الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 515

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 515

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 515، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ضحك النبي وتبسم الصحابة وأهمية طلاقة الوجه

يشرح الحديث النبوي حول ضحك النبي ﷺ وتبسم الصحابة، ويبرز أهمية التبسم وطلاقة الوجه في الإسلام. كما يشير إلى أن بعض العباد قد يغلب عليهم الحزن.

جمع النبي بين الرضا والحزن على فراق الأحبة

النبي ﷺ كان نموذجًا في الجمع بين الرضا بقضاء الله والحزن على فراق الأحبة، موضحًا أن دمع العين وحزن القلب لا يتعارضان مع الرضا.

دخول الناس الإسلام بالقوة وتحسين إسلامهم لاحقًا

يفسر المقطع الحديث النبوي حول دخول الناس الجنة بالسلاسل، مشيرًا إلى أن بعض الناس يدخلون الإسلام بالقوة ثم يحسنون إسلامهم فيما بعد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخنا مقبل -رحمه الله-: قال الإمام محمد -رحمه الله تعالى-: حدثنا ابن نمير، وهو عبد الله بن محمد بن نمير الكوفي، والد محمد بن عبد الله بن نمير، شيخ الإمام مسلم، قال: حدثنا الأعمش، وهو سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي الأعمش -رحمه الله-، كان محدثا ومقرئا، كان يقرئ الناس في الكوفة، أخذ القراءة عن عاصم وعن غيره، قال: عن حسين الخرساني. حسين الخرساني هو المراد به الحسين بن منذر الخرساني، وقيل: إنه الحسين بن واقد، والظاهر أنه -لأن أكثر الأسانيد يأتي من طريق حسين بن واقد خاصة الرواية عن أبي غالب- والحسين بن واقد هو مروزي، ونسب إلى خراسان لعله لأجل أن خراسان تعتبر البلدة الواسعة، وهذه مر، وكذلك الري وبيهق وغيرها تنتسب أو كلها تضمها خراسان، فلهذا نسب إلى خراسان الحسين بن واقد المروزي -رحمه الله-، قال: عن أبي غالب، هو حزور، عن أبي أمامة -رضي الله عنه-، قال: استضحك رسول الله ﷺ يوما، فقيل له: يا رسول الله، ما أضحكك؟ قال: «قوم يساقون إلى الجنة مقرنين في السلاسل». قال: هذا حديث حسن. وهذا الحديث جاء نحوه. قال هنا الشيخ: هذا حديث حسن، والحسين الخرساني هو الحسين بن واقد، كما قاله الإمام محمد في «المسند». وقال أبو داود: كما في «تهذيب التهديب» ترجمة الحسين بن منذر الخرساني. فهنا الشيخ يقول: إنه الحسين بن واقد، كما جاء التصريح به في مسند الإمام أحمد، لعله في رواية أخرى. فقال في الحديث: «استضحك رسول الله ﷺ يوما»، والنبي ﷺ كان ضحكه تبسما، ما كان يضحك حتى ترى لهواته أو يسمع صوتا منه عليه الصلاة والسلام، وإنما كان ضحكه -كما قالت عائشة- تبسما، ما كان يتبسم حتى ترى نواجذه. وأما الضحك القهقهة الذي يكون بصوت، فما كان يفعله النبي ﷺ، وهذا مما جعله الله عز وجل فيه من الحياء والخلق العظيم، فهو ما كان -كما قال أنس أو غيره- ما رأيت النبي ﷺ مستجمعا ضاحكا أبدا، ما يضحك حتى يسمع الصوت، وإنما كان ضحكه تبسما عليه الصلاة والسلام، وكان يتبسم دائما. قال جرير بن عبد الله: ما رأني النبي ﷺ منذ أسلمت إلا وتبسم لي. وقال عليه الصلاة والسلام -كما في «الصحيحين»-: «بحسب امرئ من الشر أن يلقى أخاه بوجه عبوس». فطلاقة