آداب السفر 5

آداب السفر 5

الدرس في آداب السفر 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أذكار السفر وآدابه

يتحدث هذا الفصل عن الأذكار والأدعية التي يستحب للمسافر قولها أثناء سفره، مثل دعاء الركوب والتكبير عند الصعود والتسبيح عند النزول ودعاء دخول القرية ودعاء الخوف من أهلها. كما يشمل الحديث عن بعض الآداب المتعلقة بالسفر.

آداب المسافر والتعجيل في الرجوع

يناقش هذا الفصل أهمية التعجيل في الرجوع إلى الأهل بعد إنجاز المهمة، مستدلًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يصف السفر بأنه قطعة من العذاب. يشدد على ضرورة العودة سريعًا للتخلص من مشقة السفر والاستمتاع بالراحة بين الأهل.

آداب العودة من السفر وتجنب المفاجأة

يركز هذا الفصل على آداب العودة من السفر، خاصة النهي عن مفاجأة الأهل بالوصول ليلًا دون إخبار مسبق، لما قد يترتب على ذلك من نتائج غير محمودة. يستثنى من ذلك الحالات التي يكون فيها الأهل على علم بموعد وصول المسافر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، وما يتعلق بآداب السفر، ما كان من الإشارة إلى بعض الأذكار والأوراد التي يحرص عليها المسافر في سفره، بدءًا من دعاء الركوب، وهكذا ما يكون من دعاء السفر، وأيضًا ما يكون من ذكره لله بالتكبير صعودًا، وبالتسبيح نزولًا، وما كان إذا نزل منزلًا قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، أو ما يكون من كثرة دعائه، إذ أن السفر من مواطن استجابة الدعاء، كما قد مر ذلك معنا، وهكذا ما كان من الذكر الذي يقال عند الرجوع والأوبة من السفر إلى البلاد، فحينها تأتي بقول نبينا عليه الصلاة والسلام: آيبون، تائبون، عابدون لربنا حامدون. وأيضًا مما يذكر من الأذكار التي يحرص عليها المسافر في سفره أنه إذا مر على قرية، وهي في الطريق، فيأتي بورد وذكر، صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه كان يأتي به، فروى الإمام الحاكم في مستدركه، وابن خزيمة، وابن الحبان، من حديث صهيب رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ قريةً يريد دخولها إلا قال حين يراها -أي سيدخل على هذه القرية- قال: اللهم رب السماوات السبع وما أضلل، ورب الأراضين السبع وما أقلل، ورب الشياطين وما أضلل، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها. هذا الذكر كان يأتي به نبينا، كما يقول صهيب رضي الله تعالى عنه، كان إذا في طريقه رأى قريةً كان يأتي بهذه الكلمات، قال: اللهم رب السماوات السبع، وهذا السؤال بربوبية الله سبحانه وتعالى، اللهم رب السماوات السبع، من هو بيده أمر الملكوت العلوي، وما أضلل، ورب الأراضين السبع وما أقلل، من آلت إليه أمور العالم السفلي، كل ذلك بيد الله عز وجل، لا يعزب عنه شيء لا في الأرض ولا في السماء، فهو رب الأرباب جل في علاه. قال: ورب الشياطين وما أضلل، فهو ربها، هو خالقها، هو مدبرها سبحانه وتعالى، قال: ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية، تسأل ربك جل وعلا إن كان من خير في هذه القرية فليكن لنا منها نصيب، وخير أهلها، وخير ما فيها، قال: وأعوذ بك من شرها وشر أهلها، أحيانًا تمر يا عبد الله إلى قرى، وهم لا يتساوون في أخلاقهم ومعاملاتهم، وفي أذيتهم، منهم لربما تمر مر السلام، ومنهم من لربما تتلقى ما يضر منهم من كلام، لربما همز وغمز وسب وشتم، أو ذم، هناك سفهاء، رمي إلى غير ذلك، وهذا قد يجده المسافر، شتان شتان بين القرى، شتان شتان ما بين القرى. فأنت قبل الدخول تسأل ربك عز وجل أن يعطيك من خيرها، وأن يعيذك من شرها، قال: وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، فهذا مما يؤتى به، أما إذا كانت القرية تخشى منها شرًا، قرية تخشى منها شرًا، قوم تخشى من شرهم، مثل ما يقع أن بعض البلدان قد علمت بثار، قد علمت