كتاب الحيض 4

كتاب الحيض 4

الدرس في كتاب الحيض 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام الحائض في الإسلام

يشرح هذا الفصل الأحكام المتعلقة بالحائض في الإسلام، مبيناً طهارة سؤرها وعرقها وجواز قراءة القرآن بجانبها مع تحريم الجماع أثناء الحيض مستنداً إلى أحاديث نبوية.

تعامل الإسلام مع الحائض مقارنة باليهود والنصارى

يتناول هذا الفصل تعامل الإسلام مع المرأة الحائض مقارنة باليهود والنصارى، موضحاً الوسطية الإسلامية في التعامل مع الحائض وجواز الجلوس معها والأكل والنوم معها مع تحريم الجماع.

توضيح السنة للنصوص القرآنية المتعلقة بالحائض

يفصل هذا الفصل كيف توضح السنة النبوية النصوص القرآنية العامة المتعلقة بالحائض، ويبين جواز مباشرة الرجل لامرأته الحائض فيما عدا الجماع، ويظهر كمال خلق النبي في معاملة أصحابه.

ختام الحديث حول أحكام الحائض

يختتم هذا الفصل بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيراً إلى انتهاء الحديث حول موضوع أحكام الحائض.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم الحجاج أبو الحسين: حدثنا أبو بكر، عن أبي شيبة، وزهير، عن حرب، قال: حدثنا وكيع، ومن الجراح، عن مسعر، عن وكدام، وسفيان - وهو الثوري - عن المشايخ، وكيع. وأيضا روى عن وكيع، قال: عن المقدام بن شريح، عن أبيه - وهو شريح بن هانئ بن يزيد، أبو المقدام الكوفي - أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، ولهذا ذكره الإمام مسلم رحمه الله من المخضرمين، وهو يعد من التابعين. من هو المخضرم؟ من هو المخضرم؟ أشهد الجاهلية والإسلام. نعم، من أدرك الجاهلية والإسلام ولم ير النبي عليه الصلاة والسلام، فهؤلاء يعدون من كبار التابعين. قال: عن عائشة، قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فاه على موضع في، فيشرب. وأتعرق العرق وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فاه على موضع في. ولم يذكر زهير فيشرب. وهذا الحديث فيه ما مر في الدروس الماضية أن سؤر الحائض طاهر، وأن ريقها طاهر، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يشرب من الموضع الذي شاركت عائشة رضي الله عنها في الشرب منه وهي حائض. وأن ذلك يدل على طهارة فمها وسؤرها. وهكذا أيضا قوله: وأتعرق العرق... إلى آخره، يدل على أن عرق الحائض طاهر، فهي في حكم الطاهرات فيما يتعلق بسؤرها وعرقها وطبخها وعجينها وغير ذلك. وإنما الذي تتعلق به النجاسة أو يمتنع منه هو ما يتعلق بالجماع، لأجل وجود الدم، أي دم الحيض. قال: وحدثنا يحيى - وهو التميمي - قال: أخبرنا داود بن عبد الرحمن - وهو العطار أبو سليمان، وهو ثقة، وثقه ابن المعين - أبو داود، قال: عن منصور - وهو ابن المعتمر، الحجبي المكي، وهو أيضا ثقة، وثقه النسائي - عن أمه، وهي صفية بنت شيبة بن عثمان، وهي ممن روى عن عائشة، وروت كذلك عن أم حبيبة وأم سلمة من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضا روت عن أسماء بنت أبي بكر: عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن. وهذا أيضا يدل على جواز قراءة القرآن عند الحائض، وأن هذا لا مانع منه، أن يقرأ الإنسان القرآن وهو بجانب الحائض أو متكئ في حجر الحائض. وأن هذا لا مانع منه، بل هو يدل أيضا على قراءة القرآن، ولو كان بقراءة من موضع النجاسة، أن هذا لا مانع منه، لأن الحائض عند وجود الدم الخارج منها من دم الحيض، ودم الحيض نجس، ومع ذلك كان يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن وهو في حجرها. قال: وحدثني زهير بن حرب أبو خيثمة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي - وهو إمام من أئمة الجرح والتعديل - قال: حدثنا حماد بن سلمة، وابن دينار - حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، وهو إمام - قال: فيه ابن المعين: وقد وثق ابن المعين رحمه