الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 18، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبين المقطع جواز لعن المعصية بوصفها العامة دون تعيين شخص معين، بينما يحرم لعن الشخص المعين إلا إذا مات على الكفر، مستدلاً بآيات وأحاديث تلعن الظالمين وآكلي الربا. ويؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث رحمة لا لعاناً، داعياً إلى الصبر والحلم وتجنب اللعن.
يحذر المقطع من انتشار التصوير رغم الوعيد الشديد، ويحدد ضابط الكبيرة بما ترتب عليه وعيد بنار أو لعن أو غضب أو حد. ويسرد أحاديث اللعن في أربع خصال: تغيير منار الأرض، سرقة الشيء التافه، لعن الوالدين بالسب المتبادل، مع التنبيه على خطورة العقوق.
يستعرض المقطع مجموعة من الأحاديث الصحيحة التي ورد فيها اللعن على مرتكبي كبائر معينة كمن لعن والديه، وذبح لغير الله، وأحدث في المدينة حدثاً، واتخذ القبور مساجد، وتشبه بالنساء أو الرجال. ويبين أن ذكر هذه الأحاديث يهدف لتقرير جواز لعن أصحاب المعاصي وصفاتهم عموماً دون تعيين أشخاص.
يختتم المتحدث الجلسة بالإشارة إلى أن الأبواب العظيمة في كتاب الأمور المنهية ستُناقش في مجالس لاحقة. ويدعو الله التوفيق والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين». غير المعينين، أما من كان بعينه فكما سبق لا يجوز لعنه، لا يجوز لعنه ولو كان كافراً إلا إذا مات على الكفر، إلا إذا مات على الكفر. ويجوز لعن غير المعين، كأن يلعن الشخص بوصفه، فيقال: لعن الله الظالمين، ولعنة الله على الكاذبين، ولعن الله الكافرين. فهذا لعن بالوصف وليس بتعيين الشخص. واللعن، وما أدراك ما اللعن، يعتبر آفة وصفة ذميمة يجب على المسلم أن يبتعد عنها، فليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء. بل جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: «ألا تدعو على المشركين؟» ألا تدعو على المشركين؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إني لم أبعث لعاناً»، مع أنهم مشركون. ألا تدعو على المشركين؟ قال: «إني لم أبعث لعاناً، إنما بعثت رحمة»، إنما بعثت رحمة. وهذه دروس عظيمة يعلمنا إياها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. اليوم بعضنا لربما يحصل بينه وبين جاره، بينه وبين زميله، بينه وبين أخيه سوء تفاهم أو خلاف على أمر أو آخر، فيدعو عليه: الله ينتبه منه، الله يأخذه، الله يخرب بيته، الله يفعل به ويفعل. وأن نبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تدعو على المشركين؟» قال: «إني لم أبعث لعاناً، إنما بعثت رحمة». وفي الصحيحين من حديث عائشة في قصة رجوعه من الطائف، حين أن عرض عليه ملك الجبال، قال: «إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت»، قال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً». فما أحوجنا إلى أن نتعلم الصبر والحلم والرفق والتأني وعدم العجلة. قال رحمه الله تعالى: قال: «باب جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين». قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. وهنا لعن لأصحاب المعاصي وليس لأشخاص معينين. وسبق معنا أن اللعن حقيقته الطرد والإبعاد عن رحمة الله عز وجل، وهذا يعتبر من الأمور العظيمة والخطيرة. وقال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. أي أعلم، أذن أي أعلم، مؤذن أي معلم، بينهم، ونادى هذا المنادي أن لعنة الله عز وجل على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، ويبغونها عوجاً. قال رحمه الله تعالى: قال: «وثبت في الصحيح»، وثبت في الصحيح بل في الصحيحين أيضاً، قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله الواصلة والمستوصلة». وهذا سيأتي بيانه وشرحه إن شاء الله تعالى في باب تحريم وصل الشعر. جاء من حديث ابن عمر، وجاء من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما: «لعن الله الواصلة» أي التي تصل الشعر بالشعر، «والمستوصلة» أي التي تطلب ذلك، التي تطلب أن يوصل شعرها بشعر آخر. وقال: «وأنه قال: لعن الله آكل الربا»، لعن الله آكل الربا، الربا. وهذا قد جاء في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود، وسيأتي كذلك أيضاً في باب خاص يتعلق به، تغليظ ونعم تغليظ تحريم الربا، تغليظ تحريم الربا. وقال: «وأنه لعن المصورين»، وأنه لعن المصورين. ولاحظوا يا إخوان العجب العجاب في باب التصوير، مع الأحاديث المتكاثرة والتي فيها من الوعيد الشديد في أمر التصوير، إلا أنه مما عمت به البلوى اليوم، قل أن يخلو بيت من صور، وقل أن يسلم شخص من تصوير، ولا سيما مع توفر آلات التصوير من كاميرات وجوالات وغيرها وغيرها. فإلى الله المشتكى مما آل إليه حال الكثير منا، نسأل الله العافية والسلامة. وأنه لعن المصورين، أكذا جاء في صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة، من حديث أبي جحيفة. وهذا كله من المعاصي التي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن أصحابها، واللعن لأصحابها يدل على أنها من الصغائر أو من الكبائر. اللعن لأصحابها يدل على أنها من الكبائر. فما ضابط الكبيرة؟ فما ضابط الكبيرة؟ نعم، ما ضابط الكبيرة؟ نعم، ما ترتب عليه وعيد بماذا؟ بنار أو لعن أو غضب، أو ترتب عليه ماذا؟ حد في الدنيا. فهذا يدل على أنها من الكبائر. والصغائر هي ما دون ذلك، هي ما دون ذلك. فهذه كبائر يا إخوان، ماذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أو دعا على أصحابها باللعن؟ قال: «وأنه قال: لعن الله من غير منار الأرض»، أي حدودها، أي حدودها. وهذا جاء في حديث علي بن أبي طالب في صحيح مسلم. لعن النبي صلى الله عليه وسلم أربعاً: «لعن من ذبح لغير الله، ولعن من لعن والديه، ولعن... آه ماذا... من آوى محدثاً، ولعن من غير منار الأرض». أي غير حدود الأرض، يذهب له أرض فيغير في الأركان، وسع قليل، نفس قليل، ادخل في الشارع، ملعون يا إخوان، ملعون من فعل ذلك. أو غير منار الأرض، يعني هناك علامات تعرف بها المواضع والبلدان، في لوحة على الخط مكتوب عليها طيبة، يقوم يأخذ اللوحة ويضعها أمام الشارقة وينصبها، كل من أراد طيبة لابد أن يدخل عند الخزان حق الشارقة ويعمل له لفة ويخرج، وين طيبة؟ قالوا: ارجع من حيث أتيت. أغير منار الأرض، علاماتها وحدودها. وكم يا إخوان تضيع الحقوق وتضيع الجهود بسبب تغيير منار الأرض. قال: «وأنه أي النبي صلى الله عليه وسلم لعن... وأنه قال: لعن الله السارقة تسرق البيضة»، تمامه فتقطع يدها، تسرق البيضة. قيل: البيضة، البيضة يعني تسرق شيء تافهاً تقطع بسبب ذلك يدها. وقيل: البيضة هو ما يلبس على الرأس، يلبسه الشخص من الحديد على رأسه يحمي رأسه من ضربات السيوف ورمي النبال وطعنات الرماح إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. وأنه قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة». وهذا كما في حديث أبي هريرة في ماذا؟ حديث أبي هريرة في الصحيح. وكم يا إخوان التساهل في أمري السرقة، في أمري السرقة. قد يسرق واحد من هذا البفك أو واحد طرزان، يكسب إثم على شيء تافه جداً، يسرق دبة صحة، علبة ببسي، يسرق ثوباً، يعني لربما لا يتجاوز قيمته الثلاثة والأربعة من الألوف، يعني شيء تافه جداً، فاستحقوا اللعنة. قال: «وأنه قال: لعن الله من لعن والديه»، كما سبق في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب. قد يقول قائل: وهل ممكن أن يلعن الشخص والديه؟ سأل الصحابة، صحابة رضي الله عنهم، النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه». لاحظوا كيف كان سبباً في لعن والديه، لعن والديه. فكيف إذا كان هو الذي يباشر اللعن؟ كيف إذا كان هو الذي يباشر اللعن؟ ولا تستغرب، فكم هو العقوق قد كثر وانتشر في أوساط البنين والبنات، في أوساط البنين والبنات. يقول: امتبع يموت هذا، يقال له: من يقول الملعون هذا؟ من قال هذا أبوي؟ يعني تعجب من تلفظ بعض... آه ماذا... بعض ذوي العقوق مع آبائهم وأمهاتهم بمثل هذه العبارات النابية والكلمات القاسية، التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن فاعلها ملعون. «لعن الله من لعن والديه». قال: «ولعن الله من ذبح لغير الله»، أيضاً في حديث علي السابق في الصحيح، في الصحيح، في صحيح مسلم: «لعن الله من ذبح لغير الله»، ولو كان شيئاً يسيراً، ولو لم يذبح إلا دجاجة، ولو لم يذبح إلا أرنباً، ولو لم يذبح إلا ذباباً. فالذبح، فالذبح يحمل معه التعظيم للمذبوح، وهذا لا يجوز لأنه عبادة إلا لله تبارك وتعالى. «لعن الله من ذبح لغير الله». وربنا عز وجل يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. كما أن الصلاة لا تكون إلا لله، كذلك الذبح لا يكون إلا لله. ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾. حتى أعضاؤنا يا إخوان لا يجوز لنا أن نتصرف فيها، يأتي واحد يقول: أنا سأتبرع بكلية، مسكين هذا عنده فشل كلوي، أنا سأعطيه كلية. ما يجوز لك أن تتصرف في أعضائك لأنها ملك لله عز وجل، لأنها ملك لله عز وجل. ولهذا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. كل ذلك ممنوع، لا يجوز. ومن قتل نفسه بشيء عذب بها يوم القيامة، لأنه لا يملك نفسه، وهكذا لا يملك أعضاءه. قال: «وأنه قال: من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». أكد، جاء في مسند أحمد من حديث أنس، وأصله في الصحيحين: «من أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». الضمير يعود لماذا؟ من أحدث فيها حدثاً، فيها يا أبا مسلم؟ من أحدث فيها أي، الضمير يعود إلى ماذا؟ من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فراغ حرم، من عير إلى ثور، ما هي؟ نعم يا باب عبد الرحمن، المدينة، مدينة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً». ومحدثاً يشمل أمرين اثنين: الإحداث في الدين، آوى فيها مبتدعاً ومكنه من نشر البدع وبثها في أوساط الناس. وأيضاً يحتمل الإحداث الذي هو بمعنى الإجرام، قتل قتيلاً وأتى واختبأ عند شخص فجعل يحميه، هذا آوى محدثاً. قال: «فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». قال: «وأنه قال: اللهم العن رعلا وذكوان وعصية، عصوا الله ورسوله ورسوله». قال: وهذه ثلاث قبائل من العرب، وحديثهم في الصحيحين من حديث أنس. وهؤلاء القبائل الثلاث غدروا بيء القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين قتلوا عند بئر معونة. ذهبوا يا إخوان، دعاهم يعلمون الناس، فاجتمعوا عليهم وقتلوهم، فقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على هؤلاء المشركين شهراً يدعو عليهم. قال: «وأنه قال: لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، أي مواضع للعبادة، مساجد أي مواضع للعبادة. ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وهذا قد جاء في حديث أم المؤمنين عائشة في الصحيحين. قال: «وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال»، كما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس. قال رحمه الله تعالى: قال: «وجميع هذه الألفاظ في الصحيح، بعضها في صحيحي البخاري ومسلم، وبعضها في أحدهما». قال: «وإنما قصدت الاختصار بالإشارة إليها». قال: «وسأذكر معظمها في أبوابها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى». نعم، سيأتي معظمها الإشارة إليه في أبواب خاصة ضمن أبواب كتاب الأمور المنهية عنها، لكن ذكرها مختصراً هنا مع بيان لعن أصحابها لكي يدلل على جواز لعن أصحاب المعاصي، لكن من غير تعيين، من غير تعيين لأشخاص وأفراد. فلعن المعين كما سبق لا يجوز. يأتي معنا الكلام حول أبواب عظيمة وأبواب ماتعة ضمن كتاب الأمور المنهية عنها في مجالس لاحقة إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.