شرح منظومة القواعد الفقهية  16

شرح منظومة القواعد الفقهية 16

الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 16، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة

الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، واستدل العلماء على ذلك من القرآن والسنة والإجماع. هذه القاعدة الفقهية تشكل أساسا للعديد من الأحكام الفقهية المتعلقة بالطهارة والأنكحة واللحوم.

الأصول الفقهية في الطهارة والأنكحة واللحوم

شرح الأصول الفقهية الهامة مثل طهارة الأرض والثياب، وتحريم الأبضاع واللحوم والنفس والأموال إلا بدليل شرعي. استشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية لتوضيح هذه القواعد.

الأحكام المتعلقة باللحوم والذبائح وأموال الناس

الأحكام الفقهية المتعلقة باللحوم والذبائح، حيث الأصل في الحيوانات الحل ما لم يأت دليل على التحريم. كما يتطرق إلى أحكام أموال الناس وأنفسهم، حيث الأصل فيها التحريم إلا في حالات معينة.

أحكام التعامل مع غير المسلمين في بلاد المسلمين

أحكام التعامل مع غير المسلمين في بلاد المسلمين، مبينا أن الأمان الذي يعطى لهم يحرم الاعتداء عليهم أو أخذ أموالهم بغير حق. استند إلى أدلة من السنة النبوية.

التفريغ النصي الكامل

أما بعد، فمواصلة إخواني في الله مع هذه الرسالة، وهي المنظومة التي ألفها الإمام السعدي رحمه الله تعالى، وسماها رسالة في القواعد الفقهية. ومرت معنا عدة أبيات فيما مضى ذكره في أيام خلت من قبل رمضان. ومواصلة بإذن الله حول ما عندما توقفنا عنده، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «والأصل في مياهنا الطهارة والأرض والثياب والحجارة، والأصل في الأبضاع واللحوم والنفس والأموال للمعصوم تحريمها حتى يجيء الحل». ففهم هداك الله ما يمل قول رحمه الله تعالى. والأصل في مياهنا الطهارة والأرض والثياب والحجارة، هذه القاعدة يعبر عنها العلماء بأن الأصل فيما على الأرض الإباحة. الأصل فيما على الأرض الإباحة، ومنهم من يعمن فيقول: الأصل في الأشياء الإباحة. وكذلك شبيه بمثل هذه القاعدة الأصل في الأشياء الطهارة. فعندنا الأصل في الأشياء الطهارة، وعندنا الأصل في الأشياء الإباحة. الآن سيأتي معنى أن هذه الأشياء جعلها ربنا عز وجل للانتفاع، لكي ننتفع بها، ولا يكون الانتفاع إلا بشيء مباح وبشيء طاهر. الانتفاع لا يكون إلا بالأشياء الطاهرة المباحة، فإذا عندنا الأصل في الأشياء الطهارة والأصل في الأشياء الإباحة. قال مؤلف رحمه الله تعالى: «والأصل في مياهنا الطهارة والأرض والثياب والحجارة». والدليل على هذه القاعدة بأن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، استدل العلماء بعدة أدلة، من ذلكم في قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾. وهذه الآية من أعظم الأدلة التي تدل بها العلماء على هذه القاعدة بأن الأصل في الأشياء الإباحة. ووجه الدلالة من الآية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿هو الذي خلق لكم﴾، فاللام هنا إما لام الاستحقاق أو لام الملكية. وعلى كل الوجهين فيها أن هذه الأشياء خلقها الله لبني آدم لكي ينتفعوا بها. والفائدة الثانية أو الدلالة الثانية من هذه الآية أن هذه الآية جاءت في سياق الامتنان. أي أن الله سبحانه وتعالى يمن على