الدرس في التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 22، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح الشيخ ترجمة باب خف النبي مبيناً الفرق بين الخف والجورب والنعل، ثم يستعرض رجال إسناد حديث بريدة عن النجاشي الذي أهدى للنبي خفين أسودين ساذجين فلبسهما ومسح عليهما مع توثيق الرواة ومناقشة جرح وتعديل بعضهم.
يروي الحديث الصحيح إسلام النجاشي أصحمة بن بحر ملك الحبشة وصلاة النبي عليه صلاة الغائب عند موته، وإهداء النجاشي خفين أسودين للنبي فلبسهما فوراً ومسح عليهما في الوضوء مما يدل على قبول هدايا أهل الكتاب ومشروعية المسح على الخفين.
يستعرض المقطع رجال إسناد حديث دحية بن خليفة الكلبي الذي أهدى للنبي خفين وجبة فلبسهما، مبيناً توثيق الرواة كالحسن بن عياش وأبي إسحاق الشيباني والشعبي، ويذكر فضائل دحية وبعثه إلى هرقل ملك الروم، وينتهي باستدلال الحديث على أن الدباغ يطهر جلد الميتة.
يختتم المتحدث حديثه بالدعاء للجميع بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، ويحمد الله رب العالمين مفوضاً العلم لله تعالى.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد، قال الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى ابن سورة الترمذي رحمه الله تعالى في كتابه "شمائل النبي صلى الله عليه وسلم": "باب ما جاء في خف رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقوله رحمه الله تعالى: "باب ما جاء في خف رسول الله صلى الله عليه وسلم"، هو لباس يصنع من الجلد، ويلبس في القدم فيغطيها كاملة، هذا يسمى خفاً. وقريب منه الجورب، والجورب أيضاً يلبس على القدمين ويصنع غالباً من القطني أو الصوفي أو غيرهما، ومنه هذه الشرابات التي يلبسها الناس اليوم. أما النعال فهي دون ذلك، يعني تلبس على القدم لكنها لا تغطي القدم كاملاً، وإنما تغطي بعضه. وهذه النعال قد تكون من الجلد وقد تكون من غيره. وهذه الترجمة التي بين أيدينا ذكرها رحمه الله تعالى لكي يبين ما يتعلق بخفي الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث صفته، وكيف كان شكله، ونحو ذلك من الأمور المتعلقة بهذا الباب. قال رحمه الله تعالى: "حدثنا هناد ابن السري". وهناد ابن السري هذا تقدم معنا، أنه التميمي الدارمي الحمضلي أبو السري الكوفي. أثنى عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، قال: "ما بالكوفة مثل هناد"، وهو شيخهم. قال الإمام أحمد فيه، وقد وثقه النسائي والذهبي والحافظ وغيرهم. وقال: "حدثنا وكيع". ومر معنا وكيع، إمام من أئمة المسلمين، وكيع ابن الجراح أبو سفيان الرؤاسي الكوفي الأصبهاني النيسابوري الأعور، رجل عظيم في الإسلام. قال فيه الإمام يحيى ابن معين رحمه الله تعالى: "ما رأيت أثبت من وكيع"، وهو أحد مشايخ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. قال الشافعي: "شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي". انظروا يا إخوان كيف أن العلماء هم أطباء يعالجون القلوب، وهكذا يعالجون أحوال الناس التي قد تفسد. وكم يا إخوان نحن اليوم نشكو من سوء حفظنا، وما سبب سوء الحفظ؟ ذاك كان الشافعي يقول: "شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي"، فماذا عسانا نحن اليوم أن نقول؟ وقال: "وأخبرني أن العلم نور، ونور الله لا يؤتى لعاصي"، وفي بعضها: "لا يؤتاه عاصي". وابن وكيع، سفيان، مر معنا أنه ضعيف. فوكيع إمام، وابنه سفيان ضعيف، وهو علة بعض الأحاديث التي مرت معنا قريباً. قال: "عن دلهم ابن صالح". ودلهم ابن صالح هذا هو الكندي الكوفي، وهو ضعيف. ضعفه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وابن حبان والذهبي والحافظ وغيرهم. قال: "عن حجير ابن عبد الله". وحجير ابن عبد الله هذا أيضاً كندي. قال عنه الإمام أبو أحمد ابن عدي رحمه الله تعالى: "لا يعرف". وقال عنه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى لما ترجم له في "تقريب التهذيب": "مقبول". وما معنى "مقبول" في اصطلاح الحافظ في التقريب؟ مر معنا قريباً يا أبا محمد. أحسنت: ضعيف إلا إذا توبع، إذا أتى من يتابعه فيقبل، وإلا فهو ضعيف. يعني حديثه في المتابعات. قال: "عن ابن بريدة". وابن بريدة هذا هو عبد الله ابن بريدة ابن الحصيب الأسلمي، وهو ثقة. قال: "عن أبيه". وأبوه صحابي جليل، هو بريدة ابن الحصيب الأسلمي أبو عبد الله، وقيل أبو سهل. أسلم قبل غزوة بدر، وكان من المهاجرين، وشهد خيبر، وسكن في آخر عمره في بلدة مرو، وقبره فيها. قال: "أن النجاشية أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم خفين أسودين ساذجين، قال: فلبسهما، ثم توضأ ومسح عليهما". وهذا الحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، له شواهد يتقوى بها، ولهذا صححه كما في "صحيح سنن الترمذي"، وهكذا في كتابه "مختصر الشمائل"، وهكذا في "سنن أبي داود"، وهكذا غيرها من كتبه الأخرى. وهذا الحديث فيه أن النجاشي، هذا لقب يطلق على بعض ملوك أي البلدان يا أبا طاهر؟ الحبشة. والحبشة يا إخوان إقليم كبير، اليوم يطلق على عدد من الدول: إثيوبيا، إريتريا، جيبوتي، الصومال، وهكذا إقليم كبير جداً. فمن تولى ملك الحبشة فيُطلق عليه النجاشي. وهذا النجاشي اسمه أصحمة ابن بحر، وأصحمة بالعربية معناه كما ذكروا: عطية. وأصحم هذا أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يهاجر إلى المدينة، لكنه مات على الإسلام. ولهذا لما مات نعاه النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه، نعاه يعني أخبر عن موته، قال للصحابة: «إن أخاً لكم مات في غير أرضكم»، فأمرهم أن يخرجوا إلى مصلى الجنائز، وصلى عليه صلاة الغائب. ولم يصل على غائب عليه الصلاة والسلام إلا على النجاشي. وسبب ذلك هو أن النجاشي مات بين كفار، فلم يصل عليه، ولهذا صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وكان النجاشي لما هاجر المسلمون إلى بلده ونزلوا في أرضه كان عوناً لهم، وكان سبباً لأمانهم هناك، مع أن قريشاً حاولت أن تسترد وتستعيد المسلمين، لكنه أبى أن يسلمهم إياهم. النجاشي لما جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه، لكن الشعب الحبشي لم يسلم، وسبب في ذلك أن البطاركة وزعماء الكنائس في بلاد الحبشة حالوا بين الشعب الحبشي وبين الإسلام. أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم خفين أسودين، أي أن لونهما كان أسود. قال: "ساذجين"، ومعنى ساذجين: أنهما كانا سادة، أي لون صافٍ لا يخالطه لون آخر، وليس فيهما نقش، ولا شيء من ذلك، وإنما كان أسود مجرداً عن الشعر وعن النقش وعن غير الأسود من الألوان الأخرى. قال: "فلبسهما". والفاء هنا قال العلماء: هي للتعقيب، والتعقيب يا إخوان يفيد الفورية، يعني وصلت الهدية إليه فقام ولبسها مباشرة. وهذا أدب عظيم وخلق كريم، هذا يا إخوان يدل على قبول الهدية، وأيضاً فيه تطييب لخاطر من أهداها. يفرح صاحب الهدية حين تعطيه هدية، تعطيه قلماً فيأخذه ويضعه في جيبه، تعطيه نعالاً فيقوم ويلبس النعال مباشرة، تعطيه عمامة فيخلع عمامته ويلبس هذه العمامة. فهذا أدب عظيم كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في مسارعته في قبولها ووصولها. وهذا له وقع في قلب من أهدى. أيضاً فيه دليل على جواز قبول هدايا أهل الكتاب، لأن النجاشي حين أهدى هذه الهدية كان قبل أن يسلم، ثم أسلم رحمه الله تعالى. وبعض من ترجم في الصحابة عدّ النجاشي صحابياً. قال: "فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما". والمسح على الخفين أدلته كثيرة ظاهرة ومتواترة. قال رحمه الله تعالى: "حدثنا قتيبة ابن سعيد، قال: حدثنا يحيى ابن زكريا ابن أبي زائدة". ويحيى ابن زكريا هذا قال فيه الحافظ ابن حجر رحمه الله حين ترجم له في "تقريب التهذيب": "ثقة متقن". ومر معنا قبل أيام فائدة ذكرناها حين