اللقاء المفتوح 39

السؤال: اللقاء المفتوح 39، وكان يوم الجمعة 30 رجب 1443هـ الموافق 4 مارس 2022م بدار الحديث بالفيوش أجاب عنه الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الرد على الجبرية وشرح حديث احتجاج آدم وموسى

يشرح الشيخ الحديث النبوي حول احتجاج آدم وموسى ويوضح الرد على استدلال الجبرية به. يبين أن آدم لم يستدل بالقدر على المعصية وإنما على ما سبق في علم الله.

أحكام متفرقة في الزكاة والدراسة

يناقش المقطع حكم توزيع الزكاة على الأقارب وحكم الدراسة في بيئة مختلطة. يشير إلى أن الأقربون أولى بالمعروف إذا كانوا محتاجين ويحذر من مخاطر الاختلاط.

الخلاف في الجرح والتعديل وآدابه

يناقش المقطع مسألة الجرح والتعديل وكونها من مسائل الاجتهاد. يؤكد على أهمية العدل والإنصاف في التعامل مع هذا الخلاف واتباع الحجة والبرهان.

أثر حفظ اللسان على القبول والأحكام

يتحدث المقطع عن أهمية حفظ اللسان وتأثيره على قبول أقوال الشخص وأحكامه. يشير إلى أن من لا يحفظ لسانه لا يقبل قوله وتسقط أحكامه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد، فبادئ ذي بدء نشكر لأخينا شيخ سند الجون، حفظه الله تعالى، على هذه النصائح النافعة وهذه التوجيهات المفيدة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها في ميزان حسناته، وأن ينفع بها الحاضر والمستمع، وأن يجعلنا وإياه وإياكم مفاتيح خير، مغالق شر. طيب، هذه مجموعة من الأسئلة، إن شاء الله يجاب على ما تيسر منها، ونسأل الله سبحانه وتعالى الإعانة والتوفيق والسداد. طيب، يقول السائل: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يروي احتجاج آدم وموسى، ثم قال آدم لموسى: تلومني على شيء قد قدره الله علي قبل أن أخلق. هذه اللفظة استدل بها الجبرية على عقيدتهم، فما هو الرد بالتفصيل؟ لأن الأمر التبس علي، وجزاكم الله خيرا. جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كررها ثلاثا: «حج آدم وموسى، حج آدم وموسى، حج آدم وموسى». وليس هذا من باب الاستدلال بالقدر على المعايب، فلا يستدل بالقدر على المعايب، ولكن على المصائب. فنفرق بين المصائب والمعايب. من استدل بالقدر على المعايب ظل في باب القدر. وأما ما كان في باب المصائب، فأنت تقول: قدر الله، وما شاء فعل. إن أصابك شيء، علمنا النبي صلى الله عليه وسلم -كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وغيرها- أن نقول: «قدر الله»، في رواية: «قدر الله وما شاء فعل». فأنت ترد المصيبة إلى قدر الله سبحانه وتعالى، وهي ليست من فعلك. ولكن مع ذلك، أنت تراجع نفسك، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وأما الذنوب والمعاصي، فلا يستدل بها على القدر. وآدم لم يستدل على الذنب بالقدر، وإنما استدل على ما سبق في علم الله سبحانه وتعالى. ولهذا رد موسى عليه الصلاة والسلام على ما سبق في علم الله مما أجراه الله سبحانه وتعالى. هذا وجه. والوجه الآخر: أن ما وقع من آدم عليه الصلاة والسلام هو النسيان، وليس الذنب على القصد. وهناك فرق بين من يقع في الخطأ نسيانا، ومن يقع عن سابق عمد وقصد. فلهذا جاء في الحديث أن آدم نسي، فنسيت أمته. فسمى النبي صلى الله عليه وسلم معصية آدم نسيانا، ولم يتعمد. وهذا هو الصحيح أن آدم لم يتعمد ويقصد العصيان، ولكن سول له الشيطان، وأنسى آدم عليه الصلاة والسلام ما كان قد حذر منه ربه سبحانه وتعالى. وفي هذا ثلاث فوائد: الفائدة الأولى أن آدم لم يتعمد المعصية، والفائدة الثانية أن معصية آدم كانت نسيانا، والفائدة الثالثة أن الشيطان كيد الشيطان يغوي بتزيينه أكثر من جبره، وباستدراجه أكثر من تزيينه المباشر. ولذلك اعتذر العلماء في شرح الحديث بهذه الاعتذارات وغيرها، لكن هذا خلاصة ما يذكر، والله تعالى أعلم. شيخ سند، عندك شيء تزيدنا؟ أجزاك الله خير، بارك الله فيك. ها، عفوا. نعم، يطالب بالشرع، لا شك أن الإنسان يطالب بما أمره الله عز وجل شرعا. أجزاك الله خيرا. يقول السائل: رجل متزوج بأربع من النسوة، وهو يحبهن، والحب متبادل، ولا يريد أن يفارق واحدة منهن، كما يقول: سمن وعسل. طيب، سأل الله أن يزيدكم سمنا وعسلا. يقول: ولكن يريد أن يتزوج، فهل يجري قرعة ويفارق ويطلق واحدة؟ هذا ينافي الحب الذي ادعى، إذا كان عنده حب. الحب يمنع من الفرقة والطلاق، هذا معناه أن حبه ضعيف. الحب الحقيقي يورث الإيثار، ويورث كذلك التضحية. فما دام أن هناك مودة ومحبة، فلا يفسد على نفسه، ولا يطلق بدون سبب. اللهم إلا أن يكون هناك كبيرات لا يستطيع أن يعف نفسه بهن كلهن، فعند ذلك له أن يتزوج، فينظر من من هؤلاء الأربع يصلح، أو يقرع. فهنا نقول: من باب درء المفسدة الكبرى بالصغرى، حتى لا يقع في الحرام. وكذلك بكل ما يقال: محبة وأدب واحترام، يقول لإحداهن: من جاء القرآن عندك، فهذا مكتوب علينا؛ لأجل أن أعف نفسي، وأحفظ نفسي من الحرام. طبعا هذا إذا كان هناك سبب، وإلا فالأصل أنه لا يضر، لا ضرر ولا ضرار، لا يضر بغيره، ولا يضر بنفسه، فضلا أن يكون كما زعم أن عنده حبا وسمنا وعسلا. يقول: أنا والدي كبير، ويعاني من مرض خطير، وأنا أسلم أموالا خاصة بوالدي، وأعطي أمي جزءا منها، وأخذ الباقي لوحدي دون علم إخوتي، فما حكم هذا؟ لا يجوز أن تأخذ من مال أبيك لنفسك دون إخوتك. الواجب العدل، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للأب الذي قال: «أنت ومالك لأبيك»، يعني الإبن وماله لمن؟ للأب، الوالد. ومع ذلك، لما جاء الرجل وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشهد على قسمه، قسم بها لأحد أبنائه دون الآخرين، استفصل النبي صلى الله عليه وسلم: «أوهبت كل أولادك؟» يعني مثل هذه المنحة التي منحها، قال: لا. قال: «اذهب، فلا أشهد على جور»، أو قال: «زور». فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقر بهذه العطية. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»، أو قال: «بين أبنائكم». فالشاهد أن الحديث جاء في الصحيحين، حديث النعمان وغيره، فهذا يدل على أن الواجب على الأب أن يعدل، فكيف إذا كان الإبن هو المتصرف في مال الأب؟ فهو من باب أولى أن الواجب عليه أن يعدل، وهذا حتى منافي للأمانة، ليس من الأمانة أن يأخذ المال. بل الواجب أولا أن يستأذن، يقول لإخوته: جاء مال لأبي، ويقدم أول شيء حق الوالدين، والحقوق التي تتعلق بالأب، ثم بعد ذلك إن فضل شيء عن الحقوق، يقول لإخوته: زاد هنا مال، فماذا نصنع به؟ يتشاورون، إما أن يجعلوه فيما بينهم، أو قبل ذلك يتصدقون به، أو غير ذلك من أبواب المباحات الجائزة. يقول الرجل: عنده زكاة مال، حال عليها الحول، ويريد أن يعطيها لعله لابنت ابنه، أو لبنت ابنه المتوفى، وهكذا لابن ابنه، لعله آخر كذلك متوفى، علما بأنه لا ينفق عليهم. وجزاك الله خيرا. أولا، لا يجوز أن يؤخر زكاة المال حتى يحول عليه الحول، إن كان السائل كتب وقصد ما كتب. وإن كان حصل خطأ، والمقصود أن عنده مالا حال عليه الحول، ووجبت فيه الزكاة ببلوغ النصاب، فهنا تأتي مسألة: وهي هل يجوز أن يخرج الأب لأبنائه الزكاة؟ الجواب الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز، إذا كان لا يستطيع أن يغنيهم من أصل المال. إذا كان لا يستطيع أن يغنيهم من أصل المال، وهؤلاء هم الذين يجب عليه النفقة عليهم. وابن الإبنة ليس ممن يجب أن ينفق عليهم، فيجوز أن يعطيهم من الزكاة، بل ولو كان ابن الإبن، فإنه كذلك يجوز أن يعطيه من الزكاة، إذا كان لا يستطيع أن يغنيه من أصل المال. إذا كان يستطيع أن يغنيه من أصل المال، فيعطيه من أصل المال، وإلا فإذا لم يستطع، فالأقربون أولى بالمعروف. وهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود، في صدقة امرأته، أنها صدقة، والصلة صدقة. والصلة تصل لابن مسعود، ولأبنائه الذين هم أبناؤها كذلك. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وجماعة من المحققين من أهل العلم، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله. يقول: هل يجوز القراءة أو القراءات -كتب القراءات- لعله القراءة من المصحف في صلاة رمضان، أو يقرأ من الجوال؟ اختلف أهل العلم في هذا، فقد ثبت بعض الآثار أن عائشة كانت تجعل غلاما لها يصلي بها من مصحف. وأكثر أهل العلم على أنه يقدم الأقرأ لكتاب الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الأفضل والأكمل والأحوط. يقول: أنا أدرس في جامعة اختلاطية بقهر من أبي، وأنا إمام المسجد في القرية، ويتكلم علي بعض الناس: لماذا أدرس في الاختلاط؟ أو لعله في مدرسة مختلطة -يقصد-. يقول: تتقدم إلى المحراب، فما نصيحتكم لي؟ هل أستمر في الدراسة؟ وما حكم ذلك؟ إن استطعت، ولا يلحقك ضرر، فالواجب أنك تترك هذه الدراسة، وتنظر لك دراسة ليس فيها اختلاط. ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب. ولا يجوز للإنسان أن يرضى لنفسه دراسة فيها اختلاط، وفي هذا شر، وفتنة عظيمة. ولهذا حرمه الله عز وجل. وقد جاء معنى تحريمه بكتاب الله، وهكذا كذلك بالنص الصريح في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال عليه الصلاة والسلام -كما في حديث أسامة في الصحيح-: «ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء». وقال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والدخول على النساء». وقال صلى الله عليه وسلم: «اجتمع رجل وامرأة، وكان الشيطان ثالثهما». وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تحرم الاختلاط بين الرجال والنساء. وما أكثر المفاسد والفتن، وكذلك الشرور التي تقع بسبب هذه الدراسات المختلطة. والواجب على ولاة الأمر، والمسؤولين، والآباء، والأمهات، أن يحفظوا من تحت أيديهم من هذه الفتن. وسلامة الدين أعظم عند الله من سلامة العرض. وما فائدة هذه الدراسة إذا انحرف الولد، ووقع -والعياذ بالله- في الفاحشة، أو انحرفت البنت، ووقعت -والعياذ بالله- في الفاحشة؟ وما أكثر ما نسمع من الحوادث والفجائع التي تقع بسبب الاختلاط. وما هذا إلا قليل من كثير. وما ستر ولم يظهر أعظم. فالواجب أن لا نرضى بهذا الخطأ. ومع ذلك، فالإسلام يأمر بمراعاة المصالح والمفاسد. فإذا أوتي -يا رجل- بشيء من الضغط والضرر، وفعلا خشية على نفسه، أو امرأة خشية على نفسها، فهنا الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصانها عنها، والضرورة تقدر بقدرها. في بعض البلاد، في بعض الأسر، المرأة ضعيفة، أو الولد ضعيف، قد يطرد من البيت، ويتشرد، أو كذلك قد يحصل له ضرر بالضرب، أو غيره، أو لها. فهنا يخفف الشر قدر المستطاع، حتى يجد المكان الذي يدفع عن نفسه الضرر. واليوم، بفضل الله، في بلادنا -مثلا- يتيسر البدائل الكثيرة. وفي كثير من بلاد