الدرس في التعليق على الجواب الكافي 63، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الذنوب تزيل النعم وتحل النقم، وقد بين الله عز وجل في القرآن أن تغيير النعم يأتي بسبب تغيير الناس لأنفسهم. ضرب أمثلة على ذلك بقوم سبأ وقرية كانت آمنة مطمئنة فكفرت بأنعم الله.
الله عز وجل يغير نعم العباد بحسب أعمالهم، فإذا كانوا أهل خير زادهم، وإذا عصوا غير عليهم. الآية ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ تدل على أن تغيير النعم يرتبط بتغيير العباد لأنفسهم.
النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الظلم وبيان عاقبته، ويذكر أمثلة من التاريخ مثل قوم صالح وبني إسرائيل الذين عوقبوا بسبب ظلمهم ومعصيتهم لله. الله عز وجل يضرب الأمثال ليتفكر الناس في عواقب الظالمين.
المؤلف رحمه الله ينسب القول إلى عبد الله المبارك في العقوبة المذكورة ويكتفي بذلك. يُظهر نهاية الحديث عن عقوبة معينة مع الإشارة إلى علم الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل من عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة». وقد قال الله عز وجل: ﴿ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾، وقال: ﴿ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. وأدلت هذه العقوبة كثيرة جدا في القرآن، بيّنها ربنا سبحانه وتعالى حتى يعتبر العباد بأن هذه الذنوب تذهب عنهم النعم وتحل محلها النقم والعقوبات. فانظر إلى بعض الأمم التي تركت الطاعة واستبدلتها بالمعصية، فانظر كيف ما حل بهم من العقوبات. فانظر ما ذكره الله عز وجل عن قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح وغيرهم من الأمم السابقة. بل انظر إلى قصة سبأ، فقد كان لسبأ في مسكنهم آية، جنتان عن يمين وشمال، ﴿كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور﴾، فأعرضوا، فلما أعرضوا قال الله عز وجل: ﴿فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل﴾، أي من الدوم، ﴿ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور﴾. فانظر -رحمك الله- إلى هذه القصة التي ذكرها الله عز وجل، كانوا في نعمة عظيمة، عندهم من الزروع والثمار ما الله عز وجل به عليم، حتى سماها الله عز وجل جنة، جنتان، لكن أعرضوا وعصوا الله عز وجل وخالفوا، فأبدلهم الله عز وجل بدل النعمة النقمة، أزال عنهم النعمة وفرقهم ومزقهم، حتى من شدة شقاوتهم أنهم دعوا على أنفسهم، قالوا: «ربنا بعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم وجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق». وهذا كله بسبب هذه المعصية. ويقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون﴾. وربنا جل وعلا أزال عنهم النعمة وحلت بهم النقمة بسبب مخالفة الله جل وعلا وإعراضهم عن شرع الله. فهذه الآية أيضا: ﴿فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾، ربنا جل وعلا كريم سبحانه وتعالى، ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، لو أن الله عز وجل يؤاخذ كل إنسان بذنبه ما تركت دابة تدب على هذه الأرض، ولكن يقدر سبحانه وتعالى ويعفو سبحانه جل وعلا. فقال: ﴿ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾، فربنا جل وعلا يجازي العباد على أعمالهم، فإن كانوا أهل خير قدر لهم الخير وتركهم على نعمتهم، وإن شكروا هذه النعمة زادهم، وإن تركوا وبطروا واستبدلوا الطاعة بالمعصية، فإن الله عز وجل يغير عليهم، ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. قال: فأخبر الله تعالى أنه لا يغير نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه. وهذا من كرم الله جل وعلا وأحسانه على الناس، فإن الله عز وجل لا يزيل النعمة عن العبد حتى يزيلها بنفسه بسبب ذنوبه وبسبب أيضا عدم الشكر لهذه النعمة، فيغير طاعة الله بمعصيته وشكره بكفره وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غير جزاء وفاقا، ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾. فإن غير المعصية بالطاعة غير الله عليه العقوبة بالعافية، والذل بالعز. وقال سبحانه: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾، وهذه الآية أعم من الآية الأولى، فالآية الأولى بين الله عز وجل في سورة الأنفال أن الله عز وجل لا يغير النعمة التي ينعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وهذه الآية أعم: أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، أي إذا كانوا أهل معصية فغيروا إلى طاعة صاروا أهل طاعة، فيغير الله عز وجل عليهم من عقوبات إلى نعم، يزيدهم في نعم. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا﴾. وقال الله عز وجل في بني إسرائيل: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾. فلهذا الله عز وجل يغير أهل الفساد وأهل النقم إلى نعم، يغيرهم بسبب الطاعة إذا توجهوا إليه وأقبلوا إليه، غير الله عز وجل ما بأنفسهم. بل هذا حتى في نفس الإنسان نفسه، إذا غير ما هو عليه من معاصي وغير إلى طاعات غير الله عز وجل عليه. قالوا: «إذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال». قالوا في بعض الآثار الإلهية عن الرب تبارك وتعالى: «وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي إلا ما أحب، ثم ينتقل عنه إلى ما أكره إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره». وهذا معنى قول عز وجل: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. فهذه الأثار الإلهية التي يذكرونها إن كانت موافقة للشرع فلا بأس بنقلها. وأما إن كانت غير موافقة للشرع فلا تنقل. وأيضا لا يؤخذ منها حكم، لا بهذا ولا بهذا، الحكم في شرع الله عز وجل في شريعتنا على ما قرره نبي الله صلى الله عليه وسلم وجاء في الأحاديث والآيات. أما هذه الآثار الإسرائيلية لا يؤخذ منها أحكام، فإن وافقت الشرع فبها، وإلا وإن خالفت فهي مردودة، لأن غالب هذه الآثار وغالب القصص التي يكون بها ليست لها سند يعتمد عليها. لكن ما كان منها صحيحا فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاز الرواية عنهم، فما وافق شرعنا فهو صحيح، وما لم يوافق فلا يعبأ به، وخاصة إذا كان مخالفا. قال: «ولقد أحسن القائل إذا كنت في نعمة فارعها، فإن الذنوب تزيل النعم وحطها بطاعة رب العباد، فرب العباد سريع النقم، وإياك والظلم مهما استطعت، فظلم العباد شديد الوخم». معنى شديد العاقبة. قال: «أسافر بقلبك بين الآثار لتبصر آثار من قد ظلم، فتلك مساكنهم بعدهم شهود عليهم ولا تتهم». وأراد الله مثل قول الله عز وجل: ﴿فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد﴾، ﴿ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعلمون﴾. فالله عز وجل يضرب لنا الأمثال حتى يتفكر في أولئك الذين حصلت لهم العقوبات، فقوم صالح مدائن صالح يمرون عليها كما ذكر ربنا جل وعلا. فأراد ربنا سبحانه وتعالى يتفكر في هؤلاء الذين كانوا أمة قوية قائمة ثم أزالهم الله عز وجل وعذبهم الله بذنوبهم. وكما ذكرنا قبل ذكر المؤلف رحمه الله ذاك الأثر عن أبي الدرداء، لما فتحوا قبرص بكى بعض أهلها إلى بعض، فبكى أبو الدرداء رضي الله عنه، فقيل له: أتبكي وقد أعز الله الإسلام في هذا اليوم؟ فقال رضي الله عنه: «إنما هي أمة قائمة فعصت الله عز وجل فهانت عليه». كانت أمة قائمة ومعروفة على النصرانية، لكن لم يطيعوا الله عز وجل بل عصوا الله وهم يعلمون أن هذه معصية، لم ينقادوا إلى دين الله جل وعلا، فصارت هكذا أزال الله عز وجل منهم العز الذي كانوا عليه وصاروا محكومين لأهل الإسلام. قال: «فتلك مساكنهم بعدهم شهود عليهم ولا تتهم». وما كان شيء عليهم أضر من الظلم، وهو الذي قد قصم ظهرهم. فكم تركوا من جنات ومن قصور وأخرى عليهم أطم كما ذكر الله عز وجل أيضا عن بني إسرائيل: ﴿كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم﴾، تركوها بسبب مخالفتهم لله ومعصيتهم لله، فأزالها الله عز وجل عنهم. قال شعر: «صلوا بالجحيم وفاة النعيم، وكان الذي نالهم كالحلم». وهذا ينسب إلى عبد الله المبارك -رحمه الله-، فهذا ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذه العقوبة، فنكتفي بها والله تعالى أعلم.