مررنا على ترجمة والده زكريا ابن أبي زائدة، وقلنا أنه الذي شذ بزيادة تحريك الأصبع في التشهد، والأمر ليس كذلك، فهذا وهم مني. وإلا ذاك زائدة ابن قدامة، زائدة ابن قدامة هو الذي زاد تحريك الأصبع في التشهد، وحكم على هذه الزيادة من حكم من أهل العلم، حكم عليها بالشذوذ لأنه خالف عدداً أكثر وأحفظ منه لم يذكروا هذه الزيادة. وكان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى يقول: "إن لم يكن هذا شاذاً فليس هناك شاذ". والشيخ الألباني رحمه الله تعالى يجعلها من باب زيادة الثقة التي تقبل. قال: "عن الحسن ابن عياش". والحسن ابن عياش هو الأسدي مولاهم الكوفي، أخو أبي بكر ابن عياش، أخوه الإمام أبو بكر ابن عياش. والحسن ابن عياش هذا وثقه ابن معين والنسائي والطحاوي والذهبي وغيرهم. قال: "عن أبي إسحاق". وأبو إسحاق هنا ليس السبيعي الذي تكرر معنا، وإنما هو أبو إسحاق الشيباني، اسمه سليمان ابن أبي سليمان خيروز الكوفي، وهو ثقة. ذهب رحمه الله تعالى لما ترجم له في كتابه "تاريخ الإسلام" قال: "أحد الأئمة الأعلام، اتفقوا على توثيقه". قال رحمه الله تعالى: "عن الشعبي". ما اسم الشعبي؟ ما اسمه يا أبا فواز؟ عامر ابن شراحيل، عامر ابن شراحيل الشعبي، أحد أعلام التابعين وعلمائهم. قال: "قال المغيرة ابن شعبة: أهدى دحية للنبي صلى الله عليه وسلم خفين، فلبسهما". وهذا الحديث صححه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وفيه أن دحية وهو ابن خليفة الكلبي رضي الله تعالى عنه، صحابي جليل، كان من أجمل الصحابة وجهاً. دحية ابن خليفة الكلبي كان من أجمل الصحابة وجهاً، وكان جبريل عليه السلام إذا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه أحياناً في صورة دحية، حتى أن الصحابة يظنون أن دحية الكلبي هو الذي يجلس مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم بكتابه إلى هرقل. هرقل هذا ملك أي بلد يا علي؟ هرقل ملك أي بلد؟ ولما التردد؟ فإذا عزمت فتوكل على الله. ملك أي بلد؟ نعم الروم، أحسنت. الروم. فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم في محرم من سنة سبع من الهجرة بكتابه إلى ملك الروم، وليس أي أحد يصلح لكي يحمل كتاباً عظيماً كهذا إلى ملك عظيم كهرقل الذي هو عظيم الروم، لكن هذا يدل على فضل دحية ابن خليفة الكلبي رضي الله عنه. أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم خفين، وكان من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبل الهدية، ما يردها، ويثيب عليها. قال: "فلبسهما"، وأتى بالفاء التي سبق معنا أنها للتعقيب، وبعضهم يقول للتفريع. "فلبسهما"، وهذا كما سبق فيه تطيب لخاطر المهدي. وقال: "وقال إسرائيل وهو ابن يونس ابن أبي إسحاق السبيعي: عن جابر". وجابر هنا هو ابن يزيد الجعفي. "عن عامر" وهو الشعبي. قال: "وجبة، فلبسهما حتى تخرقا، لا يدري النبي صلى الله عليه وسلم أذكي هما أم لا". قال أبو عيسى: أي الترمذي. "وأبو إسحاق هذا هو أبو إسحاق الشيباني واسمه سليمان". وهذه الزيادة يعني أن دحية أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم خفين وجبة. ما هي الجبة يا أبا مريم؟ ما هي الجبة؟ مر معنا في الدرس الماضي أو في الذي قبله. ثوب يلبس على القميص مثل العباءة ونحوها. قال: "فلبسهما"، أي الخفين والجبة، قال: "حتى تخرقا"، أي من كثرة اللبس. وما هو الذي يتخرق؟ الخفان لكثرة ملامستهما للأرض. قال: "لا يدري النبي صلى الله عليه وسلم أذكي هما أم لا"، يعني الجلد الذي منه هذان الخفان، هل ذكي ذلكم الحيوان الذي ذبغ إيهابه حتى صنع منه خفان أم لا؟ وهذا فيه أن الدباغ يطهر به الإهاب، وإن كان من الميتة. وبهذا قد انتهينا من هذا الباب، ويأتي معنا في الدرس القادم باب آخر جديد، ألا وهو: "باب ما جاء في نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم". وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.