بثار، أو أن فيها قطاع طرق، قد عرف هذا عنهم، فأنت ستمر على هذه القرية، وما تدري من الذي سيأتيك من شرها، فأنت تخاف من شرهم، هنا ثبت من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خاف قومًا قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. هذا الدعاء ليس في أي قرية، لا، هذا في القرية أو في القوم الذي تخشى من أذيتهم، كونك تعلم أن القرية لن تطالب بالثار، فقد يلقون القبض عليك، يجعلونك رهينة، أو تتوقع منهم شرًا، فحينها تسأل ربك جل وعلا أنه يكفيك شرهم، فتأتي بهذه الكلمات: اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. وأما الدعاء الأول، فإنما تدعو في كل قرية تمر عليها، تسأل ما كون من خيرها، وتستعيذ بالله من شرها، أما الدعاء الثاني، كما يحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، من حديث أبي موسى الأشعري، هذا في حال الخوف من قوم ما من أذيتهم، فإنك تأتي بهذا الدعاء. كذلك من آداب المسافر أنك يا عبد الله تعجل في الرجوع إلى أهلك، تعجل في الرجوع إلى أهلك، لا شك أن السفر الذي أنشأته يا عبد الله كان لحاجة، السفر أي سفر يكون لحاجة، يذهب علاج ويرجع، يذهب حج عمرة ويرجع، يذهب لقضاء عمل ويرجع، يذهب إلى مهمة إذا أتمت يرجع على إثرها، هنا يحاول إذا متى ما تمت له هذه المهمة أن يعاود الرجوع، أن يعاود الرجوع، لا يتأخر ولا يتأخر ولا يتمهل في بلاد الغربة. والدليل على ذلك ما جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نهمته -والنهمة بمعنى الحاجة- قال: فليعجل إلى أهله، فقوله عليه الصلاة والسلام: السفر قطعة من العذاب، أي من المشقة والأذى، هذا نوع من أنواع العذاب الذي يتلقى المسافر، ما من مسافر إلا ويجد من المنغصات في سفره، ليس حال كحال من هو مقيم بين أهله وأولاده. في السفر يا عبد الله لو ربما يكون لك البخص في الطعام، لا تتهنى به، في الشراب قد لا تجده، في نومك لو ربما لا ترتاح في النوم، كحال بعض الناس إذا غير مكان النوم، من يستطيع أن ينام، أو يكون في مكان غريب يأتيه الأرق والقلق، فألا يكون المسافر في حال سوف في سفره في نوع من أنواع الأذى والمشقة والعذاب، كما قال نبينا: السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه. فإذا قضى أحدكم نهمته، إذا انتهى من حاجتك ومن قضيتك، قال: فليعجل إلى أهله، إذا ما بقي معك شيء، فلا تضيع الأوقات وأنت في بلد الغربة، بل عاود يا عبد الله الرجوع، ولهذا علق الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على هذا الحديث، قال: وفي الحديث كراهة التغرب، وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، إذا ما هناك حاجة لا تتغرب، لا تبتعد عنهم. قال: ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعين على صلاح الدنيا والدين، ولما في الإقامة من تحصيل الجماعات والقوة على العبادة، هذه المحاصل هذه المصالح متى تتوفر فيك تتوفر يا عبد الله في مكان إقامتك في بلدك، بإمكانك أن تتحصل على مصالح الدنيا والدين بوجودك عند أهلك، في تجارتك، في دراستك، في استقرارك، في أرحامك مع قرابتك، تستقر بك الأمور، بخلاف المسافر، فالأمور تتشعب عليه، وهذا يلعب مع وجود هذا التطور الموجود، وهذه الأجهزة، وإن كانت قد قربت العلاقات نوعًا ما، لكن يبقى الأمر في شتات، يبقى الأمر في شتات. ولهذا المؤمن يحرص على الرجوع حتى يقيم ما فيه من المصالح الدينية، وهكذا الدنيوية، انظر يا عبد الله أنت في حال إقامتك في بلدك، كيف أنت في التعبد والله، تذكر الله، تأتي للمسجد، الحلقات، تذهب القرآن، تحضر الندوات، تأتي الكلمات، تسبح الله، تصوم، أمور عندك، سبحان الله، لكن سافر، انظر كيف تكون التعبد عندك، يضعف التعبد، يضعف، فمن مواطن ضعف التعبد ما يكون في حال السفر، ولهذا خفف عن المسافر الطاعات والعبادات، لأن في السفر ما يتأتى أن يأتي العبادات على وجهها، لكن إلى متى على التخفيف يا عبد الله؟ إذن خذ ما يكون لك من المدة التي هي برورة كعمل، كدراسة، لكن متى منتهى الأمر؟ عاود الرجوع إلى أهلك، كذلك من أذكار أو مما يذكر من آداب السفر، وأختم به هذا المقام، أنك يا عبد الله لا تطرق أهلك ليلة، أي من أراد أن يرجع إلى بلده وأراد أن يدخل إلى منزله فلا يدخل عليهم ليلًا، لا يدخل عليهم ليلًا. عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلًا، إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلًا، وفي رواية: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلًا، نهى، فلا تأتي وتطرق على أهلك يا عبد الله وأنت في جنح الظلام، وأنت في الليل، لا تفعل ذلك، وأنت قد جئت بعد طول سفر. إذا أطال أحدكم الغيبة وجاء، كذلك من حديث أنس، قال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطرق أهله ليلًا، لا يطرق أهله ليلًا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية، غدوة أو عشية، أي في الأوقات التي ليست فيها عتمة ولا ظلمة، ليس فيها عتمة ولا ظلمة، في الصباح، في الظهيرة، في العصر، هذه الأوقات مع وضح النهار يأتي نبينا ويدخل على أهله، أما في الليل فلا تفعل ذلك. لماذا؟ ما المانع من ذلك؟ المانع من ذلك عدة أحكام وعدة علل، منها ما أشارت إليه السنة، ومن ذلك أنك لا تفاجأ أهلك بحيث لا يكون على حسن استقبال أو حسن استعداد، تخيّر رجل غائب فترة من أهله، فيأتي فيأتي على حين غرة، فإذا بالبيت غير مهيأ، وأولاده غير مستعدين، وزوجته كذلك لم تستعد لاستقباله، فيكون لهذا يعني أمر كما يقال له وقعه على النفس، لكن هذا الذي أنت كنت السبب فيه. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إذا دخلت كما جاء في البخاري، قال: إذا دخلت ليلة فلا تدخل على أهلك، إذا جئت القرية ليلًا لا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، وتمتشط الشعثة، أي الأمر ربما شعثوا شعث، فبالطار يطرق الباب عليها، فإذا بزوج ما يستعد بهذا الشعر، أو أولاده قد أصبحوا بأوصاخهم، والبيت كذلك، لو ربما أنت عندك عادي قالهم أنك تصل، لكنهم كذلك لا، أمر ثاني، هذا مفاجأة، مناسبة لا بد أن يستعدوا لها. فكان مراعاة الشعر في هذا الباب أنك يا عبد الله إن دخلت ليلًا لا تأتي إلى أهلك، هل قد يقول قائل: وكيف نفعل نحن نأتي ليلًا؟ الطيران أو تأتي الحافلات؟ أي نذهب نذهب إلى الفندق، لا، هذه المسألة إخواني في الله في حق الذي يأتي فجأة، فإن كان أهلك ومن كان في البيت عندهم علم مسبق بمجيئك، حينها تعال في أي ساعة شئت، فالحكم يدور مع هذه العلة، وهو أنك لا تطرق عليهم فجأة. فإن لم تكن هناك مفاجأة فما بأس، تتصل عليهم مع وجود هذه الاتصالات: كيف حالكم؟ نحن إن شاء الله قادمون، ستصل الرحلة ساعة الثانية عشر مساء، وسنصل بساعة واحدة، عندهم علم، انتهى الأمر، تأتي ساعة واحدة الثانية ليلًا، هذا الذي عليه العلماء، ولهذا قال إمام النووي رحمه الله تعالى، ويتحدث عن زمانه كما في شرحه على مسلم، قال: أما إذا علم الوقت فما به إشكال. وذكر مثلًا هذا عندهم أنه إذا علم أن الجيش الفلاني سيأتي، وهذا الرجل ذهب مع هذا الجيش، وأهل ينتظرون، فعلموا أهل البيت على أن هذا الجيش سيصل ليلًا، فعندهم علم مسبق، قال: يدخل إلى أهل متى ما شاء، لماذا؟ لأن هنا ليس عندي مفاجأة، ومثله في مثل هذه الأزمان الاتصالات أو الرسائل أو التواصل، فإن كان أهل البيت عندهم علم بساعة مجيئك فاستعدوا لاستقبالك، فلا كراهة في هذا الباب، وإنما الكراهة تُحمل على الذي يأتي غرة فجأة، فحينها لا تفعل ذلك يا عبد الله، فلا تطرق على أهلك حتى يستعدوا لاستقبالك. هذا مما يذكر إخواني في الله في هذا الدرس من بعض آداب السفر، أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.