الدرس في التعليق على الجواب الكافي 65، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المعاصي تسبب وحشة في القلب وبعداً عن الله والناس وتؤدي إلى ضيق وضنك في العيش. بينما الطاعة تجلب المودة والطمأنينة وتورث الأنس بالله.
الطاعة توجب القرب من الله وتجلب الأنس والطمأنينة، بينما المعصية تسبب الوحشة والخوف. الفرق بين لذة الطاعة ولذة المعصية موضح من خلال أقوال العلماء وأحاديث النبي.
الطاعة تقرب العبد من الله وتورث الأنس به، بينما المعصية تسبب البعد والوحشة بين العبد وربه. كلما ازداد العبد قربا من الله وجد أنسا وكلما ابتعد زادت الوحشة.
الحمد لله ورحمة العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام عبد القيم رحمه الله تعالى: قال ومن عقوباتها، أي عقوبات ذنوب المعاصي، أنها توقع الوحشة العظيمة بالقلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشا، قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبين الخلق، وبين نفسه. وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة، وأمر العيش عيش المستوحشين الخائفين، وأطيب العيش عيش المستأنسين. فهذه الوحشة التي يجدها الإنسان هي البعد عن الله، فيجد في صدره شيئا يصده عن العبادات، عن الطاعات، وعن القرب من الله، يكون بينه وحشة في قلبه. وقد تقدم أنه يكون بينه وبين الله وحشة، وبينه وبين الناس كذلك. أن أهل الطاعة يجعل الله عز وجل لهم المودة منه سبحانه وتعالى، كذلك بين خلقه. وأما أهل المعاصي فيجعل بينهم الوحشة بينه سبحانه وتعالى، وبينهم وبين خلقه. وكذلك أيضا تكون وحشة في صدره، وهذا الران الذي يقشعر على صدره يجعل له مثل الضيق، ومثل أيضا الخوف. وأيضا كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، يصده عن الطاعة. وهذه الوحشة التي يجدها في صدره نوع من الضيق، ومن الضنك الذي ذكره الله عز وجل عن المعرضين. وكل من أعرض عن الله، ولو كان من أهل الإسلام، فهو له نصيب من هذه الآية. وأن الضنك العيش الضنك موجود عنده، وأنه إذا رجع وتاب إلى الله رجعت الطمأنينة في قلبه. لهذا كما تقدم معنا، قلنا أن ذكر الإمام القيم عن شيخ الإسلام أنه كان يقول: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة»، والنوراد بالجنة هي الطمأنينة التي يجدها المؤمن بالله جل وعلا. لكن تحول بينه وبين هذه الطمأنينة المعاصي، كلما كثرت كلما حالت دونه، واستولى عليه الضيق، واستولى عليه الضنك. وهذا كما قلنا بسبب الغشاوة التي في قلبه، والبعد عن الله عز وجل. فقال الإمام القيم رحمه الله: «فلو نظر العاقل ووازن لذة المعصية وما توقعه من الخوف والوحشة، لعلم سوء حاله وعظيم غبنه»، أي أنه غبن خاسر، إذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة المعصية، وما توجبه من الخوف والضيق الداعي له، فيستبدل بما يكون من الطمأنينة في الطاعة والأنس وراحة القلب، يستبدلها بلذة ساعة، يستبدلها بلذة دقائق من المعصية، يظن أن هذا لذة تريحه، وإن راحت وإن وجد راحتها في لحظات، لكنها تذهب وتبقى الحسرات. قال كما قيل: «فإن كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس بالله عز وجل وبطاعته». قال رحمه الله: «وسر المسألة أن الطاعة توجب القرب من الرب سبحانه، وكلما اشتد القرب طوى الأنس عن الطمأنينة والأنس بالله جل وعلا». ولهذا قال نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام: «إني أناجي من لا تناجون، وإني أبيت يطعمني ربي ويسقين». فكثير من العلماء قالوا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أبيته يطعمني ربي ويسقين» ليس الطعام والشراب، وإنما الأنس الذي يجده في قلبه. معنى كما يقال لها من ذكراه زادا يلهيه عن الطعام وعن