كتاب الصلاة 9

الدرس في كتاب الصلاة 9، ألقاها

النهي عن الصلاة بعد العصر وتأويلاته

اختلف العلماء في حكم الصلاة بعد العصر، حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند غروب الشمس. الأحاديث المختلفة أدت إلى آراء متباينة بين الفقهاء بشأن جواز أو منع الصلاة في هذا الوقت.

تحديد أوقات النهي عن الصلاة

يبدأ وقت النهي عند بداية غروب الشمس أو عند اصفرارها، واختلف العلماء في تأويل هذا النهي بين كونه خاص بالنافلة أو يشمل الفرض والنافلة أيضاً.

استثناءات الصلاة في أوقات النهي

الصلوات ذوات الأسباب تجوز في أوقات النهي، كما أن قضاء راتبة الفجر بعد صلاة الفجر أو بعد طلوع الشمس مسألة فقهية متناولة.

خاتمة حول صحة الإسناد والدعاء

المقطع يشير إلى صحة إسناد حديث معين وأنه يدل على السعة في الأمر، ويختتم بالدعاء والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

طيب، نأخذ الأوقات الأخرى المنهي عنها. مسألة في النهي عن الصلاة بعد العصر، اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة اختلافًا كبيرًا لاختلاف الآثار فيها. فذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا بأس بالتطوع بعد العصر إلى قبل الغروب، وبعضهم حده بالإسفار، وقالوا: إنما النهي الوارد إنما هو خشية التمادي في الصلاة بعد العصر حتى يدخل وقت النهي الذي هو الغروب. وهذا القول ذهب إليه ابن عمر وعائشة من الصحابة، وبعضهم قال: إنه ظاهر قول عمر. وكذلك ذهب إليه عطاء وطاوس وعمر بن دينار وابن جريج وابن حزم، وكذلك اختاره قبله ابن المنذر، ومن المعاصرين العلامة الألباني. واستدلوا على ذلك بما جاء في حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصلوا بعد العصر إلا أن تكون الشمس بيضاء نقية». وهو حديث صححه العلامة الألباني وغيره من الحفاظ. قالوا: ففي الحديث أن الصلاة بعد العصر جائزة ما لم تصفر الشمس، فما دامت الشمس بيضاء نقية فللشخص أن يصلي فيها ما تيسر له من الصلوات. وقد جاء عن بلال رضي الله عنه أنه قال: «لم ينهَ عن الصلاة إلا عند غروب الشمس». قال أيضًا العلامة الألباني: وإسناده صحيح، وهو شاهد قوي لحديث علي. وأيضًا ذهب إليه من الصحابة زيد بن خالد الجهني وأبو أيوب أو تميم الداري، وجمع من الصحابة. القول الثاني: أنها لا تجوز الصلاة في هذا الوقت إلا أن تكون قضاءً فائتة، إلا أن تكون الصلاة قضاءً فائتة فلا بأس به. وهذا مذهب مالك وأحمد وإسحاق. وقال ابن عبدالبر رحمه الله تعالى: ومذهب مالك في هذا أو في ذلك هو مذهب عمر بن الخطاب وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة، وهم رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وهم أعلم بما رووا. قال: وحسبك بضرب عمر على ذلك بالدرة، ولا يكون ذلك إلا عن بصيرة. وكذلك ابن عباس روى الحديث في ذلك عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال به على ظاهره وعمومه. قال: أو قالوا: وإنما استُثني الفائتة من الفرائض في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر». فاستُثني النهي بهذا الحديث. ووفقهم كذلك الشافعي على هذا القول، ولكنه قال: إن معنى النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر التطوع المبتدأ أو النافلة. الشافعي رحمه الله يقول: المقصود بالنهي أي أن يبتدئ الإنسان نافلة ابتداءً أو تطوعًا ابتداءً في ذلك الوقت. قالوا: أما الصلوات المفروضات والمسنونات وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب عليه من نوافل فلا. واحتج على ذلك بحديث قيس بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه يصلي ركعتين بعد السلام من صلاة الصبح، فسكت عنه إذ أخبره أنهما ركعتا الفجر. أخرجه أبو داود وغيره، والحديث صححه العلامة الألباني. إلا أن الحديث لا يصح للانقطاع بين محمد بن إبراهيم