التبيان في آداب حملة القرآن 57

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 57، ألقاها

سجود التلاوة وحكمه

سجود التلاوة هو مسألة فقهية أجمع العلماء على الأمر به، ولكنه مختلف في كونه واجبًا أو مستحبًا. الجمهور يرى أنه مستحب وليس واجبًا.

اختلاف العلماء في حكم سجود التلاوة

هناك اختلاف بين العلماء حول حكم سجود التلاوة، حيث يرى الجمهور استحبابها بينما يرى أبو حنيفة وجوبها. تم توضيح أدلة الفريقين ومناقشة دلالتها.

أدلة سجود التلاوة وتفسير الآيات

استدل الجمهور على استحباب سجود التلاوة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، بينما استدل أبو حنيفة بالآيات القرآنية. تم تفسير آية السجود وتوضيح المراد منها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في سجود التلاوة. قال رحمه الله تعالى: وهو ما يتأكد الاعتناء به، أي سجود التلاوة. وقوله رحمه الله تعالى: السجود التلاوة، هذا من باب إضافة الشيء لسببه، أي السجود الذي سببه التلاوة. قال رحمه الله تعالى: وهو - أي هذا الأمر ومسألة السجود للتلاوة - ولا سيما وسنتكلم على آداب حملة القرآن. قال: وهو ما يتأكد الاعتناء به. فقد أجمع العلماء على الأمر بسجود التلاوة، أي كلهم مجمعون على الأمر بسجود التلاوة. قال: واختلفوا في أنه أمر استحباب أو أمر إيجاب، أي بعد اتفاقهم على أنه مأمور به؛ لأن الأمر هو أوسع من أن يكون واجبًا أو أن يكون غير واجب أو أن يكون مستحبًا. هو أوسع من ذلك؛ لأن الأمر قد يطلق ويراد به الواجب، وقد يطلق ويراد به الاستحباب، وقد يطلق ويراد به أمور أخرى. لكن الأصل في الأمر أنه للوجوب، هذه قاعدة، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بقرينة كما هو معلوم. قال رحمه الله تعالى: فقال الجماهير - أي من العلماء رحمهم الله تعالى -: ليس بواجب، بل هو مستحب. قال: وهذا قول عمر بن الخطاب، وابن عباس، وسلمان الفارسي، وعمران بن حسين، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وغيرهم رضي الله عنهم. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: هو واجب، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، أي أن أبا حنيفة خالف الجمهور في هذه المسألة، فقال بوجوب سجود التلاوة أخذًا بالآية. قال رحمه الله تعالى: واحتج الجمهور بما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء سجدة نزل وسجد، قال: وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة، قال: «يا أيها الناس إنا نمر بسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه». قال: ولم يسجد عمر رضي الله عنه. رواه البخاري. قال النووي رحمه الله تعالى: وهذا الفعل والقانون من عمر رضي الله عنه في هذا المجمع دليل ظاهر على عدم الوجوب؛ وأنه صارف للأمر من الوجوب إلى الاستحباب. قال رحمه الله تعالى: وأما الجواب عن الآية التي احتج بها أبو حنيفة رضي الله عنه، فظاهر؛ لأن المراد ذمهم على ترك السجود تكذيبًا، كما قال تعالى بعده: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾، أي أن الآية فيمن لم يسجد تكذيبًا لأمر الله، لا أنه تركها باعتبار أنه يجوز الفعل والترك. قال رحمه الله تعالى: وثبت في الصحيحين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم «والنجم» فلم يسجد. وثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سجد في «والنجم». فدل أنه ليس بواجب، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ «النجم» مرة فسجد، كما حصل ذلك في الصحيحين في الحديث في قصة سجوده في مكة، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى سورة النجم فلم يسجد؛ فدل ذلك على أن السجود - الذي هو سجود التلاوة - على سبيل الاستحباب، من فعلهم أثيبوا، ومن لم يفعلوا فلا شيء عليه. قد يقول قائل: هذه الأحاديث ظاهرة وواضحة جليًا، فلماذا لم يأخذ بها أبو حنيفة رحمه الله تعالى؟ الجواب عن هذا من جهتين: أولهما لعلهم رحمه الله تعالى لم يبلغهم، أو لم تبلغهم تلك الأحاديث. هذا احتمال. واحتمال ثاني: أنها بلغتهم، ولكن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى في هذه المسائل عندهم أصول يسير عليها، وهي أن ما جاء من النصوص يدل على رفع حكم ما يكون هذا من قبيل النسخ. وعنده أن المتواتر لا ينسخ إلا بمتواتر، وأيضًا أن السنة لا تنسخ القرآن. فلعله رحمه الله تعالى إن بلغته عامل هذه الأحاديث بهذه المعاملة. أو يقال: بأنه لم تبلغهم هذه الأحاديث، فبقي على ظاهر الآية فيما ظهر له، أي ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، أي دلت الآية على أنه يجب عليهم إذا قرئ القرآن أن يسجدوا، أي إذا تليت عليهم آية سجدة أن يسجدوا. لكن كما أجيب عن هذه الآية بأن المراد في الآية من امتنع عن السجود تكذيبًا وجحدًا لأمر الله تبارك وتعالى، كما في الآية: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على