الله، وقال: من خالف حماد بن سلمة في ثابت، فالقول قول حماد، فهو من أثبت الناس في ثابت البناني. وكان رحمه الله عابدا زاهدا، حتى قال ابن مهدي: لو قيل لحماد إنه يموت غدا، لم يكن عنده شيء من العمل يزيده. قال: حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يأكلوها ولم يجامعوهن في البيوت. فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم - يعني عن هذا الأمر - فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ظننا أنه قد وجد عليهما. فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أنه لم يجد عليهما. هذا الحديث يخبر أنس رضي الله عنه عن حال اليهود مع الحائض، قال: إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يأكلوها ولم يجامعوهن في البيوت - يعني لم يجلسوا معهن في البيوت - فيجعلون الحائض في مكان منفرد، فلا يؤاكلون معها. وذكر عن النصارى خلاف ذلك، أو عكس ذلك، أنهم يأتون المرأة وهي حائض. فاليهود لا يقربونها بالكلية، حتى الجلوس معها والأكل معها، والنصارى لا يبالون في إتيان المرأة وهي حائض. وكان حكم الإسلام أنه وسط بين هاتين الطائفتين، فأجاز الجلوس مع الحائض والنوم معها ومؤاكلتها ومساكنتها، بل ومباشرتها، ومنع جماع الحائض. فكان حكم هذه الشريعة وسط بين ما عليه اليهود من عدم مؤاكلتها ومجالستها، وما عليه النصارى من إتيان الحائض وهي حائض. قال: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض... يسألونك عن المحيض، يعني عن دم الحيض إذا جاء للمرأة. قال الله جل وعلا: قل هو أذى، هذا الدم أذى. فاعتزلوا النساء في المحيض، يعني في حال كونها حائض. فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن. فبين النبي صلى الله عليه وسلم معنى هذا الاعتزال، فقال: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». اصنعوا كل شيء إلا النكاح، إذا المراد بالاعتزال هنا اعتزال الجماع، جماع الحائض، وليس اعتزالها بعدم الجلوس معها وعدم مؤاكلتها وعدم النوم معها. قال: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». فبلغ ذلك اليهود، أي ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام. فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب، إلا فيما أمر أو نهى عن مخالفتهم فيه. فكان من ذلك ما يتعلق بأمر الحائض. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، لما سمعوا هذا من اليهود، قالا: إن اليهود تقول كذا وكذا - يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد إلا أن يخالفهم - قالا: أفلا نجامعهن - يعني في حال الحيض؟ - فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حتى ظننا أنه قد وجد عليهما - يعني وقع في قلبه شيء عليهما من المؤاخذة والغضب - ثم استقبلهما النبي صلى الله عليه وسلم بهدية من لبن، فعرف أنه لم يقع شيء في قلب النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث فيه حرص الصحابة رضي الله عنهم على سؤال النبي عليه الصلاة والسلام عن أمور دينهم والتفقه في دين الله جل وعلا، ومعرفة أحكام الشريعة. فكانوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام، فما كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فيه من علم أجاب، وما خفي عليه انتظر حتى ينزل عليه الوحي ويخبرهم بجواب هذا السؤال. والسؤال عن العلم هذا أحد طرق تحصيل العلم، أن يسأل المتعلم. فالسؤال كما قال الإمام الزرعي رحمه الله: «العلم كنوز، مفاتيحها السؤال». وهكذا أيضا فيه أن السنة مبينة للقرآن، وأن السنة مع القرآن لها ثلاثة أحوال: موافقة للقرآن، وتكون زائدة عما في القرآن، وتكون مبينة للقرآن. فالسنة إما موافقة للقرآن، مثلا جاء في القرآن الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج، وجاء الأمر بها في السنة. وإما أن تكون في السنة ما هو زائد عن شيء