الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 27، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع مسألة تداخل العبادات وتشريك النية، حيث يشرح أن العبادات المتشابهة في الكيفية والصفة يمكن الجمع بينها بنية واحدة. يُشرح أيضًا تقسيمات هذه المسألة وتطبيقاتها العملية.
يتناول المقطع مفهوم التشريك في العبادات، حيث يشرح كيفية الجمع بين أكثر من عبادة في نية واحدة، ويبين الشروط اللازمة لذلك. كما يوضح الحالات التي لا يمكن فيها التشريك.
يتناول المقطع ضوابط التشريك في العبادات، حيث يشرح الحالات التي يمكن فيها الجمع بين عبادتين في نية واحدة، والحالات التي لا يمكن فيها ذلك. يوضح أن العبادات التي هي مكملة لبعضها أو مقصودة لذاتها لا يمكن دمجها.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وَإِنْ تَسَاوَى الْعَمَلَانِ اجْتَمَعَا وَفُعِلَ إِحْدَاهُمَا فَاسْتَمِعَا. هذا البيت، إخواني في الله، دلالته ظاهرة. قوله: إن تساوى العملان، والمقصود بالعملين هنا أي العبادات الشرعية. قوله: إن تساوى العملان اجتمعا، ومعنى التساوي هنا أي أنها تساوت هذه العبادات في الكيفية والصفة. فهناك عبادات تتشابه، وهناك عبادات تتساوى في كيفيتها وفي صفتها. قال: وإن تساوى العملان اجتمعا، وفعل إحداهما فاستمعا. ما النتيجة؟ النتيجة أنك يا عبد الله، إذا وجدت نفسك بين عبادتين متشابهتين صفة وكيفية، فلك يا عبد الله أنك تكتب بفعل واحدة، يجزئ لك عن الفعلين. قال الشارح رحمه الله تعالى في الأصل: إذا اجتمع عملان من جنس واحد، ضابطه أن يكون متفقًا مع بعض في الصفة والكيفية، قال: وكانت أفعالهما متفقة، اكتفي بأحدهما، ودخل فيه الآخر، تكتفي بواحد منهما، يكفيك. وهذا الباب يذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن فيه دلالة على رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده. ويظهر ذلك جليًا أنك بفعل واحد تؤجر على أنك فعلت أكثر من طاعة، وتؤجر على أنك فعلت أكثر من فعل، هذا دليل على رحمة الله بهذه الأمة. وأيضًا كذلك فائدة أخرى، فيها التيسير، فيها التيسير على الناس في باب العبادات. فربما الأصل أنك تؤدي عبادة، ثم تقوم وتؤدي العبادة الأخرى، فيأتيك التيسير بأنك لك أن تكتفي بواحدة. مثاله سيأتي هذا في باب التقاسيم. مثاله مسألة صلاة تحية المسجد. فمثلًا الآن الداخل الذي يدخل المسجد بإمكانه أن يصلي راتبة العشاء القبلية، فيصلي قبل صلاة العشاء ركعتي عموم حديث النبي صلواته ربي والسلام عليه: «بين كل أذانين صلاة». أو أن يصلي، مثلًا دخل بعد المغرب، أراد أن يصلي راتبة المغرب البعدية. فهذه صلاة مطلوبها من حيث الترغيب، وله كذلك، وعليه على قول من يقول بالوجوب أو الاستحباب، مذهب الجمهور، أن يصلي تحية المسجد. فعلى الأصل، فلو دخل الداخل بعد صلاة المغرب مثلًا، صلى المغرب في المسجد، ثم أراد أن يدخل المسجد هاهنا، فيصلي عليه راتبة المغرب، وعليه أن يصلي ركعتين تحية المسجد. لكن قال علماء: لا، لك أن تختصر الطريق، فتؤدي صلاة واحدة، تصلي ركعتين، وفيها تلكم النية، نية الراتبة المغرب، ونية ماذا؟ تحية المسجد. فهذا يجزئ عن هذا، وهذا يجزئ عن هذا. هذا ماذا فيه؟ فيه أولًا دلالة على رحمة الله بعباده، أنك تؤدي عملًا واحدًا فيه طاعتين، وفيه كذلك التيسير والتسهيل على عباد الله. وهذا مثل سيأتي ذكرها، وقد ذكر النوع رحمه الله تعالى فائدة في مقدمة المجموع، عندما ذكر هذه المسألة، قال: وهذه المسألة لا أعلم فيها خلافًا بعد البحث الشديد. أي أن النوع بحث بحثًا شديدًا في هذه المسألة، هل سيجد خلافًا في حق من أراد أن يجمع بين الراتبة وبين تحية المسجد؟ فما وجد خلافًا في هذا الباب، الكل متفق على ذلك. قال رحمه الله تعالى: وَإِنْ تَسَاوَى الْعَمَلَانِ اجْتَمَعَا وَفُعِلَ إِحْدَاهُمَا فَاسْتَمِعَا. إذن، إذا كان عندي عبادتان من جنس واحد، من حيث الصفة والكيفية، فإنك لا تؤديهما كل واحد على حدة، بل لك أن تكتفي بفعل الواحدة. هذا، إخواني في الله، في الجملة، هذا في الجملة. لكن من حيث التنظير ومن حيث التقسيم، هناك تنبيه على هذه المسألة، نبه العلماء. قالوا: نعم، نقول بالجملة، هذه القاعدة الصحيحة. فهناك وهذه المسألة من أراد أن يراجعها في المضان، في كتب الأصول والفقه، تأتي أحيانًا تحت عنوان التداخل في العبادات. هذا عنوانها، يعرفها بعضهم بالتداخل في العبادات. تجد ماذا؟ أوجه الفروق والتقاسيم في هذا الباب. أحيانًا يسمى لا تحت لفظ التشريك في مباحث النية خاصة، تجد مبحثًا يسمى مبحث التشريك، ويراد هنا: هل يمكن أنك تشترك بفعل واحد بنية واحدة، أو بفعل مختلف بنية واحدة؟ فهذه مسألتنا، مسألة التداخل في العبادات، أو مسألة التشريك. هناك أوجه يمكن أن تدخل العبادات بعضها ببعض، وهناك كذلك بالمقابل، هناك أبواب ما يمكن أن العبادات تتداخل مع بعضها. وهذا لا بد أن أتنبه لهذا. نعم، القاعدة عندي عامة، كما عمم المؤلف رحمه الله تعالى، لكن تحتها تقاسيم. نبدأ بالقسم الأول من هذه التقاسيم، مسألة وهي: متى تتداخل العبادات؟ قال علماء: تتداخل عبادات في أوجه، من هذه الأوجه: إذا كانت العبادات مما يدخل بعضها بالبعض، هنا ينفع التشريك. يدخل بعضها ببعض، فتكتب فعل واحد. مثاله يدخل بعضها ببعض، مثل قالوا: أسباب الحدث الأصغر، أسباب الحدث الأكبر، يمكن أن تكتفي بفعل واحد. ما لو أن رجلًا أحدث الحدث الأصغر، من فساء أو من براز أو من تبول، عدة أحداث، هل يحتاج إلى أن يتوضأ لكل حدث؟ أم يكفيه وضوء واحد؟ يكفيه أن يتوضأ وضوءًا واحدًا عن هذه الأحداث. هذا يسمى عبادات يتداخل بعضها ببعض. مثاله الحدث الأكبر كذلك، ما لو اجتمع جنابة مع حيض، وهذا في حق المرأة. إمرأة عندها حيض، وأرادت أن تطهر منه، وعندها كذلك جنابة وقعت بها في أثناء حيضها، فهل لها أن تغتسل للجنابة ثم تغتسل للحيض؟ أم أنها تغتسل غسلًا واحدًا؟ قال علماء: لا يكفيها أن تغتسل غسلًا واحدًا، لأن هذه من الأسباب الحدث الأكبر يتداخل بعضها مع بعض، فتغتسل غسلًا واحدًا يرفع بها الحدث الأكبر عن الحيض، والحدث الأكبر عن الجنابة. وهكذا قس عبد الله في حقي مما تتداخل، مثل السهو. ما لو أن رجلًا صلى صلاة، وفي هذه الصلاة وقع في عدة أنواع من السهو، يسهو ثم يسهو ثم يسهو، وفي آخر الصلاة أراد أن يزد للسهو كم سجدات؟ فهل يزد عن كل سهو سهبه في صلاة عدة سجدات؟ أم تكفيه سجدة واحدة؟ لا تكفيه سجدة واحدة، لأنها مما يتداخل بعضها مع بعض. كذلك في حق المجامع، ما لو أن رجلًا في نهار رمضان جامع أهله، وقع بأهله المرة الأولى، ثم المرة الثانية، ثم المرة ثالثة في طيلة اليوم، وقع على امرأة وهو في نهار رمضان ثلاثة مرات، هذا عليه كفارة كم كفارة؟ قال علماء: عليه كفارة واحدة، بل قال علماء: وهذا بالإجماع. وهذا بشرط أن يكون لم يكفر في الجماع الأول. أم إذا كفر، تنتقل إلى مسألة خلافية. لكن في حق من لو جاء مع أهله أكثر من مرة، أكثر من مرة، ثم أراد أن يكفر، فعليه كفارة واحدة، لأنها يتداخل بعضها مع بعض. وهكذا قس كذلك في موضوع الأيمان. ما لو أن رجلًا حلف على شيء واحد، لكن بعدة أيمان: والله وبالله وتالله لا أداء بيت زيد. أو قال: والله لا أدخل بيت زيد، والله لا أدخل بيت زيد، والله لا أدخل بيت زيد، ثم حنث، كم كفارة عليه؟ عليه كفارة واحدة، لأنها يتداخل بعضها مع بعض. فهذا الوجه يقع فيه التشريك، يقع فيه التشريك، أن الفعل واحد، يكفي ماذا؟ عن الكل. أو القضية الثانية، والصورة الثانية: إذا كانت إحدى العبادات غير مقصودة. العلماء يقسمون العبادات من حيث القصد إلى عبادة مقصودة بذاتها، وهناك عبادة غير مقصودة بذاتها. أي مقصودة لغيرها. وهذه مسألة قد لا تنضبط أحيانًا، لكن نسير كما سار عليه الفقهاء. فقال علماء: إذا كانت العبادات متشابهة من جنس واحد، وتشابهت صفة وكيفية، وكانت إحداهما مقصودة، والثانية غير مقصودة، فحينها يمكن أن تجمعها في عمل واحد. مثاله ما مثلنا به من صلاة الراتبة مع تحية المسجد. دخلت المسجد قبيل الفجر، قبل إقامة الصلاة، فهل لك أن تصلي ركعتي الفجر، أو تبتدأ أولًا تصلي تحية المسجد ركعتين، ثم تسلم، ثم تقوم وتصلي راتبة الفجر؟ أم أنه يجزئك أن تصلي صلاة واحدة، وتنوي بها راتبة الفجر، وتنوي بها كذلك ركعتين التحية؟ نعم، يمكن هذا. فتجمع بينهم بصلاة واحدة. وقلنا: وهذا بالإجماع. لماذا بالإجماع؟ لأن عندي هذه العبادات هي من جنس واحدة، هي من جنس الصلاة، والكيفية والصفة واحدة، نفس الهيئات. أحدهما مقصود، وهي ركعتي الفجر، هذه مقصودة. الشرع رغب بها أن تصلي صلاة تكون تبعًا لماذا؟ لتحية المسجد. وبالمقابل، أما تحية المسجد، فتجد أنا غير مقصودة، غير مقصودة بذاتها. لماذا؟ لأن المطالب في حق الذي يدخل المسجد أنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، هذا المطلوب. المطلوب في تحية المسجد أنك لا تجلس حتى تحدث صلاة، أي صلاة كانت، أي صلاة كانت. فدل ذلك على أن تحية المسجد ليس مقصودة بذاتها، وإنما المص مقصود أنك تشغل المحل بصلاة، وأنت قد فعلت ذلك براتبة الفجر، إذن يكفيك هذا. هذا يكفيك. وهذا يفهمك على أن العبادات منها ما هو مقصود، ومنها ما هو غير مقصود. فإذا اجتمعت، فحين تعمل بهذه القاعدة بأن تؤدي عبادة واحدة، تجزئ عن هذا، وتجزئ كذلك عن هذا. وأمثلة كثيرة وكثيرة جدًا تحت هذا الباب، وتحت هذا النمط. وهكذا قصود. وهل يمكن؟ هل هذا الأمر قد ينسحب إلى أكثر من عبادة؟ نعم، يمكن. يمكن أنك تؤدي ليس فقط عبادتين، بل حتى ثلاث عبادات، تجعلهما كلهما في فعل واحد، في فعل واحد. مثال ذلك ما لو أن رجلًا أراد أن يصلي سنة الوضوء مع تحية المسجد، مع ركعتي الضحى. فقال علماء: يمكن أن تصلي هذه الصلاة كلها بصلاة واحدة، ولك الأجر لهذه ولهذه ولهذه. فتحية المسجد قلنا هي صلاة غير مقصودة بذاتها. وهكذا ركعتي السنة، سنة الوضوء، قال علماء: الظاهر أنها غير مقصودة، لأن النبي ﷺ قال: «من توضأ نحو وضوء هذا، ثم صلى ركعتين، لم يذكر نبيه تخصيص هذه الصلاة»، أي صلاة، ثم صلى ركعتين. فعندي سنة الوضوء غير مقصودة بذاتها. ركعتي الضحى مقصودة بذاتها. فعندي تحية المسجد غير مقصودة، سنة الوضوء غير مقصودة، ركعتي الضحى مقصودة. فإذا هذه السنة الغير مقصودة تدخل في المقصود. يقولنا: وهذه القاعدة إذا اجتمعت عندك عبادة مقصودة، وعبادة غير مقصودة، فإنها تدخل مع بعض، تدمج. فتؤدى صلاة واحدة، ولك الأجر لهذه ولهذه ولهذه. فهذه القاعدة إذن عندنا الباب الذي يذكر العلماء التشريك، وهو أنك يمكن أن تشرك العبادات في نية واحدة. تحت هذا المبحث، المبحث الأول: إن كانت العبادات تتداخل، كما ذكرنا: أسباب الحدث الأصغر، أسباب الحدث الأكبر، مثل السهو الذي يعتري الإنسان، موضوع المجامع فيها رمضان، إلى غير ذلك، موضوع الأيمان. والصورة الثانية من باب التشريك: إذا اجتمعت عندك عبادة مقصودة بذاتها، وعبادة غير مقصودة بذاتها، فاجتمع، فلك يا عبد الله أن تؤديها في عبادة واحدة. القسم الثاني: قسم لا يمكنه التشريك، لا ما يحتمل ما يحتمل أن تدخل هذا مع هذا في نية واحدة، لا بد أن تفرق، لا بد أنك تفصل بين هذا وهذا. فتؤدي هذا، وبعد ذلك تؤدي هذا. ها طبعًا له مجالات. من هذه المجالات، قال العلماء: إذا كانت العبادة تبعًا لعبادة، إذا كان عندي عبادتان، والعبادة إحداها تبعًا للعبادة هذه، هذه تكمل هذه. فإذا كانت كذلك، فلا أدمج، وإنما أفصل، أجعل هذه على حدة، وهذه على حدة. مثاله عندي راتبة الفجر، وعندي كذلك ركعتا الفجر. فلو أن إنسانًا قال: سأصلي راتبة الفجر، وأنوي بها الفجر، يجزئ؟ لا يجزئ. أو العكس، قال: أنا سأصلي فريضة الفجر، وأنوي بها راتبة الفجر، ينفع؟ لا ينفع. لماذا؟ لأن راتبة الفجر مكملة لصلاة الفجر، مكملة لصلاة الفجر. والقاعدة عند العلماء: إذا كانت عندي عبادات، وإحدى العبادات تبعًا للأخرى، إذن تبقى مفصلة، تبقى مفصلة. ولو كان كذلك، إذن ما بقي عندي رواتب أصلا. ما يبقى عندي رواتب. لا الرواتب تؤدى، تؤدي الرواتب، ثم تؤدي الفرائض. بل ما استطعت أن تؤدي الرواتب. لك أن تقضي على مسألة هذا مسألة خلافية: هل القضاء خاص بالنبي ﷺ أم عام لجميع الأمة؟ لكن تميز، فلا تصدق مثل السنة عند السنة الثابتة من سنة راتبة الظهر القبلية، أن تؤدى أربعًا. فيقول بعض الناس: أنا سأتأخر إلى إقامة الصلاة، وأصلي أربع الظهر، وأنوي بها راتبة الظهر، هل ينفع؟ لا ينفع. هذه تبع لهذه، هذه مكمل لهذه. المكملات تستقل بنفسها، لا تجعل هذا مع هذا، وهذا كذلك مثل ماذا؟ مثل مسألة قضاء رمضان مع شوال. قضاء رمضان مع شوال. فاضل رجل أراد عليه أيام من رمضان، أراد أن يقضي بعد رمضان، يأتي شوال، فيقول: إذن أنا عليهم. مثل رجل سافر أو مرض في رمضان ستة أيام، قال: إذن سأصوم في شوال ستة أيام، أنوي بها ماذا؟ أنوي بها القضاء، والقضاء، وأنوي بها شوال. هل هذا ينفع؟ لا ينفع. لماذا؟ لأن شوال تبعًا يدخل هنا غير مقصودة بذاتها. والقاعدة الثانية: أن شوال يعتبر مكملًا لماذا؟ لرمضان. قال النبي ﷺ: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستة من شوال، كان كصيام الدهر». هذا التابع إذن يستقل بنفسه، فانتبه لهذه القاعدة. إذا عندك عبادات، وهذه العبادة ترى أنها تتبع بهذا، تتبعها تبعًا. فإذا ما تجمع بينهم، ولا تكتفي بعمل واحد بحجة التشريك، لا، بل الكل يؤدى. فالرواتب تؤدى على حدة، وبعد الرواتب تؤدي ماذا؟ تؤدي الفرائض، سواء كان في الصلاة أو ما كان في رمضان. هذه القاعدة الأولى مما لا تحتمل التشريك، وهو إذا كانت العبادة تبعًا لعبادة، أو مكملة لها. القاعدة الثانية: إذا كانت العبادات مقصودة لذاتها، عند عبادة مقصودة لذاتها، وعند عبادة مقصودة لذاتها. فالمقصود لذاته لا يدمج مع مقصود لذاته، وإنما هذا يفصل، وهذا يفصل، يؤدى كل على حدة. مثاله ما لو رجلًا أراد أن يصلي راتبة المغرب مثلًا، فتذكر أنه ما صلى راتبة الفجر، سهى ونسى أنه ما صلى راتبة الفجر، فقد إذن: سأشرك، سأدي أصلي ركعتين، ويجعلهم بنية راتبة المغرب، وهي أداء، وبنية راتبة الفجر قضاء. هل يجمع بينهما؟ لا يجمع بينهما. لماذا قد يقول؟ قال: أليس تقول قاعدة بأن الأفعال والعبادات إذا اشتركت في الصفة والكيفية، فيمكن أن نؤديها في وقت واحد بنية واحدة، بفعل واحد؟ نقول: نعم، لكن بضوابط. وهنا الضابط قد انخرم. ما هو الانخرام؟ أن راتبة الفجر عبادة مقصودة بذاتها، وأن راتبة المغرب عبادة مقصودة بذاتها. فلا تجمع بين المقصود لذاته مع بعض، وإنما عليك أن تفصل هذا، وليجمع بينهما. هذا إخواني، فلا، ملخص قواعد العلماء في مسألة التشريك. فعند التشريك يكون في أوجه، وعدم التشريك يكون في أوجه. إعادة الصياغة: تشرك العبادات، ومعنى التشريك أنك تؤدي أكثر من نية، وتجمعه بفعل واحد. وذلك متى؟ إذا كانت العبادات مما تتداخل، أو كانت العبادة منها ما هو مقصود، وغير مقصود. فماذا؟ فيمكن التشريك. وأما عدم التشريك يكون كذلك في موطنين: الموطن الأولى: إذا كانت العبادة تبعًا لعبادة، وهي مكمل من مكملاتها، إذا لا بد أن تؤدي كل واحدًا على حدة. أو عندي عبادتان، وكل عبادة مقصودة لذاتها، هذا مقصود لذاته، وهذا مقصود لذاته. فهنا، عباد الله، لا يمكن ماذا؟ لا يمكن التشريك. وتحت هذه المسائل مسائل كثيرة وكثيرة جدًا، وهي كذلك قد لا تنضبط في بعض الأشياء، لأن كون الشيء مقصودًا لذاته، غير مقصود لذاته، يحتاج إلى تأمل. وهذا اجتهاد عند العلماء. وهذا اجتهاد عند العلماء. فمثلًا، مثلًا قضية مسألة يسأل عنها البعض الناس حول الجمع بين الأضحية والعقيقة. الأضحية والعقيقة، يأتي عيد الأضحى، فينحر الناس، ويتوفر لهم من الأضحى ما لا يتوفر لهم في أيام سلفت، فيسأل سالي: يقول: هذه فرصة يا شيخ، الآن أدي أضحية، والآن وقت عقيقة لأولادي، فهل أضحي بأضحية واحدة بذبيحة واحدة، وأجعلها بنية الأضحية، وبنية ماذا؟ العقيقة؟ هل لي ذلك؟ أم لا لي ذلك؟ هذا مسألة خلافية. وجه الخلاف: اختلف العلماء، هل هذه العبادة؟ هل هي العبادات مقصودة لذاتها؟ أم غير مقصودة لذاتها؟ فتختلف أنظار العلماء. فمنهم من يرى أن هذه العبادات غير مقصودة لذاتها، وأن المقصود منها إراقة الدم للتقرب إلى الله، إذن يدمج هذا مع هذا، ولهذا روي عن قتادة، وعن الحصن البصري. وهذا المشهور عند الأحناف، وقول إمام أحمد: أن هذا يدمج، ويمكن أنك بذبيحة واحدة تشرك العبادات، فتجمع بين الأضحية وبين العقيقة، تكفيك ذبيحة واحدة. وطائفة من العلماء، كالشافعية، وهذا المشهور في مذهبنا، وطائفة من العلماء، كالشافعية، وهذا المشهور في مذهبنا، والمالكية: إلى أنه لا يمكن ذلك. لأن الأضحية عبادة مقصودة لذاتها، والعقيقة عبادة مقصودة لذاتها، فلا يمكن. فتجد إخواني أحيانًا تجد المسائل تحتاج مثل كذلك الجمع بين الجنابة وبين غسل الجمعة. رجل أصبح يوم الجمعة وهو على جنابة، فيدخل الحمام الغسل، فهل يغتسل أولًا للجنابة، وبعد ذلك يغتسل بعد ذلك للجمعة؟ أن يكفيه غسل واحد، على مذهب كثير من العلماء. الصحيح في هذا الباب أنه ماذا؟ يكفيه غسلًا واحدًا. ونبه هنا تنبيه أخير، واختم به هذا المقام. وراجع المسألة الأولى، موضوع التداخل، التشريك في العبادات. كنا مثلنا موضوع راتبة، دخلت المسجد، فلك أن تصلي راتبة الفجر، وتنوي بها تحية المسجد. هذا يمكن أن تؤدي عبادتين في نية واحدة، بفعل واحد. لكن انتبه للشرط الأول: الشرط الأول أنك إذا تحصل على هذه الأجور بالنية، إذا كان هذا في نيتك أصلا، تتحصل. دخلت المسجد، وأنت ناوي على أداء ركعتين، وتنوي بهما ذا، وتنوي بهما ذا، تتحصل الأجر. لكن لو أن رجلًا دخل المسجد، وما كان في نيته أصلا قضية التشريك، ما عنده هذه النية، يدخل، ويصلي، ويذهب، من أين ستأتيك؟ يأتيك الأجر والفضل ما يأتيك. فاشترط العلماء إلى أن هذا الفعل، التشريك، أنك تفعل فعلًا واحدًا، وتتحصل على أجرين اثنين، هذا على النية، إذا كانت في بالك، وإذا كانت في ماذا؟ قصدك. التنبيه الثاني: إذا اجتمعت عبادة مقصودة للذات، وعبادة غير مقصودة لذاتها، فحين عليك أنك تنوي في الصلاة المقصودة بذاتها، والغير مقصود سيدخل معك تبعًا. مثلا: دخلت المسجد، فأردت أن تصلي، فقال علماء: عليك أن تصلي، وتنوي بها راتبة الفجر، لأنها الراتبة، وتحية المسجد تدخل تبعًا. تبدأ بالمقصود لذاته، وأما الغير مقصود بذاته سيدخل معك تبعًا. أما إذا عكست، فلا. فلا تدخل المسجد، تنوي تحية المسجد، فإن الراتبة لا تدخل معك. ونبه على ذلك العلامة العبد العثيمين رحمه الله تعالى: على أن عند التشريك، لا بد أنك تبدأ بالمقصود بالعبادة، وبعد ذلك الغير مقصود بالعبادة يدخل معك تبعًا. هذا إخواني في الله، خلاصة هذه المسائل، وهي إشارات سريعة لهذه القاعدة، والتي عبر عنها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: وَإِنْ تَسَاوَى الْعَمَلَانِ اجْتَمَعَا وَفُعِلَ إِحْدَاهُمَا فَاسْتَمِعَا. وقلنا: وهذا الجمع يكون بفعل واحد، تحت قواعد وضوابط ذكرت سلفًا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.