التيمي وقيس بن عمر، كما قال الترمذي في السنن. وأيضًا له بعض أهل العلم إلى ترجيح المرسل على المسند. طيب، وفي مسألة أقوال أخرى. والأقرب في هذه المسألة والله أعلم أن الإنسان لا يبتدئ صلاة نافلة في هذا الوقت، أن الإنسان لا يبتدئ صلاة نافلة بهذا الوقت، ليس من ذوات الأسباب ولا ما كان في معناها. لعموم الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك، ولصنيع عمر رضي الله عنه وأرضاه، إذ أنه كان إذا رأى أحدًا يصلي العصر ضربه بالدرة التي كانت معه رضي الله عنه وأرضاه. وكذلك قال ابن عباس: كنا نضربهم عليها مع عمر رضي الله عنه وأرضاه. وبعيد كل البعد أن يفعل عمر ما هو مخالف للسنة، مع أن ظواهر الأدلة تدل على هذا المعنى. كحديث أبي سعيد وحديث عمر نفسه: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس». وما شابه ذلك، فظواهر الأدلة تدل على هذا المعنى: أن الإنسان لا يحدث صلاة، أن يبتدئ صلاة لغير حاجة. أما إذا كان من ذوات الأسباب فلا بأس في ذلك، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. فهذا هو القول الأقرب في هذه المسألة والله أعلم. مسألة أخرى في النهي عن الصلاة عند غروب الشمس. قال ابن عبدالبر رحمه الله تعالى في التمهيد في المجلد الرابع صفحة سبعة عشر: وأجمع العلماء أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها صحيح غير منسوخ، إلا أنه مختلف في تأويله ومعناه. فقال علماء الحجاز: معناه المنع من صلاة النافلة دون الفريضة. قال: هذا جملة قولهم. وقال العراقيون: كل صلاة، فريضة أو نافلة أو جنازة، فلا تصلى في ذلك الوقت، لا عند طلوع الشمس ولا عند الغروب ولا عند الاستواء؛ لأن الحديث لم يخص نافلة من فريضة إلا العصر يومه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر». وقد مضى الرد عليهم. وقال أيضًا في التمهيد في المجلد الرابع عشر صفحة 130: ولا أعلم خلافًا بين العلماء المتقدمين منهم والمتأخرين أن صلاة التطوع والنوافل كلها غير جائز شيء منها أن تصلى عند طلوع الشمس ولا عند غروبها. وإنما اختلف في الصلوات المفروضات والمتبقيات والمفروضات على الكفاية والصلوات المسنونات مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب عليه ويفعله ويندب أمته إليه، هل يصلى شيء من ذلك عند طلوع الشمس وغروبها أو إسفارها؟ إلى آخر كلامه. طيب، ومتى يبدأ الوقت هذا؟ أي وقت النهي الشديد؟ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في فتح الباري: وأما أوله ففيه قولان: أحدهما أنه أخذ الشمس في الغروب حتى تتكامل، أي أول ما تبدأ الشمس في الغروب إلى أن يتكامل غروبها، لحديث ابن عمر: «إذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب». أخرجه البخاري. والمراد به طرفها أو جزء منها. وهذا قول حنفية، وأكثر أصحابنا وغيرهم، أي من الحنابلة. قال: والثاني أوله إذا اصفرت الشمس. قال: وهذا قد تقدم عن نصيرين وحكي عن الشافعي وإسحاق. قال: وحكاه ابن المنذر عن أهل الرأي، ورجحه بعض أصحابنا، ومنهم من حكاه روايتين عن أحمد. قال ابن الرجب: وتبويب البخاري ها هنا يشهد لهذا القول. وأما الوقت الآخر، قال: وأما الوقت الخامس... نعم، وأما الوقت الأخير من أوقات النهي، فإنه يبدأ بأخذ الشمس في الغروب، يعني فإنه يبدأ بأخذ الشمس في الغروب حتى تغرب بكاملها. فهذه أوقات النهي الخمسة. يعني أولها: متى يبدأ؟ يبدأ على قول جماعة من أهل العلم بعد صلاة الفجر، ومنهم من قال: بعد طلوع الفجر. قلنا: وهذا هو الأظهر. وأشد منهم في التحريم الصلاة عند طلوع الشمس حتى ترتفع، فإذا علت مقدار رمح جازت الصلاة. ثم الصلاة جائزة إلى أن تكون الشمس في كبد السماء، فإذا كانت الشمس في كبد السماء كذلك حرم الصلاة في ذلك الوقت. ثم إذا زالت الشمس عن كبد السماء جازت الصلاة، وله أن يصلي إلى صلاة العصر، أن يتنفل إن أراد أن يتنفل. فإذا جاء وقت صلاة العصر وصلى العصر ترك الصلاة، فلا يصلي نافلة ابتداءً. أما إذا فاته فريضة فصلاها في أي وقت من أوقات العصر فله ذلك، أو صلى صلاة من ذوات الأسباب كتحية المسجد ونحوها في أي وقت من أوقات العصر فله ذلك. وإذا غربت الشمس، فعند الغروب - وهو عند أخذ الشمس في الغروب إلى أن تغرب كاملًا، أي أن يغرب القرص كاملًا - هذا كذلك وقت نهي، وهو كذلك من أشد أوقات النهي. فهذه خمس أوقات من أوقات النهي عن الصلاة فيها. طيب، مسألة في صلاة ذوات الأسباب، أو هل تصلى الصلوات ذوات الأسباب في أوقات النهي؟ مثل تحية المسجد، وصلاة الكسوف، وركعتين الطواف، والصلاة على الجنازة ونحوها. قال النووي في المجموع الخامس صفحة 28 ومائتين إلى 30 ومائتين: قد ذكرنا أن مذهبنا أنها لا تكره، وبه قال علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وابنه عبد الله وأبو أيوب والنعمان بن بشير وتميم الداري وعائشة رضي الله عنهم. وقال أبو حنيفة: لا يجوز شيء من ذلك. قال: ووافقنا جمهور الفقهاء في إباحة الفوائت في هذه الأوقات، الفوائت مرد بها ما فات العين من صلوات. قال: وهي رواية عن أحمد. وقال أبو حنيفة: تباح الفوائت بعد الصبح والعصر، ولا تباح في الأوقات الثلاثة إلا العصر يومه، فتباح عند اصفرار الشمس. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: وأجمع المسلمون على إباحة صلاة الجنازة بعد الصبح والعصر. والراجح من هذا كله القول الأول: فهو أنه يجوز للإنسان أن يصلي الصلوات ذوات الأسباب ولو كان في وقت النهي، لكن في وقت النهي الشديد - وهي ثلاثة أوقات: عند طلوع الشمس، وهذا عند بدء ظهور قرص الشمس إلى أن ترتفع. وكذلك حين كون الشمس في كبد السماء. والوقت الثالث عند اضمحلال الشمس للغروب، وذلك بسقوط أول حاجب أو عند سقوط حاجبها. فالأولى للإنسان أن يتأنى في ذلك، ولا يستعجل في الصلاة، عليه أن يتأخر قليلًا - دقائق - حتى يذهب وقت النهي، ثم يصلي الصلاة، فذلك أولى جمعًا بين الأدلة. والله أعلم. مسألة أخرى: من فاتته راتبة الفجر، فله أن يصليها بعد الفرض قبل طلوع الشمس على الصحيح. وفي المسألة قولان: القول الأول هذا المذكور، وهو أنه يقضيها بعد صلاة الصبح، وبه قال ابن عمر وعطاء وطاووس بن كريج، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. هكذا حكاه الخطابي عن هؤلاء إلا عن الشافعي، حكاه الشوكاني. وقال طائفة: يقضيها إذا طلعت الشمس، وبه قال القاسم بن محمد، وهو مذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. وكذلك هو مذهب الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي. وقال مالك: يقضيها ضحى إلى وقت زوال الشمس، ولا يقضيها بعد الزوال. والصحيح في المسألة والله أعلم أن له أن يصليها بعد الفجر، أي بعد أن يصلي الفجر، وله أن يؤخرها إلى بعد أن تطلع الشمس مقدار رمح. والله أعلى وأعلم. أما الأول، الدلالة على الأول: أنه لو صلاها لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها». فمن نام عن صلاة الفجر وما أدرك إلا صلاة الفجر فصلى مع الناس في صلاة الفجر، فله أن يصلي بعد الفجر الراتبة لعموم هذا الحديث. وله أن يؤخرها أخذًا بالأدلة الأخرى من النهي، ولعمل بعض الصحابة. فإن عبدالله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه ثبت عنه أنه دخل يومًا وقد صلى أو لم يصل ركعتي الفجر، فصلى مع الناس الفجر، ثم انتظر حتى ارتفعت الشمس أو حتى طلعت الشمس، ثم صلى الركعتين. أنه دخل المسجد والقوم في الصلاة، ولم يكن صلى ركعتي الفجر، فدخل مع القوم في الصلاة، ثم قعد حتى أشرقت له الشمس فقضاها. وكان إذا أقيمت الصلاة وهو في الطريق صلاها في الطريق. وهذا أخرجه عبدالرزاق، وإسناده صحيح. فالأمر في هذا كما يقال فيه سعة. طيب، نكتفي بهذا القدر. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على