الشراب. الإنسان أحيانا إذا فرحت نفسه بشيء وألصق به ينسى الشراب والطعام. بل طالب العلم إذا وجد لذة لذة العلم ولذة البحث ينسى طعامه وشرابه. كم من عالم قد نسى طعامه وشرابه بسبب البحث في المسائل وكتابة الحديث ومذاكرته وغيرها من هذا. تجد الرجل أو العالم من هؤلاء يقف من بعد صلاة العشاء إلى الفجر وهو يتذاكر حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا يحوجة طعام ولا شراب. بل أن السلف كانوا يكتبون الحديث، فكتبوا وكانوا ما عندهم ضوء، على شدة البرد في بغداد، تجد أنهم يجعلون بيوتهم مغلقة كلها مغلقة ما يجد ضوء، يجد ضوء السراج. فهذا السراج يضيء ليلا ونهارا، فكان يكتب الحديث، كان يكتب الحديث فكتب ليلة وكتب نهارا، وهو يكتب يظن نفسه أنه في تلك الليلة، ثم أنه ما سمع ذانا ولا شيء، فكتب ليلة ويوم، فخرج في الليلة الأخرى يصلي الفجر، فصل مع الناس، ثم ذهب إلى الدكان يشتري بعض الحاجات له. فقال لصاحب الدكان: أوجد صاحب الدكان يكتب السبت؟ فقال له: كيف تكتب السبت اليوم جمعة؟ فقال: أما صليت معنا الجمعة؟ قال: فاستحييت. كان يكتب ليلة ويوم وما درى نفسه، ظن أنه كتب ليلة واحدة، فانظر إلى همة هؤلاء حتى تنسيهم الطعام والشراب. ما ذكره الطعام والشراب الإنسان أحيانا قد ينهمك في شيء، لكن تذكره بطنه، تذكره مثلا ضمأ. لكن هذا كتب ليلتين ويوما وما ذكر طعام ولا شراب. وهذا لذة العلم، وهكذا كل اللذات التي يجدها الإنسان قد تنسيه الطعام والشراب، منها لذة الإيمان والطاعة. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني يبيت يطعمني ربي ويسقين»، فهذه الأنس كلما قرب العبد من ربه جل وعلا وجد هذا الأنس. أن كان السلف رحمه الله من الصالحين كان يحب أن يأتي الليل، مثلا ما يصدق متى يأتي الليل حتى يقوم ويصلي ويأنس بالله جل وعلا. قال رحمه الله: «وكلما ازداد البعد قوية الوحشة». قال: «والمعصية توجب العبد توجب البعد من الرب، وكلما ازداد البعد قوية الوحشة». ولهذا يجد العبد وحشة بينه وبين عدوه، للبعد الذي بينهما. الإنسان لما يعادي آخر، ولو كان صديقا كان له، لكن لو عاداه يجد وحشة بينه وبينه، ما يستطيع أن يبلغه بعض الكلام. وكذا لما يجد من الوحشة بينه وبينه، وهكذا ولله عز وجل مثل الأعلى، كلما ابتعد عن طاعة الله كلما زادت الوحشة بينه وبين الله. قال: «وإن كان ملابسا له». ولهذا تجد بعض أصحاب المعاصي الذين أكثروا على أنفسهم في المعاصي، تجد إذا أراد أن يفعل طاعة أو يصلي مثلا جماعة في المسجد، يستحي يستحي أنه يأتي لأنه يجد نفسه بعيدا عن هذه الأمور. قال: «قالوا وإن كان ملابسا له قريبا منه، قالوا ويجد أنسا وقربا بينه وبين من يحب وإن كان بعيدا عنه». قالوا: «الوحشة سببها الحجاب الذي يحجب القلب، وهو الران، فإذا تطور صار طبعا وختم». قالوا: «كلما غلظ الحجاب زادت الوحشة». فالغفلة توجب الوحشة، وأشد منها وحشة المعصية، وأشد منها وحشة الشرك والكفر. الغفلة عن طاعة وعن ذكر الله يوجب الوحشة، لكن أعظم منها وحشة المعصية، وأعظم وأشد منها وحشة الشرك والكفر. قال رحمه الله: «ولا تجد أحدا ملابسا شيئا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب ما لابسه منه». أن كانت معاصي فهي الوحشة التي يجدها بسبب المعاصي، وبسبب أيضا بنسبة كثرته أو قلته، هذه الوحشة يجدها بنسبة كثرته في المعاصي أو قلته فيها. وكذلك أيضا وحشة الشرك والكفر، قال: «فتعلو الوحشة وجهه وقلبه، فيستوحش ويستوحش كذلك منه». ويبتعد منه، ولهذا المعاصي تزيد العاصي بعدا عن الله، زيادة بعدا وقساوة. فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله. هذا ما ذكره إمام القيام رحمه الله في هذه العقوبة، فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.