: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾. أي لا تغلبه سنة -أي نعاس- ولا نوم. والنعاس هو بداية النوم. وسنة بمعنى النعاس. وهكذا ينعس اللسان، مثل بعضكم أحيانا في الدرس. طيب. بداية النوم. وذلك جل وعلا أنزل النعاس على المسلمين يوم بدر: ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه﴾، لتقوى به الأبدان. نعم. فأخذهم النعاس هو أول النوم. والله جل وعلا له الكمال، لا تأخذه سنة ولا نوم، لا نعاس ولا ستات ولا نوم. كما جاء في حديث موسى عليه السلام، حديث صحيح: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام». هو القيوم. ومن لازم القيوم أن لا ينام. القيوم جل وعلا بخلقه، هل القيوم ينام؟ هو قيوم. إذا كان ينام، فهل هو قيوم؟ لا يكون قيوما. إذا كان ماذا؟ إذا كان ينام. لما كان هو القيوم، الحي الذي لا يموت، والقيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. فكان لا ينام. بل قال: «لا ينبغي». وكلمة "لا ينبغي" بمعنى: يمتنع عليه ذلك. وما ينبغي للرحمن أن يتخذ، أي أن ذلك ممتنع غاية الامتناع. إذا قيل: "ما ينبغي"، أي أنه ممتنع غاية الامتناع. فالنوم ممتنع غاية الامتناع عن الله جل وعلا، لأنه القيوم سبحانه وتعالى. ولأن النوم نقص، والنعاس نقص في حق الله جل وعلا. وأما في حق البشر، فهو ماذا؟ كمال. لأن الذي لا ينام مريض. ولا لا مريض يقول: يا طبيب، ما لي النوم -يعني مريض- هذا. نعم. واللي ما ينعس كذلك. لكن انتبهوا، نعس إذا في الدرس، لا. النعس ليس من النقص في حق المخلوق، لا. لكن يكون النقص إذا كان مداوم عليه. ها. في أوقات خاصة. نعم. في أوقات خاصة من النقص إذا كان في الدرس، إذا كان ها في الصلاة. ما ينبغي أن ننعس. لكن بعضهم يغلبهم عليهم ما عدوا. ها. طيب. قال رحمه الله تعالى: فإذن ذلك ينافي القيومية. يعني النوم والنعاس. إذا النوم أخو الموت، جاء في هذا حديث، لكن فيه ضعف عن رسول الله: «النوم أخو الموت». وبعض العلماء حسنه. قال: لهذا كان أهل الجنة لا ينامون. وإن جاءت في هذه آثار، لكن لا يستطاع الجزم بصحتها. والله أعلم: هل ينامون أهل الجنة أم لا؟ ما في شيء طعمه في ذلك. لأنه قد يكون من الحاجة، احتاج الإنسان ينام في الجنة مثلا يلتد. نعم. لهم فيها ما تشتهي أنفسهم. قد يشتهي الإنسان النوم كما يشتهي الأكل والشراب. ومن يصحح الحديث ويحسنه يقول: لا. لا ينامون أهل الجنة. والعلا من قيم رحمه الله تعالى يحسن ذلك. ولذلك يثبت من النعيم أنهم لا ينامون. وبعض من هؤلاء، لأنهم قالوا: هم في شغل فاكهون. في شغل دائم مستمر لا ينقطع. لكن هذه المسألة محتملة. لهذا ولا شيء يستطاع الجزم فيه. والله أعلم. قال: لهذا كان أهل الجنة لا ينامون. وهؤلاء أيضا يرجحون هذا، يرجح أن أهل الجنة لا ينامون. لأن بعض العلماء يحسن ما جاء في ذلك عنه. قال: ثم ذكر العموم ملكه لجميع العوالم العلوية والسفلية. يعني في قوله: ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾. له ما في السماوات، العوالم العلوية. وما في الأرض. من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ قال: ثم ذكر طيب. وأنه جميعا تحت قهره وسلطانه. فقال: ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾. يعني قهرها جل وعلا. وهو القاهر فوق عباده. ثم أردف ذلك بما يدل على تمام ملكي. وهو أن الشفاعة كلها له. فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. وهذا لتمام ملكه، لأنه الذي يملك وحده الملك، له وحده جل وعلا. ولذلك لا تطلب الشفاعة إلا من مالكها. لا. صحيح. أحد ولا الأنبياء أن يشفعوا إلا بإذن المالك. قل: لله الشفاعة جميعا. قل: لله. لا. من ملكية ملكه جل وعلا. فلا يستحقها إلا من أدن الله جل وعلا فيه. والله يأذن ويرضى عن أهل التوحيد. قال جل وعلا: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾. قال جل وعلا: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾. قال جل وعلا: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾. للشفاعة. من المالك جل وعلا لمن شاء من عباده، كراما لهم، كالأنبياء والملائكة وغيرهم. وسيأتي معنا الكلام في الشفاعة. ولتمام ملكه، كانت الشفاعة بإذنه ورضاه جل وعلا. لا يشفع أحد ابتداء. وفيه إبطال الشفاعة الشركية التي يظنها المشركون ويعتقدها المشركون. المشركون عندهم اعتقاد أنهم يحشرون إلى الله جل وعلا. تشفع لهم آلهتهم التي تقربوا إليها والتي جعلوها زلفة. في قول: «إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفة». وفي قولهم: «ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله». المشركون على هذا الاعتقاد أنهم إذا حشروا يوم القيامة شفعت لهم الآلهة ابتداء. الله جل وعلا أبطل ذلك الاعتقاد. وبيّن عقيدة أهل التوحيد. وهي أنهم حين يحشرون إلى الله جل وعلا لا يعتقدون هذا الاعتقاد. وإنما يعتقدون أن الشفاعة تحصل يوم القيامة، لكن بإذن الله ورضاه. بإذن الله ورضاه. كما قال جل وعلا: ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة﴾. قال جل وعلا: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾. أنذر بهذا القرآن هؤلاء أهل الإيمان وأهل الحق وأهل التوحيد. الذين كان اعتقادهم أنهم إذا حشروا إلى الله جل وعلا ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع. والمفهوم أنه بإذن الله. نعم. لهم ولي وماذا؟ وشفيع. قال: إبطال الشفاعة الشركية التي كان يعتقدها المشركون لأصنافهم. وهي أنها تشفع لهم بغير إذن الله ورضاه. قال: ثم ذكر سعة علمه وإحاطته. وأنه لا يخفى عليه شيء من الأمور المستقبلة والماضية. وأما الخلق فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه. يعني في قوله جل وعلا: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾. الأمور المستقبلة والماضية. المستقبلة وما خلفهم والماضية ما تقدم. والحاضرة ما بين أيديهم. وأما الخلق فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه. قيل: يعني من معلومه. يعني مما يعلمه جل وعلا في السماوات والأرض. لا يحيط هؤلاء العباد بما يعلم الله جل وعلا في السماوات وفي الأرض. يعني لا نعلم كل ما يجري في السماوات، ولا ما في السماوات من الأمور، ولا في الأرضية. كيف يحاط بما هو أكثر من ذلك؟ قال: وقيل: من علم أسمائه وصفاته. إلا بما شاء. بما شاء الله سبحانه. يعني أنه لا يعلم العباد من علم الله جل وعلا من العلم الذي يتعلق بأسماء الله وصفاته. إلا ما أعلمه. لأن هناك من الأسماء لا يعلمه أحد، ولا الأنبياء. وهناك من الصفات التي هي ثابتة لعزة لا يعلمه أحد إلا الله جل وعلا. كما تقدم معنا في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «أعلمت أحدا من خلقك واستأخرت به في علم الغيب عندك». قال: إلا بما شاء الله سبحانه أن يعلمهم إياه على ألسنة رسله. العلم بأسماء الله وصفاته. نعم. والعلم بما يكون من الأمور المستقبلة والماضية والحاضرة كذلك. إنما يكون عن طريق الرسل. وما جاء في كتب الله جل وعلا. بخبر الله وبخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. قالوا: بغير ذلك من طريق البحث والنظر، فهذا ليس بصورة العلم. بأسماء الله وصفاته. لا يكون عن طريق النظر والبحث. وإنه هو توقيفي. علم توقيفي. لا يعلم إلا عن طريق الكتاب والسنة. وأما العلم الآخر، من ما يكون من أمر الدنيا. نعم. أما العلم الشرعي، لا. لا يمكن. أحد يكون: أنا سأصير فقيها عالما، أحكم بين الناس كيف؟ قال: أتفكر في الملكوت وأبحث وأنظر. لا يمكن. لا. نعم. لأن لا يمكن يكون كذلك إلا عن طريق ماذا؟ العلم بالشرع، بالحكام الشرعية في الكتاب والسنة. نعم. لكن نعم. علوم الدنيوية. نعم. يتفكر وينظر ويمحث. نعم. فيصنع طائرة. نعم. أو يصنع ماذا؟ سفينة. أو يصنع كذا وكذا. نعم. ممكن. وكما قال النبي عليه الصلاة للصحابة، حين كانوا يلقحون. نعم. قالوا: لو تركتموه من غير تلقيح. فتركوه. فخرج شيصا -يعني ما خرج تمرا رطبا- كما وإنما الشيص: التمر هذا اللي ما يكون تمرا رديئا يابسا. نعم. فقال: «يا رسول الله، تركناه كما قلت، لو تركتموه فخرج شيصا». قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». فأمور الدنيا يمكن أن يطلع عليها الإنسان. أنا بيع، سلم، انظر. خفي علي هذا الأمر. وهم الأمر الدنيا. ولا نقص في هذا، ولا نقص في هذا. نعم. فأمور الدنيا ربما يتمكن الإنسان خلال النظر والبحث. أما أمور الشرع، لا. وليعلم بعض الأسماء الله والصفات من غير طريق النظر. لا. النظر. نعم. قد يدل من المعاني عظمة المخلوقات على عظمة المخلوقات على عظمة. نعم. لكن لا يقال: تجافى من النظر والبحث. نعم. وإنما عن طريق الكتاب والسنة. وهذه الأحكام الشرعية. أما أمور الدنيا. نعم. كم من الناس ما عندهم ما يعرف يكتب اسمه، ما يعرف يكتب ماذا؟ يسمع. هو يصنع سفن، يصنع السفن. وما يصنع ماذا؟ طائرة. نعم. ربما يجهل. نعم. كتابة اسمه. وإلا وبالغنا في هذا. طيب. لأنه لا يلزم من أن يكون صانع طائرة يكون يعرف. بسم الله. يصل خبرة ونظر وبحث وينظر بهذا وينظر بهذا. موهبة. كما يقال: هذا موهبة. قال: هذا لا يعرف يكتب، ولا يعرف يقرأ. لكن عنده هندسة سيارات. ولا عنده هندسة كذا وكذا. لأخير. طيب. قال رحمه الله تعالى: ثم ذكر ما يدل على عظمة ملكه، واسع سلطانه. فأخبر أن كرسيه قد وسع السماوات والأرض جميعا. وصح في الكرسي أنه غير العرش. وأنه موضع القدمين. فتقدم معنا كما جاء عن ابن عباس. وأنه في العرش كحلقة ملقاة في فلاه. تقدم. وأما ما ورده ابن كثير عن ابن عباس: تفسير الكرسي بالعلم، فإنه لا يصح. لأنه من رواية جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقد قال ابن منده في جعفر هذا: ليس بالقوي في سعيد بن جبير. وقال في روايته لهذا الأثر: لم يتابع عليها. أفى ذلك الحافظ الذهبي من ترجمة جعفر المذكور من "لسان الميزان". قاله إسماعيل الأنصاري رحمه الله. قال: ويفضل التكرار في الآية. يعني إذا كان الكرسي بمعنى العلم، معناه فيه تكرار. ولا. لا. لأن العلم ذكر. ولا ما ذكر. ذكر العلم. وإذا كان الكرسي يضم معنى العلم، فيه ماذا؟ تكرار. فهذا ما يدل على ضعف هذا القول، لأنه يؤدي