الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 516، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بعث النبي أبا أمامة إلى باهلة لدعوتهم إلى الإسلام، فكذبوه وآذوه. كانت هذه هي بداية الأحداث التي أدت إلى هدايتهم فيما بعد.
رأى أبو أمامة في منامه أنه يشرب لبنًا فشبع وروي، ففسر القوم هذه الرؤيا على أنها علامة خير، فأطعموه وسقوه. كانت هذه الرؤيا إشارة إلى هداية القوم.
دخل الناس في الإسلام بسبب بركة أبي أمامة وصبره، وقد أيده الله بهذا الصبر حتى انتشر الإسلام. كان لدخولهم في الإسلام أثر كبير بفضل هذا الصحابي الجليل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة وسلامًا على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. بعد، قال شيخنا مقبل -رحمه الله- قال ابن أبي عاصم -رحمه الله- في «الأحاد والمثاني»، وهو كتاب الأحاد والمثاني، قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي -أي علي بن الحسن بن شقيق المروزي- قال: حدثني الحسين بن واقد، عن أبي غالب، عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى باهلة، وباهلة قبيلة معروفة من قبائل العرب، وقبائل الحجاز. فأتيتهم وهم على طعام، فرحبوا بي وأكرموني. قال تعالى: فكل. فقلت: جئت لأنهاكم عن هذا الطعام، وأنا رسول رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إليكم لتؤمنوا، فكذبوني وزبروني. فانطلقت وأنا جائع ضمآن، قد نزل بي جهد شديد، فنمت، فأتيت في منامي بشربة من لبن، فشبعت ورويت، وعظم بطني. فقال القوم: أتاكم رجل من خياركم وأشرافكم فزبرتموه، اذهبوا إليه فأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي. فأتوني بطعام، فقلت: ما لي حاجة في طعامكم وشرابكم، فإن الله -عز وجل- قد أطعمني وسقاني، فانظروا إلى حالي التي أنا عليها. فآمنوا بي وبما جئت به من عند رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. قال: هذا حديث حسن، ومحمد بن علي بن شقيق مترجم في «تهذيب التهذيب»، وهو ثقة. هذا الحديث في إرسال أبي أمامة -رضي الله عنه- إلى باهلة، داعيًا إلى الله -عز وجل- يدعوهم إلى الله، وهم قومه، فأرسله النبي -عليه الصلاة والسلام- يدعوهم ويحذرهم من بعض ما يرتكبونه من الحرام، ومن ذلك بعض الأطعمة والأشربة التي يأكلونها في الجاهلية. والظاهر أن هذا الطعام هو الميتة؛ لأن الميتة مشهورة عند العرب بأكلها، وليس هناك طعام يمكن أن يذكر أنه يأكل في الجاهلية إلا أن يكون الطعام الذي يهدى أو يقرب إلى الآلهة والأصنام، كما ذكر الله -عز وجل- «وما ذبح على النصب»، والنصب جمع، مفرده أنصاب، والمراد به الصنم الذي يذبح له الذبائح، ويشرك بالله -عز وجل-. لذلك؛ فقد يكون هذا الطعام إما أنه مما أهل لغير الله، أو ذبح لغير الله، أو أنه ميتة. فلهذا؛ لما جاءهم وجدهم يأكلون مثل هذا الطعام، فقال: جئت لأنهاكم عن هذا الطعام. وهذا محتمل أنه أراد نفس الطعام الذي يأكلونه، كما قلنا قد يكون ميتة، وقد يكون مما ذبح لغير الله، ويهل به لغير الله، وهو من ما نهى الله -عز وجل- عنه. فقال: جئت لأنهاكم عن هذا الطعام، وأنا رسول رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إليكم لتؤمنوا. فما كان منهم إلا أن كذبوه، بل وأغلظوا له القول، مع أنهم رحبوا به، لكن لم يستمعوا إليه، وإنما كذبوه، وكذلك أغلظوا عليه بالكلام حتى طردوه. «زبروني» غالبًا تأتي بالكلام الغليظ الذي فيه زجر وطرد. فانطلقت وأنا جائع ضمآن؛ لأنه جاء من المدينة وقطع مسافة إلى أن وصل إلى باهلة، وأيضًا تلك الأماكن صحار قاحلة، غالبًا لا يوجد بها ماء. فلهذا جاء وهو جائع وضمآن، لكنه لم يأكل من طعامهم؛ لأنه يعلم أنه محرم. وانظر إلى ورع هؤلاء الصحابة -رضي الله عنهم- ودينهم، مع أنه نزل بدعوة إلى الله، لكنه صبر وهو بلا طعام وبلا ماء، صبر -رضي الله عنه-. قال: حتى قد نزل بي جهد شديد، والجهد التعب الذي وجده من الطريق ومن عدم الطعام والماء. قال: فنمت، فأوتيت في منامي -أي رأى رؤية- أنه يشرب لبنًا. واللبن في الرؤية إما يراد به العلم، وإما يراد به الصفا والخير، فاللبن في الرؤى خير عظيم، خاصة إذا كان يشرب، فهذا معناه أن الإنسان يتحصل على هذا الخير. والظاهر أن هذا اللبن هنا المراد به هو ما كان عليه أبو أمامة من هذا الدين العظيم والتمسك به، لكن الله -عز وجل- جعله رزقًا له، جعل هذا وإن كان في منام أو في رؤية، لكن جعله حقيقة، وكل الأمر بيد الله -جل وعلا-. قال: فشربت، فأتيت في منامي بشربة من لبن، فشبعت ورويت، وعظم بطني. وهذا قد تكون علامة؛ لأنه جاءهم أول ما جاءهم كان شديد الجوع، معنى ذلك أنه لم يأكل ولم يشرب، فأثر ذلك في جسده، ثم إنه لما شرب اللبن عظم بطنه، يدل على رجل أكل أكلا كثيرًا. قال: فقال القوم: أتاكم رجل من خياركم وشرافكم فزبرتموه، اذهبوا إليه فأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي. فأتوني بطعام. هذا من عقلائهم؛ قالوا: كيف طردتم رجلًا من سادتكم؟ لماذا؟ لأنه أتى بشيء لا تعرفونه أو كذا. فقال لهم: أطعموه من الطعام والشراب. فأطعموه. قال: فأتوني بطعام، فقلت: ما لي حاجة في طعامكم وشرابكم؛ لأنه قد أطعمه الله وسقاه. قال: فإن الله -عز وجل- قد أطعمني وسقاني. قال: فانظروا إلى حالي التي أنا عليها، فآمنوا به؛ أي عرفوا أن هذا ليس إلا من الله. قال: وبما جئت به من عند رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فآمنوا. ودخلوا الإسلام ببركة هذا الصحابي الجليل، أيده الله -عز وجل- وببركة صبره، أيده الله -عز وجل- على هؤلاء حتى دخلوا دين الله -جل وعلا-. والله تعالى.