العباد أن خلق لهم ما في الأرض جميعا ينتفعون به. فكانت هذه الآية من أدلة صريحة على أن الله سبحانه وتعالى خلق هذه الأشياء حتى ينتفع بها. إذن الأصل الحل، الأصل الإباحة. وأيضا من السنة مما يدل على هذه القاعدة ما جاء في السنة من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما أحله الله فهو حلال، وما حرمه الله فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو». فما سكت عنه فهو عفو. فأخبر نبينا صلواته ربي وسلامه عليه أن هناك أشياء قد أحلها الله، فهذا لا إشكال في حله وإباحته. وبالمقابل هناك أشياء حرمها الله، وهذا أيضا لا إشكال في منعه وحظره. وهناك أشياء سكت عنها الشرع، سكت عنها شرع، فهذه كيف نتعامل بها؟ نقول على هذه القاعدة الأصل في الأشياء الإباحة. الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الأشياء الطهارة، نبقى على الأصل لأنها لم تحرم، فلم يأتي مانع من الاستخدام والانتفاع، فنبقى على الأصل. وهذا الحديث يحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى في عدة كتبه. وهذا الحديث تدل بذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. ومنهم كذلك من أضاف دليلا ثالثا مع الآية المذكورة ومع الحديث المذكور من ذكر الإجماع. وقد بيّن ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ذكر أن هذه القاعدة أن الأصل فيما على وجه الأرض للإباحة والحل، أن هذا قول متقدمين، قول متقدمين، ولا يعرف عنهم مخالف، ما يعرف عنهم مخالف. وأن الخلاف إنما جاء متأخر، الخلاف جاء متأخر. فهذا منه ذكر كأن الإجماع، وكأن الأمة في الصدر المتقدمة، في الصدر المتقدمة، الأمة قد أجمعت على هذه القاعدة بأن الأصل في الأشياء الحل والإباحة والطهارة. ونازع في ذلك بعض المتأخرين، وخاصة من المعتزلة، فيرون أن الأصل في الأشياء المنع. الأصل في الأشياء المنع، أي أنك وجه هذه المسأحيانا إخواني في الله فيما لو أردت أن تنتفع بشيء، وما عندك دليل على جواز الانتفاع منه، أي بإباحته لك لكي تنتفع منه، هنا الإشكال. فعندك دليل يدلك على أن هذا شيء ينتفع به، وعندك أن هذا شيء لا يجوز استخدامه. طب بقي هناك أشياء لم يأتي النص في ذكرها، كيف تتعامل معها؟ فعلى كما ذكرنا على قول جماهير العلماء، ومن ذكر الاتفاق المتقدمين، أن هذه الأشياء الموجودة التي لم يأتي بها ذكر لا بالتحريم ولا بالحل، تبقى على الإباحة. أي لك أن تستنفع بها حتى يأتي الدليل الخارجي الذي يوقفك ويمنعك من ذلك. وسمعتم الأدلة من استدل بهذا فريق العلماء، وخاصة من أهل الاعتزال، ونسب هذا إلى بعض أهل الحديث، أنهم قالوا: لا، الأصل في الأشياء المنع. الحلال ما أباحه الله، والحرام ما حرمه الله، وما سكت عنه الشرع، فهذا لا نستنفع منه. ما هو الدلالة عندهم؟ الدلالة عندهم عقلية. الدلالة عقلية عندهم، قالوا: أن هذه الأشياء هي ملك لله، هي ملك لله، هو الذي خلق هذه الأشياء. قال: فإذا كان هذا الأمر ملك لله عز وجل، فلا يجوز أن نتصرف بشيء ما حتى نستأذن. فلا يلزم الإذن في استخدام والانتفاع من هذه الأشياء، فنقف حتى يأتي الإذن الشرعي. فقالوا: إذن الأصل في الأشياء الحظر والمنع. وهذا قول ضعيف، وهذا القول ضعيف. ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى يقول: «والأصل في مياهنا الطهارة والأرض والثياب والحجارة». وهذا كما قلنا يتفرع من تلك القاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الأشياء الطهارة. فقول رحمه الله تعالى: «والأصل في مياهنا الطهارة»، الأصل في المياه. وهنا المياه بشتى صور المياه، مثلا أنت في مكان، فإذا بنهر جاري. أنت في مكان، فإذا ببئر. أنت في مكان عبارة عن تجمع الأمطار التي نزلت من السماء. أنت في نزهة، فإذا بينبوع ماء، أو أنت في أمام عين جارية. عدة أنواع من المياه، ما حكم الانتفاع من هذه المياه؟ هل تقول: أنا أقف حتى يأتي الدليل على طهارة هذا الماء؟ لا نقول: الأصل في المياه الطهارة. تغتسل يا عبد الله من أي ماء. ويدل على هذا الأصل ما في قوله عليه الصلاة والسلام: «الماء طهور لا ينجسه شيء». الماء طهور لا ينجسه شيء. فقال رحمه الله تعالى: «والأصل في مياهنا الطهارة والأرض والثياب والحجارة». وهكذا الأرض، الأصل في الأرض أنها طاهرة. الأصل في الأرض أنها طاهرة، تفيدك هذه القاعدة فيما لو أنك يا عبد الله في سفر، أو كنت في أرض، وأردت أن تصلي، وأردت أن تصلي في بقعة معينة، فلربما يعتريك الشك، فتقول: هذه البقعة التي سأصلي فيها هل هي طاهرة نظيفة أم أن فيها نجاسة، فيها شيء من الدرن والخبث؟ فيأتيك ماذا؟ الشكوك. هل؟ هل؟ لا شك يا عبد الله، الأصل في الأرض أنها طاهرة، فتصلي في أي بقعة كنت، كنت في رأس جبل، أو كنت في بطن واد، أو كنت في السهول والهضاب، في أي بقعة يا عبد الله حلت عليك الصلاة، فإنك تصلي. ويدلك أيضا على هذا المسجد، على هذه المسألة، ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. فأخبر نبينا على أن الأرض جعلت لنا مسجدا. معنى مسجدا: أن أي رجل أدركته الصلاة، فليصلي في أي مكان تصلي. وهكذا يا عبد الله، هذا يستفاد من هذه القاعدة. قال رحمه الله تعالى: «والأصل في مياهنا الطهارة والأرض والثياب والحجارة». وهكذا الثياب، الأصل في الثياب أنها طاهرة. وجدت ثوبا ما معلقا موجود في خزانتك، أهدي إليك ثوب، فأردت أن تلبسه، هل تلبسه مباشرة أم تتأنى وتقول: ويعتريك الشك؟ تقول: هذا الثوب هل هو طاهر؟ هل هو نجس؟ هل لربما وقع فيه شيء مما يؤثر في صلاتي؟ وهذا يوجد عند بعض الناس، كان قديمة، ولازال عند بعضهم، أنه إذا اشترى ثوبا جديدا، لربما طرحه في الماء، يوجد هذا. ثوب جديد يؤتى به، ثم يطرحه في الماء، يغسله، لماذا؟ حتى يبعد الشك. هل هذا صحيح؟ لهذا ليس بصحيح. الأصل في الثياب الطهارة. الأصل في الثياب الطهارة، ولو حتى جئت من قبل الكفار، بما أنها جديدة لم تلبس، فالأصل فيها الطهارة. هذا طبعا هذا الثياب اللي نقول فيها الطهارة هي التي كانت من صنع شيء طاهر. أما إذا كانت الثياب مصنوعة من الجلود، من جلود الخنازير والميتة وإلى غير ذلك، فهذا شأن آخر. نتكلم عن الثياب التي مصنوعة من شيء طاهر، فالأصل فيها الطهارة. فأنت دخلت في مكان ما، وأردت أن تصلي. دخلت في مصنع، دخلت في مكان، أردت أن تصلي، وما عندك ثوب، فأخذت ثوبا ما من مكان، وأردت أن تصلي، فتقول في نفسك: هذا الثوب المعلق، أنا سأحتاج إليه حتى أصلي، هل ألبسه الآن أم لا ألبسه؟ أو لا بد أن نغسله؟ لأن هذا الثوب معلق، الله أعلم به، ما الذي لبسه؟ وكيف فعل به؟ هل أوقع فيه نجاسة؟ هل طرحه في مكان نجس؟ فيتبدأ أنت بالشكوك. لا يا عبد الله، لا تشكك. قل: الأصل في الثوب أنه طاهر، فتعمل بهذا الأصل يا عبد الله في الأراضي، وفي المياه، وفي الثياب. قال رحمه الله تعالى: «والحجارة». وهكذا أيضا الحجارة، فكل ما كان مما ظهر وصعد على وجه الأرض من الحجارة والصخور والرمال والمعادن إلى غير ذلك، الأصل فيها الطهارة، والأصل فيها الإباحة. فلك أن تنتفع بها، فلك أن تنتفع بها، إلا إن طرأ شيء. وهذا الطروق لا بد أن يكون يقينيا، ليس شك، وليس ظن. إذا رأيت النجاسة ظهرت، أو المانع قد وضح، فحينها تمتنع. قال رحمه الله تعالى: «والأصل في الأبضاع واللحوم والنفس والأموال للمعصوم تحريمها حتى يجيء الحل». فافهم هداك الله ما يمل قول رحمه الله تعالى في آخر البيت. فافهم هداك الله ما يمل، أي ما يملى عليك. هذا الذي أملى عليك المؤلف في هذه الأبيات، هذا تحتاج منك إلى فهم، لأن هذه من القواعد العلمية الفقهية التي استفاد منها العلماء القواعد الكثيرة. قال رحمه الله تعالى: «والأصل في الأبضاع واللحوم والنفس والأموال للمعصوم تحريمها». نبدأ في الأبضاع. الأبضاع جمع البضع، وذكر العلماء في تعريف البضع، منهم من قال كالجوهر رحمه الله تعالى: بأنه بمعنى النكاح. فعلى قوله: الأبضاع بمعنى الأنكحة. وعلى قول بعضهم كابن الأعرابي رحمه الله تعالى: بأن البضع هو الفرج، هو الفرج. فيكون معنى هذا البيت أن الأصل في الأنكحة، وفي الفروج التحريم. الأصل في الأنكحة والفروج التحريم، أي أنك لا تبرم عقد نكاح، ولا تأتي فرجا من الفروج إلا بسبب شرعي. لا بد تسأل عن السبب الذي يشرع لك أن تدنو من هذا الصنع، ومن هذا الفعل. لأن هذه الأشياء الأصل فيها التحريم، لا يجوز لأحد من الناس أن يعقد عقد نكاح، أو أن يأتي فرجا من الفروج إلا بدليل شرعي يدل على الجواز. لأن هذا أمر محرم، فيحتاج إلى دليل حتى يقوم بهذا الأمر. فقال رحمه الله تعالى: «تحريمها حتى يجيء الحل». والدليل على أن هذه الأشياء محرمة قوله سبحانه وتعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾. فأخبر ربنا سبحانه وتعالى على أن هذا الباب مغلق، وما يترك إلا في هذه المواطن، إما أن يكون السبب المفضي لهذا الأمر، إما أن يكون بزواج بالزوجة، أو يكون ملك يمين. فهذان السببان هما الذين يسويغان للعبد ماذا؟ تحليل النكاح، وتحليل الفروج. فإن لم يكن لك سبب من هذه الأسباب، فلا يجوز عبد الله أن تستبيح الفروج. فالفروج تحتاج إلى أمر يقيني. وثم استدل العلماء في تحت هذا المبحث الكثير من المسائل الفرعية. مثل مسألة قالوا: أن رجلا قال: متزوج على إحدى ثلاث زوجات مثلا، ثم خلف، قال: لأ، أو طلق إحداهن، إحداهن، قال: فلان طالق. طلقها، إلا أنه اعتراه النسيان بعد ذلك، وشك أيهن الذي طلق؟ هذا أم هذا أم هذا؟ فماذا يفعل؟ فقال العلماء: فلا يقرب إحداهن حتى يستيقن. لا بد أنه يستيقن، لا بد أنه يستيقن. أما أنه يدخل أنه أنا ناسي، وما أدري، أنه سأتي بالجميع، ما يجوز. هنا أصبحت هذه الأمور محرمة عليك، لأنك لا بد أن تأتي الفرج بشيء يقيني. فإذا طرأ عليك الشك والريب وعدم التحديد أيهن الطالق، حتى لا تقربها عينها، عليك أن تستيقن. لو تستيقن. بعضهم أتى بحلول، منهم من قال: بالإتيان بالقرعة، فإنها تنفع في هذا الباب. ومثال مسألة أخرى: ما لو أردت أن تتزوج من آل فلان، فإذا بمرأة أخبرتك، أو أمك أخبرتك بأن دار بني فلان، وفيهن ثلاث أخوات، قالت: أم أن إحدى الأخوات قد قمت بإرضاعهن، واحدة منهم، إما هذه، إما فلانة، أو فلانة، أو فلانة. أنا ما أستذكر، لكن أذكر أن واحدة قد رضعت مني خمس رضاعات مشبعات. فتقول: يا أم، تذكري، أنا ستزوج من فلانة، فهل هي التي أرضعتها؟ تقول: يحتمل. إذن بما أن هناك شيء شك في هذا الباب، تمتنع، لأن الأصل التحريم. الأصل التحريم، ماذا؟ الأنكحة والأبضاع. ولا يؤتى إلا بسبب ودليل شرعي. وهنا فهذا العهد ماذا؟ بجمهور العلماء، مثل هذه المسائل. فقوله رحمه الله تعالى: «والأصل في الأبضاع واللحوم والنفس والأموال المعصوم تحريمها». فالأصل في الأبضاع، وهي العقود الأنكحة والفروج، التحريم حتى يجيء الحل. وقوله رحمه الله تعالى: «واللحوم». كذلك مسألة اللحوم، الأصل في اللحوم التحريم. إذا جاءك لحم، وأنت متردد في هذا اللحم، هل ذبح؟ هل هو على الطريقة الشرعية أم أنه ميتة، موقوذة، أو متردية، أو نطيحة، إلى غير ذلك؟ فإذا كان تساورك الشك في حق هذا اللحم، فعليك الامتناع. فعليك الامتناع. ومسألة اللحوم أخواني فيها تحتاج إلى تفصيل، تحتاج إلى تفصيل. لأن من مقصد باللحوم التي أصلها التحريم، فهنا أنظر الفقهاء، تجد أن بعضهم يذهب إلى نظرة إلى هذه اللحوم، فيأتي بقاعدة. وآخر ينظر نظرة ثانية إلى هذا اللحوم، ويأتي بقاعدة ثانية. فمثلا، فبعضهم عندما تقول: الأصل في اللحوم التحريم، لا، الأصل في اللحوم الحل. وما الذي يريد بالحل هنا؟ بل ما الذي أراده باللحوم هنا؟ أراد باللحوم الحيوانات. يريد باللحوم الحيوانات. فمثلا يقول بعض الناس: إذا أنت كنت في غابة مثلا، فرأيت حيوانا، وهذا الحيوان ليس من الحيوانات المألوفة عندك، ما تعرفها، لكنها ليست من ذوات الأنياب، شكل غريب، يقفز ويمشي، هل لك أن تأخذ هذا الحيوان، ثم تذكيه الذكاة الشرعية، ثم تأكل من لحمه، وأنت لا تعرف هذا، ما عندك دليل شرعي عنه؟ بل حتى ليس لك سلف في هذا الحيوان كمعرفة، فهل يجوز؟ فهنا يأتي الخلاف. هنا يأتي الخلاف. لكن الصحيح في هذه المسألة كما صرح بهذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ومن بعده الشوكان في إرشاد الفحول: أن الأصل في الحيوانات الحل. الأصل فيها الحل، لأنها تتبع ما خلق الله سبحانه وتعالى للبني آدم، هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا أن ينتفعوا به. ومن هذا الذي ينتفع به؟ أتلكم الحيوانات؟ فإذا كان الحيوان لم يأتي دليل لا على حله ولا على تحريمه، يبقى على أصل الإباحة. يبقى على أصل الإباحة. وهذا نظر في هذا اللحوم. ونظرة ثانية في اللحوم، وهو في قصد اللحم الذي ذبح، هذا نظرة هذا. نظرة الكلام الأول من قال: الأصل في اللحوم الحل، أراد ماذا؟ الحيوانات. جنس الحيوان، الأصل فيه الحل. لكن منهم من نظرة نظرة ثانية في هذه اللحوم، وأراد اللحوم هو اللحم المقدم، هذا يقدم اللحم، فهذا قال بعض العلماء: الأصل فيه التحريم. وممن فصل في هذا مثل العلم بن عثيمين رحمه الله تعالى، حيث قال: والأصل في الحيوان الخل، والأصل في اللحوم التحريم. ففرق بين الحيوان كجنس الحيوانات، وبين اللحم إذا ذبح، وأتي به، وأنت عندك شك، هل هذا الحيوان ذبح على الشريعة أم ذبح على غير الشريعة؟ كأن يكون ميتة، فهنا الأصل في الحيوانات ماذا؟ اللحوم بهذه الصورة التحريم. لأن الله عز وجل أباح لنا الطيبات، ولم يبح لنا غير ذلك. هذا المسألة. لكن بقي هناك تتفرع من هذا الباب، وهو إلا إذا كانت الذبيحة قد جاءتك من قبل أناس، عرف عنهم أنهم لا يذبحون إلا بالشريعة، فما داعي للسؤال. مثل في هذه البلاد الإسلامية، جار، تعرف أنه لا يذبح إلا بالشريعة، فإذا جاءك بلحم، لا تسأل يا جار، حتى لا أحرجك يا أخي، كيف ذبحت هذه؟ فهل أنت ستسأل كل ذباح؟ أو تذهب إلى الجزارين في أيام الأعياد، ثم تشتري من هذا اللحم، فسأل الجزار: كيف ذبحت؟ لا تسأل. بل جاء على بعض من هذا السؤال من التعمق في الدين، وأن هذا من التكلف، لأن هذه الأماكن ممن عرفت أنها تذبح بالشريعة. بل حتى بعضهم جعل هذا الحكم يسري على المسلمين، ويسري كذلك على أهل الكتاب. ما كان من ذباح أهل الكتاب من أهل علم، من قال: أنه ذباح، تقبل، إلا إذا علمت أنها تذبح بغير الشريعة، فإنها ترد. واستدلوا بقول تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾. فربنا أباح وأحل لنا طعام أهل الكتاب، إلا إذا استيقلنا بأنها ذبحت على غير الشريعة، كما يقع بعض بالصعق، وبعض كذلك بالكهرباء، وبعض بالماء غرقا، فهذا مما لا يجوز أكله. قال رحمه الله تعالى: «والنفس والأموال للمعصوم تحريمها». المعصوم، مقصود بالمعصوم هو من عصم دمه وماله. فمن عصم، فالمعصوم وهو الذي عصم دمه وماله، ما حكمه؟ ماله ونفسه محرمة. ما معنى محرمة؟ الأصل في الأموال، والأصل في النفوس ماذا؟ التحريم. ليست مباحة. ليست الأنفس والأموال مباحة لكل أحد أن يمد يده عليها. والأدلة تدل على ذلك، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعرابكم عليكم حرام». فلا يجوز يا عبد الله أنك تسترسل في دماء المسلمين، أو أن تنتهك أرواح المسلمين. وهكذا لا يجوز أنك تعبث بأموال المسلمين، حتى أموالهم محرمة. لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه. أموال المسلمين مصونة، فلا يجوز يا عبد الله أنك تأتي إلى مسلم، فتأخذ شيئا من دمه، مثل القتل، مثل زهق الروح، مثل أن تسيل قطرة من دمه. إخراج قطرة من دم امرئ مسلم ما يجوز إلا بالحق، إلا إذا كان هناك أمور شرعية تبيح لك ذلك، فهذا يجوز. كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». فدلت هذه الاستثناءات على أن الأصل الحرمة. لا يجوز ماذا؟ أن تمتد يدك إلى دماء المسلمين، لا بضرب، ولا بتجريح، ولا بتقطيع أطراف، ولا بشيء. فالأصل حرمة دماء المسلمين. وأيضا حرمة أموال المسلمين، فليست مستباحة. وليس هناك ذريعة تتذرع بها يا عبد الله أن تمتد يدك إلى أخذ أموالهم. طيب إذن، نبقى إذن الأصل في الأموال والأنفس الحرمة. وأن هذا حكم خاص بالمسلمين. المؤلف ما عبر بالإسلام، وإنما قال: «والنفس والأموال للمعصوم تحريمها حتى يجيء الحل». والنفس والأموال للمعصوم، ما قال: المسلمين. وهذا إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى أن هناك أناسا يعاملون كمعاملة المسلم في تحريم دمائهم وأموالهم، مثل بعض الكفار، وخاصة الأصناف الثلاثة: المعاهد، والمستأمن، وكذلك الذمي. هؤلاء وإن كانوا من أموال كفار، لكن دلت الشريعة على أنه ينبغي أنك تحافظ على أموالهم، وتحافظ على أنفسهم. المعاهد هو الذي يكون بيننا وبينهم عهد وهدنة وصلح، وإن كان كافر، ففي فترة المعاهدة، ما يجوز أنك تغدر، فلا يجوز أن تأخذ شيئا من دمه، ولا أن تقتله. لا يجوز لأنه معصوم. والأصل فيها التحريم. قال عليه الصلاة والسلام: «من قتل معاهدا لم يجد رائحة الجنة». ولو كان كافر، ولو كان كافر، لكن بيننا وبينهم عهد وميثاق، فدمه معصوم. قال: «من قتل معاهدا لم يجد رائحة الجنة». وأيضا كذلك الذمي، والذمي هو الذي يسكن في بلاد المسلمين، ويضع الجزية، ويعطي الجزية مقابل أن نحميه، هذا لا يجوز أن نغدر به، ولا يجوز ماذا؟ أن نأخذ شيئا من ماله، ولا من نفسه، من روحه، ولا من دمه. قال عليه الصلاة والسلام: «من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد رائحة الجنة». رواه الإمام أحمد في مسنده، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. والثالث المستأمن، والمستأمن هو الذي طلب الأمان. رجل كافر، ولو كان نصراني كافر، دخل إلى بلاد المسلمين، بعدما أن طلب الأمان، فأعطي الأمان. وأحد من المشركين استجارك فأجره. أجاز ربنا أن يجير المسلم الكافر، يجيره، يدخله في البلاد المسلمين على وجهه. وهل هذا خاص بولاة الأمور؟ لا، بل حتى لباقي الرعاية، لباقي الرعاية. ثبت في الصحيحين عن أم هانا أن دخلت على نبينا عليه الصلاة والسلام، وأخبرتهم أن هناك رجلين من قرابتها، بل قد حموية من قرابتها، أنهم دخلوا على رمانتها، وأن فلانا - وذكرت الرجل هو علي بن أبي طالب - أراد أن يقتلهم، فقال: «قد أجرنا من أجرتي، قد أجرنا من أجرتي، قد أجرنا من أجرتي يا أم هانا». فدل ذلك على أن من دخل بأمان كحال من تدخلهم الدولة، كحال أصحاب الشركات، أو أصحاب الخبرات، أو تقيم مخيمات، فيتأتي المهندسين، هؤلاء يدخلون، وإن كانوا كفار، يدخلون بأمان من الدولة. فهؤلاء لا يجوز أنك يا عبد الله تتطاول على أنفسهم، ولا على دمائهم، لأن الأصل في دماء هؤلاء الحرمة. لكن أين الذي يتفطن لذلك؟ ولهذا كذلك فهذا الحكم خاص بأنفسهم، وهكذا حتى جاءت أدلة بحفاظ أموالهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيبة نفسه، فأنا حجيجه يوم القيامة». انظر لهذه الأحكام، هذه شرعها نبينا في حق من معاهد، رجل كافر، قد يكون يهودي، نصراني، لكن دخل بذمة، ودخل بعهد، وصلح، فهؤلاء يقول نبينا: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصهم أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفسه، فأنا حجيجه يوم القيامة». يحاج عنه نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. إذن خلاصة هذا الكلام إخواني في الله، في قول مؤلف: «والأصل في مياهنا الطهارة والأرض والثياب والحجارة»، أن الأصل في هذه الأشياء الطهارة والإباحة والانتفاع بها. وقول: «والأصل في الأبضاع واللحوم والنفس والأموال المعصوم تحريمها حتى يجئ الحل». ففهم هذاك الله ما يمل، فيه أن الأصل في الأبضاع واللحوم والنفوس والأموال التحريم، أي أنها محرمة. ولا يشرع لأي أحد أن يتطاول عليها إلا بدليل يسعفه إلى أن يتناول هذه الأشياء، من الأبضاع، أي الفروج، أو من النفوس والأموال، وهكذا اللحوم. إلى هنا والله تعالى أعلم. وقبل أنسى كذلك إخواني في الله، هذا إعلان عن درس لأخينا الفاضل جميل الأبيني، وذلك في الحائية، متن في الحائية. ويكون هذا الدرس في تمام الساعة الثامنة صباحا، ويكون هذا إن شاء الله من يوم غد. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى. والله تعالى أعلم. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.