الوجه مطلوبة، وكذلك التبسم، فقد كان النبي ﷺ يتبسم. وأما ما يحصل من بعض العباد أنه لا يتبسم أبدا، فهذا مما -كما قال الشيخ- الإسلام مما لم يستطع أن يجمع فيه بين الحزن وكذلك ما يكون فيه من الفرح أو ما يكون فيه من طلاقة الوجه. فبعضهم يغلب جانب الحزن حتى إنه ما تراه مبتسما، فضلا عن أن تراه يبتسم، يغلب جانب الحزن. وهذا قد كان في بعض العباد، لكن هذا لم يستطع أن يجمع بين الأمرين. ومثله أيضا ما فعله بعض العباد أنه رؤي ضاحكا في يوم حزن، في يوم مات ولده وهو يضحك، ويريد أن يطرد عن نفسه الحزن. وهذا أيضا ليس منهجا صحيحا، بل هذا -كما قال ابن القيم- إنه لم يستطع أن يجمع بين الرضا وبين الحزن، كما كان النبي ﷺ يفعل، فإنه ﷺ كانت حالاته أكمل الحالات في عبادة ربه جل وعلا، فلهذا كان يجمع بين الرضا بقضاء الله عز وجل وبين الحزن، وكان يقول: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزنون». فكان يحزن القلب وتدمع العين، لكن الرضا موجود، وهذا لا يخالف ولا أيضا يضاد الرضا، بل الرضا موجود بقضاء الله عز وجل وقدره، وإنما هذه رحمة -كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف لما أخذ الطفل لما ابنته زينب فأخذه ونفسه تقعقع فبكى النبي ﷺ وخرجت دمعة من عينه- فقال له عبد الرحمن بن عوف: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: «إنما هذه رحمة يجعلها الله عز وجل في قلوب عباده الرحماء». وقال أيضا في حديث عائشة: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء». فلهذا فدمع العين وحزن القلب لا يعارض الرضا. وكذلك أيضا العكس، فإن الضحك أو الابتسامة لا تعارض الحزن الذي يكون في قلب المؤمن من تقلب الزمان ومن أيضا شرود القلب والذهن عن الله عز وجل، وغير هذه الأشياء التي تحزن قلب المؤمن أيضا من المنكرات الموجودة والمتكاثرة، وأيضا كذلك عدم هداية الأقارب وأقرب الناس إليه، كل ذلك يحزن قلب المؤمن، لكن ليس معنى ذلك أنه يطول حزنه ويترك ما يكون فيه خير له ولإخوانه من الابتسامات ومن طلاقة الوجه، فإن هذا لا يعارض هذا. ومن كان على منهج رسول الله ﷺ هو الذي يجمع بين الأمرين، يجمع بين حزن القلب، لأن حزن القلب لا بد للمؤمن من حزنه، حتى قال الحسن: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون في قلبه حزن -أو كما قال- رحمه الله. وقال الفضيل بن عياض: المؤمن دائم الحزن. الحزن: هو الشيء الذي يجده في قلبه من الأمور التي يجدها أمامه والتي قد مضت. والهم: عندما يكون حزن القلب على ما سيأتي، هذا يسمى هم. وأما الحزن فهو على ما مضى، والغم على ما يجري في وقته، في الوقت الحالي. وهذه كلمات ثلاث كلها تجد بمعنى واحد: غم وهم وحزن، لكن -كما قلنا- الحزن على ما مضى، والهم على ما سيأتي، والغم على ما هو موجود في وقته. وقد يطلق هذا على هذا وهذا على هذا. وقد كان النبي ﷺ يستعيذ من الهم والغم، يستعيذ من الهم والغم -كما جاء في حديث في «البخاري» و«مسلم»-. فلهذا فكان النبي ﷺ يجمع بين هذه الأمور، وليس فيها تضاد -كما قلنا-. فقال: «تضحك رسول الله ﷺ يوما فقيل له: يا رسول الله، ما أضحكك؟ قال: قوم يساقون إلى الجنة مقرنين في السلاسل». واختلف العلماء في تفسير مثل هذا الحديث، ما المقصود أنهم مقرنين بالسلاسل يدخلون الجنة؟ كما جاء في «الصحيحين»: يدخلون الجنة في السلاسل. فقيل: لأجل أنهم دعوا بقوة، معنى دعوا إلى هذا الإسلام بالقوة، ودخلوا هذا الإسلام وحسن إسلامهم بشتى الوسائل التي استخدمت معهم حتى دخلوا الإسلام، يقادون إلى الجنة بالسلاسل. وقيل: إن المراد أنهم يسلمون عندما يرون أهل الإسلام يجاهدون في سبيل الله أو يريدون أن يقتلوهم فيخافون من القتل فيسلمون ويحسن بعد ذلك إسلامهم، فيدخلون الجنة بالسلاسل؛ لأنهم دخلوا الإسلام بالقوة، لم يدخلوا بالاختيار، وإنما دخلوا الإسلام بالقوة، يقادون إلى الجنة بالسلاسل. وهذا الظاهر أقرب التفاسير في هذا الحديث على أنهم دخلوا الإسلام بالقوة، بالرعب والخوف دخلوا الإسلام، ثم حسن إسلامهم. وهذا يحصل الكثير من الكفار، تجد أنه في بداية أمره يتصلب ويصر على ما هو عليه ولا يريد الإسلام، ثم لما يأتي مثلا أهل الإسلام إليهم ويخاف من القتل فيسلم، فيسلم خوفا من أن يقتل، ومن ثم بعد ذلك منهم من يحسن إسلامه ويرى ما يكون فيه من الخير، فيحسن الله عز وجل إسلامه، وبعضهم يبقى على نفاقه. وهذا الذي كان يحصل في عهد النبي ﷺ، فإنه كان الناس يدخلون الإسلام فقط خوفا واستحياء من قومهم، مثل ما حصل عند الأنصار، فإن النبي ﷺ لما جاء إلى المدينة فليس هناك بيت من بيوت الأنصار إلا ودخله الإسلام، فمنهم من يسلم رغبة، ومنهم من يسلم حياء من قومه، معناه يريد أن يكون مع قومه فقط. فلهذا نجم النفاق في عهد النبي ﷺ في المدينة؛ لأن بعضهم دخل نفاقا ومجاراة لقومه، فمنهم من فضحه الله، ومنهم من ستر الله عز وجل عليه، ومنهم من أحسن إسلامه وصار من جلة أهل الإيمان. ولهذا تجد أن النبي ﷺ قال -كما في «البخاري» عن مسعود-: «من أسلم فحسن إسلامه غفر الله عز وجل له ما تقدم من عمله وما تأخر». أو أراد: غفر الله عز وجل له ما كان قبله، ومن أسلم ولم يحسن إسلامه أخذ بالأول والآخر. أي: الآخر الذي فعله في الإسلام. ومن أسلم وحسن إسلامه جمع له الأول والآخر، جمع الله عز وجل له ما كان فعله في الجاهلية في الكفر وهو كافر، فعله من الخير يكتبه الله عز وجل له. وأما من أسلم ولم يحسن إسلامه، أي: أنه نافق وظل على النفاق، فإنه يؤخذ بالأول والآخر، معنى: يكون الأول وإن كانت حسنات فتؤخذ على أنها سيئات لا تكتب له، وما كانت سيئات فإنها لا تغفر له وإنما تكتب عليه، وكذلك يكتب عليه ما كان في الإسلام، أي: من السيئات التي يرتكبها. وهذا هو -كما قلنا- فيمن يسلم غالبا بالقوة وبالخوف يسلم خوفا من أن يقتل فيسلم، فمنهم -كما قلنا- من يحسن إسلامه ويحب الإسلام، كما دخل قوم من العرب في دين الله عز وجل من بعض البدو من المناطق القريبة من المدينة، بعض من بني تميم ومن فزارة ومن غيرهم، وخاصة رؤساء هذه القبائل، فأعطاهم النبي ﷺ حتى حسن إسلامهم. فلهذا فمثل هؤلاء قال النبي ﷺ: «قوم يساقون إلى الجنة مقرنين في السلاسل»، مقرنين معنى: مربوطين بالسلاسل، فيدخلون الجنة؛ لأنهم دخلوا الإسلام بالقوة. هذا هو تفسير أو أولى التفاسير في هذا. وقيل -كما قلنا- غير ذلك. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.