لم يذكر في القرآن، كتحريم مثلا كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، هذا ما ذكر في القرآن، وجاء ذكره في السنة. وإما أن تكون مبينة لإجمال ورد في القرآن، فجاء بيانه في السنة، كبيان كيفية الصلاة، وتفاصيل ذلك، وصفة الحج، ومقادير الزكاة. أو كذلك أيضا تخصيص عموم، كما في هذه الآية: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ هذه عامة بالأمر بالاعتزال وعدم القرب، ثم جاء بيانه في السنة أن المراد بذلك عدم قربها، أي عدم جماعها. وهكذا أيضا في هذا الحديث دليل على جواز مباشرة الرجل لامرأته الحائض في كل شيء إلا في الجماع، أنه لا يمتنع إلا من الجماع فقط. والمراد بالجماع أي حصول الإيلاج في الفرج، لقوله عليه الصلاة والسلام: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». وكل من ألفاظ العموم، فيدل ذلك على جواز وإباحة مباشرة الرجل لامرأته الحائض في كل شيء إلا في النكاح. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة أن تأتزر من نسائه فيباشرها ويحاذر، فهذا يحمل على الاستحباب، يحمل على الاستحباب، وليس هو على سبيل الوجوب. وكذلك أيضا فيه ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الغضب، وكذلك أيضا التغير إذا رأى عليه الصلاة والسلام أو سمع شيئا مما يخالف دين الله جل وعلا. فلما أخبره أسيد بن حضير وعباد بن بشر أنهما سألاه أن يجامع النساء في حال الحيض، تغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم وغضب من ذلك، لأن هذا أمر محرم لا يجوز. وهكذا كان حال النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا انتهكت محارم الله جل وعلا أو سمع شيئا أو رأى شيئا من المنكر، تغير وجه عليه الصلاة والسلام. وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى ما يكره عرفناه في وجهه». تغير وجهه عليه الصلاة والسلام، وهذا من الغضب والكراهية الممدوحة، أن الإنسان يغضب إذا رأى منكرا أو سمع شيئا من الباطل، فيتغير لأجل ذلك، وتأخذه الغيرة على محارم الله، هذا أمر ممدوح، ولا يعد ذلك نقصا فيه، بل هو كمال، بل هو كمال في حقه. وفيه أيضا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من كمال خلقه وحسن معاملته للناس، أنه إذا أتى بكلام أو فعل شيئا وظن من عمل معه ذلك أنه قد أخذ عليه أو وجد في نفسه عليه شيء، فإنه يطيب خاطره بقول أو بفعل يدل على عدم المؤاخذة. ومن ذلك لما قدم لاحد الصحابة عليه الصلاة والسلام وهو محرم لحم صيد، فرده النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ما في وجهه - أي من الكراهية - من الحزن والكراهية، أي رد النبي صلى الله عليه وسلم لما أعطاه، قال: «إنها إن لم نردها عليك إلا أننا حرم، يعني لكوننا محرمين». لم نردها عليك إلا لأننا محرمون، هذا إطابة لخاطره. ومن ذلك أيضا ما في هذا الحديث، لما تغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فظن أسيد بن حضير وعباد بن بشر أنه سيقع في نفوسهما شيء، ويخاف أن يغضب النبي صلى الله عليه وسلم ويقع في قلبه شيء عليهما، بعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهما بهذا اللبن الذي أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهما حتى يعلم أنه ليس في نفسه شيء منهما. فلما أتاهما هذا اللبن عرفا أنه ليس في نفس النبي صلى الله عليه وسلم شيء عليهما. وهذا من كمال خلق الإنسان أن يكون عنده أو هذا الخلق، إذا أغضب أخاه بكلمة أو وجد عليه بكلمة أو بأمر من الأمور، فيطيب خاطره بكلمة يأتي بها، يعتذر عن أمر من الأمور، حتى لا يجد في نفسه عليه شيء. أو يرسل له بهدية متواضعة تكون دالة على أنه ليس في قلبي شيء عليه. وبهذا تدوم المحبة والمودة بين الأصحاب والأصدقاء. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا». نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.