المسلمين، البدائل الكثيرة. لكن هذا شرع ودين، إذا اجتمعت مفسدتان، فندفع المفسدة الكبرى بالصغرى. تشرد الولد، وحصول الضرر عليه، أعظم من صبره فترة حتى يجد البديل، أو يجد حلا، ونحو ذلك. وليس هذا معناه إباحة هذا الفعل، ولكن للضرورة تبيح المحظور، على أنه من باب الإنصاف: يوجد بعض العلماء يرخص في مثل هذا، وهم ممن ينتسبون لأهل السنة، ولكن نرى -والذي نعتقد- أنهم أخطأوا في هذا. لا يمكن أن يقال: إن هذا رخصة، وأن هذا مما عمل به البلاء، أو نحو ذلك. بل المفاسد المترتبة أكثر من المصالح المرجوة. والحمد لله، البدائل الكثيرة، يمكن للإنسان أن يدرس عن بعد، يمكن يسافر إلى بلد آخر، أو كذلك يغير اتجاه الدراسة. وكما قال الشيخ الألباني رحمه الله في بعض النقاشات والمحاورات: «إن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر»، يعني: أنه يسلك الخطأ، ولعل الله يتوب عليه، ويرجع، فينفع الله عز وجل به. فيكون طبيبا مسلما، وطبيبة مسلمة. ووصولهم بهذا الخطأ لا يعني أننا نصحح الخطأ. وقل أن يسلم الإنسان. انظروا نسبة الذين يدخلون إلى الطب، الذين يدخلون إلى الطب، وعندهم تديّن، اجعلوهم عشرة في المئة، ثم يخرج من العشرة في المئة أقل من واحد في المئة. يعني: ما ينتهي من الطب إلا وذهب ذاك التدين، أو ضعف. يكون حافظا لكتاب الله، حريصا على الخير، ثم ما يخرج إلا وقد ضعف جدا. هذا، إن سلم الله. يقول: هل يلزم الإنسان أن ينتسب إلى السلفية؟ وهل يلزم أن يقول: أنا سلفي؟ ويذم من لم يقل: أنا سلفي؟ الأمر بهذا واسع، ما دام هناك كلمة وعبارة تدل على أنك متبع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وطريق السلف الصالح، فالأمر سهل. وهذا مما يسع فيه الخلاف، ولا يشدد فيه. قلت: سني، قلت: سلفي، قلت: أثري، فهذه العبارات مترادفات. لكن قد في بعض المواضع يحتاج أن تنصص، إذا صار الأشاعرة يقولون: نحن أهل سنة، فأنت لا بد أن توضح أنك لست من الأشاعرة. وهكذا كذلك إذا صار الصوفية في مقابل الرافضة يقولون: نحن أهل سنة، فأنت يحتاج أن توضح أنك لست هؤلاء. وهكذا، لكل مقام مقال. والله تعالى أعلم. يقول السائل: هل يجوز مناجاة الزوجة: يا أختي؟ أحيانا؛ لأنك متعود -مثلا-: يا أختي، رفع الكأس، أو يا أختي، اجلسي. إن أراد به التعبير الذي هو أخوة الإيمان والإسلام، فهذا لا حرج فيه. قد قال إبراهيم عليه السلام عن امرأته: «إنها أختي». فلا مشاحة في مثل هذا. لكن الأكمل والأفضل -لا شك- أن يناديها بما تحب أن يناديها بما تحب. فهذا هو، وينظر: أحب الأسماء والألقاب التي تحبها، ويناديها به. كما أنها تفعل ذلك معه. والإسلام يدعو إلى هذا. يقول: هل يعتد بقول الظاهرية؟ نعم، يعتد بقول الظاهرية. وقد جعل الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه النافع الماتع «أعلام الموقعين عن رب العالمين» فصلا طويلا في بيان أن خلاف الظاهرية أولى من خلاف الحنفية. وأنهم من أهل العلم الذين ينبغي أن ينظر إلى قولهم. وصدق رحمه الله. يقول: هل الجرح والتعديل من مسائل الاجتهاد؟ نعم، قد يقع في بعضها، وليس كلها. ولكل مقام مقال. فقد يختلف العلماء في شخص، قديما وحديثا. وهذا الاختلاف فيه راجح ومرجوح. فكون فيه راجح ومرجوح، لا يعني ذلك أن قول المرجوح يؤدي إلى الطعن في قائله، والحكم عليه بما يلزم من الحكم على ذلك المختلف فيه. هذا ليس بلازم، خصوصا إذا كان المختلفون هم أهل الجرح والتعديل، وهم من علماء أهل السنة والجماعة. قد اختلف أئمة الجرح والتعديل قديما. يأتي الإمام الشافعي، فيقول: «حدثني الثقة». فإذا بغيره يقول: إنه ضعيف. مثل من؟ نعم، حارث لأعور. نعم، وكذا كذلك اختلف الإمام أحمد، وابن المعين، والإمام أحمد، وابن المديني، وجماعة. ولا يعني ذلك الخلاف الطعن فيمن تكلم -مدح أو قدح- في المختلف فيه. وهكذا كذلك بهذا العصر، فإذا اختلف علماء العصر في هذا الزمان في إنسان، فينبغي أن نسلك مسلك العدل والإنصاف. وهذا هو الذي ينبغي أن يسلكه طلبة العلم. وهذا الأدب الذي ينبغي أن يتأدب به طالب العلم. فهذا من الجميع من علماء أهل السنة والجماعة. فينبغي أن نحفظ لكل عالم كرامته ومنزلته. وثم ما اختلف فيه، ينظر بالمرجحات. هناك مرجحات تجعل هذه الأقوال بين راجح ومرجوح. طيب، ولا يعني رجحان أحد القولين عندك أن يكون كذلك عند الآخرين. فإذا وقع الخلاف -كما اختلف الكبار- فمن يتبع هؤلاء الكبار، من باب أولى أن يعذر فيما اختلف فيه. لكن لا يكون الخلاف عن هوى، ولا عن تقليد، وإنما الخلاف عن حجة وبرهان. الخلاف عن حجة وبرهان. ثم هذا الخلاف ينقسم ثلاثة أقسام: قد يكون خلافا ظاهرا أنه باطل، وبطلانه يعرف بمخالفته إما للأدلة، وإما لوجود سبب يظهر منه خطأ المزكي -مزكي أو الجارح-. مثل الإمام الشافعي رحمه الله، خفي عليه خبر شيخه، وظهر لغيره. فمن علم، حُج على من لم يعلم. وكذلك قد يكون هناك سبب آخر، وهو أن يكون النقل عن أحد الأقران، فإن كان النقل عن أحد الأقران، وغلب على ظنك أن هناك شيئا خاصا، فلا ينبغي أن يقبل. قد اختلف الأقران في بعضهم، فلم يقبلوا كلام الإمام مالك في ابن أبي ذئب، ولم يقبلوا كلام ابن أبي ذئب في الإمام مالك. ولا كلام ابن إسحاق فيمن -ها- من كان مع ابن إسحاق. ذكروني، أنا نسيت من الطرف الآخر. ها، يا أهل المصطلح. ها، مالك. نعم، مالك وابن إسحاق كذلك. حصل بين ابن أبي ذئب ومالك، وبين ابن إسحاق ومالك كذلك. نعم، فلم يقبلوا كلام ابن إسحاق في مالك، ولم يقبلوا كلام مالك في ابن إسحاق؛ لأن هذا وقع لسبب نبه عليه العلماء. وهكذا كذلك على الصحيح ما وقع بين الإمام البخاري وشيخه. فمثل هذه القضايا، قضايا أعيان، علم المحققون من أهل العلم أنها ينظر إليها بهذا الاعتبار. وأن الراجح فيها كذا وكذا. فهذه أمثلة؛ لأجل أن نصل بها إلى أنه كما وقع الخلاف في ذاك الزمان، فإنه قد يقع الخلاف كذلك في هذا الزمان. ولا يعني ذلك الخلاف في شخص أن يبدع أهل السنة بعضهم بعضا. لماذا؟ لم تحكم على فلان بمثل حكم الطرف الآخر؟ لا، هذا لا يلزم. وينبغي أن يكون عندنا عدل وإنصاف. ثم بعد ذلك الذي يبقى للتاريخ هو العدل والإنصاف. أنبه طالب العلم، أنبه نفسي، أنبه نفسي وإياكم، وكلنا طلبة علم: أن الإنسان، وطالب العلم على وجه الخصوص، ينبغي أن يلزم طريق العدل والإنصاف. فهذا الذي يبقى للتاريخ. هذا الذي سلك مسلك المبالغة في الذم، أو القدح بغير حق، يعلم قبحه وشناعة مذهبه، ويحفظ له هذا في التاريخ، فيعلم أنه لم يكن عادلا، ولم يكن منصفا، وأنه كان يتبع شهوته، وهوى نفسه. وعند ذلك يخسر الدنيا والآخرة، وذلك الخسران المبين. وما أجمل العدل والإحسان! انظروا إلى مشايخنا، كبار علمائنا: ما عندهم هذه التصرفات العشوائية، وكذلك الهوجاء في الحكم على الناس. بل يحرصون على العدل، فلا يتكلمون إلا فيمن يستحق فيه الكلام. إن تكلموا، تكلموا فيمن يستحق فيه الكلام. ولذلك تجد كلمتهم مكتمعة. هذا كلام الكبار. أما الصغار، وأهل الطيش، والسفه، فما يحفظون ألسنتهم من أي أحد. تطيش ألسنتهم في كل الناس. وعند ذلك لا يقبل قولهم، وتسقط كذلك أحكامهم. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه، وسلم. جزاكم الله خيرا.