الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 19، ألقاها
كان السلف حريصين على نشر العلم وتعليم الناس، واستشهدوا بأقوال علي بن أبي طالب والحسن وسعيد بن جبير في أهمية تعليم الناس ونشر العلم. بعضهم كان يبدأ الناس بالعلم بينما البعض الآخر ينتظر حتى يُسأل.
شجع العلماء الناس على طلب العلم والسؤال، وحفزوا على التفاعل معهم لنشر العلم وتثبيته. كما نصح عروة بن الزبير أبنائه بتعلم العلم لتحقيق السيادة والمكانة.
كان العلماء يذهبون إلى طلاب العلم في بيوتهم ويحدثونهم، وتمنوا لو كان العلم يمكن نقله بسهولة مثل الطعام أو الشراب. طلب العلم يمكن أن يصحح النية لدى الطالب.
يجب على المرء إخلاص نيته لله سبحانه وتعالى عند طلب العلم، حيث أن النية الصالحة والصحيحة هي أساس قبول العمل ونجاحه.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام عبد البر رحمه الله، كما في صحيح جامع الترمذي وفضله، قال علي رضي الله عنه: «اسألوا، ولو أن إنسانا يسأل»، فسأله ابن الكواء عن الأختين المملوكتين، وعن ابنة الأخ والاخت من الرضاعة. قال: «إنك لذهاب في التين، اسأل عما ينفعك أو يعينك». قال: «إنما نسأل عما لا نعلم». قال: فقال في ابنة الأخ والاخت من الرضاعة: «أردت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنة حمزة»، فقال: «يا ابنة أخي من الرضاعة». وقال في الأختين المملوكتين: «أحلتهما آية، وحرمتها آية، لا أمر ولا أنهى، ولا أحل ولا أحرم، ولا أفعل أنا ولا أهل بيتي». والمراد بقوله: «أردت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنة حمزة»، أي أنه أراد من النبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوجها، فقال: «هي ابنة أخي من الرضاعة»، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد مع حمزة فصارت ابنة أخيه، وابنة الأخ من الرضاعة تحرم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب»، وابنة الأخ من النسب تحرم، فكذلك تحرم من الرضاعة. وأما قوله في الأختين المملوكتين: «أحلتهما آية، وحرمتها آية»، فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، فهذه الآية عامة في كل ما ملكت يمينك، أي شيء مما تحت يديك، فله أن ينكح. قالوا: «حرمتهما آية»، وهي التي في سورة النساء: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، فقال: «لا أمر ولا أنهى، ولا أحل ولا أحرم». والحاصل أن التحريم هو التحريم؛ لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. قالوا عن سعيد بن جبير قال: «إن مما يهمني أني وددت أن الناس قد أخذوا ما معي من العلم»، وهذا من حرص السلف رحمهم الله على تعليم الناس، وعلى نشر العلم، وعلى تفقيهم. قال: «إن مما يهمني أني وددت أن الناس قد أخذوا ما معي من العلم»، يهتم أن الناس يستفيدوا ويتعلموا، ولو يأخذوا كل ما معي من العلم، وهذا كما قلنا يدل على حرصهم رحمهم الله على الخير للناس، وعلى هدايتهم، بخلاف غيرهم، فإنهم يتخذون العلم سلما لقضاء الشهوات، ولقضاء الغرض، فلا يكون همهم هو تعليم الناس وتفقيه الناس، لا، وإنما يريدون أن يقضوا شهواتهم، وأن يستعبدوا الناس بما معهم من العلم. قال: «وروينا عن الحسن أنه كان يبتدئ الناس بالعلم، ويقول: سلوني». وهذا كما مر معنا في هذا الفصل أن من طريقة العلم هو بث العلم مباشرة، كما مر، أو طريقة السؤال، طريقة السؤال أن يسأل السائل ويجيب المسؤول، أو كذلك أيضا أن يرغب العالم للناس بسؤاله، فيقول: «سلوني». قال: «وكان المسيرون وإبراهيم لا يبتدئان أحدا حتى يسأله»، يعني لا يبثان العلم حتى يسأله، فإذا سئل تكلم. قال عن قتادة قال: «أتي على الحسن زمان وهو يعجب ممن يدعو إلى نفسه»، قال: «فما مات حتى دعا إلى نفسه». قال: «أتي على الحسن زمان وهو يعجب ممن يدعو إلى نفسه»، أي يعجب من الذي يقول: «الناس سلوني واستفيد مني»، فكان يعجب من ذلك. قال: «فما مات حتى دعا الناس إلى نفسه»، وذلك عندما رأى إقبال الناس إلى العلم، فاضطره ذلك إلى أن يحفزهم ويأمرهم بالسؤال حتى يستفيدوا، وكذلك أيضا ينتفعوا بالعلم. قال: «وقال أقمان الحكيم: إن العالم يدعو الناس إلى علمه بالصمت والوقار»، يعني بأخلاقه، وكذلك وقاره، فإذا رأى الناس ذلك منه أقبلوا عليه وأخذوا منه العلم. وقال عروة: «ائتوني، ائتوني فتعلّموا مني». وعن الزهري قال: «وكان عروة يستأذن الناس على حديثه». وعن عكرمة قال: «ما لكم لا تسألوننا؟ أفلستم محتاجين؟»، يعني كأنه يقول: ألستم تحتاجون إلى العلم؟ وكذلك ليس عندكم جهد تحتاجون أن تتعلموا؟ فما لكم لا تسألون؟ قال: «وعن سعيد بن جبير قال: أما أحد يسألني فأكرمه». وسعيد بن جبير ممن كان يرى أو يرغب في السؤال. وكذلك يرغب في السؤال عن علم وعن شيء من عروة، وهذا يعني قولهم: «أما أحد يسألني؟» و«ما لكم لا تسألوننا؟» ليس من باب العجب والافتقار، لا، وإنما من باب محبة نشر الخير ونشر العلم. رأوا الناس أعرضوا أو تغافلوا عن العلم، فنبهوهم بهذا الأمر. وعن شاء من عروة قال: «لي أبي: إني والله ما يسألني الناس عن شيء حتى لقد نسيت». قال: «إني والله ما يسألني الناس عن شيء حتى لقد نسيت»، يعني بسبب عدم سؤال الناس نسيت. فالعلم نشره سبب لتثبيتك، فإذا لم يسأل العالم ولم ينشر العلم ينسى ويدرس. قال: «إشام كان أبي عروة يقول لنا: عروة، عروة، إنا كنا أصاغر قوم، ثم نحن اليوم أكابر، وإنكم اليوم أصاغر قوم، وستكونون كبارا، فتعلموا العلم تسودوا به قومكم، ويحتاجون إليكم». هذه نصيحة من عروة لأبنائه. قال: «إنا كنا صغار قوم، ثم نحن اليوم أكابر»، يعني يقول: بالأمس كنا صغار نطلب العلم ونتعلم، وما أحد يحتاج إلينا، ولا أحد كذلك يسألنا. قال: «وإنكم اليوم أصاغر قوم»، اليوم أنتم صغار، فتطلبون العلم وتقبلون على العلم، لا أحد ربما يسألكم. لكن قال: «وستكونون كبارا»، يعني سيأتي عليكم زمان تكونون فيه كبار قوم، أي بما معكم من العلم، وحينئذ يحتاج الناس إليكم لما معكم من العلم. قال: «فتعلموا العلم تسودوا به قومكم»، يعني تصبح لكم الشرف والرفعة والمكانة بالعلم، يكون لكم السؤدد والسيادة بالعلم. قال: «هشام كان أبي يدعوني وعبد الله، وعبد الله من العروة، وعكمان وإسماعيل وإخوتي، وآخر قد سماه هشام، فيقول: لا ترشوني مع الناس، وإذا خلوت وإذا خلوت فاسألوني»، يعني لا تأتوا مع الناس وتسألوا، لا، إذا كنت وحدي تعالوا فاسألوني. قال: «فكان يحدثنا، يأخذ بالطلاق، ثم القضاء، ثم الحج، ثم الهدي، ثم كذا، ثم يقول: كروا، كروا علي»، يعني رددوا علي، اسألوا وكرروا السؤال. قال: «فكان يعجبه من حفظي». قال: «إشام والله ما تعلمنا منه جزءا من ألف جزء من أحاديثه»، يعني أنه يصف أباه عروة من سعة علمه وكثرة حفظه، ما حفظوا منه من الأحاديث، يقول: ما تعلمنا منه جزءا من ألف جزء من أحاديثه، يعني ما أخذنا منه إلا شيئا يسيرا. وكان عبد الرحمن بن مهدي يقول: «كان زائدا يخرج إليهم فيقول: اكتبوا قبل أن أنسى»، أي اسألوني واكتبوا الحديث قبل أن أنسى. وكان سفيان الثوري يقول: «والله لو لم يأتوني لأتيتهم في بيوتهم»، يعني أصحاب الحديث، انظروا إلى الحرص العظيم، يقول: لو لم يأتوني لأتيتهم في بيوتهم، يذهب إلى بيوتهم ويحدثهم. قال: «وكان الربيع بن سليمان يقول: قال لي الشافعي رحمه الله: يا ربيع، لو قدرت أن أطعمك العلم لأطعمتك إياه»، يعني لو كان العلم يطعم ويؤكل لأطعمتك إياه حتى ينتقل العلم إليك. وهذا كما قلنا من حرصهم رحمهم الله على هداية وتعليم الناس. وكان يقول شيخنا مقبل رحمه الله: «كان يقول: يا إخواني، لو أن العلم يسطع لسقيتكم مياه»، لو كان العلم يسطع يوضع في كأس ويشرب، لوضعته وسقيتكم هذا الماء حتى ينتقل العلم إليكم. قال أبو عمر: «أخذه القاقان فقال: ألا فاحفظوا وصفي لكم، ما اختصرته ليدريه من لم يكن منكم يدري، ففي شربة لو كان علمي سقيتكم، ولم أخفي عنكم ذلك العلم الدخري»، أي لم أتفر عنكم، ولا سقيتكم إياه في شربة. قال: «ربيع سليمان كان الشافعي رحمه الله يمني علينا في صحن المسجد، فلحقته الشمس»، يعني أتت إليه الشمس، وصحن المسجد ظهر، ووسط المسجد يكون مكشوفا من أعلى. قال: «فلحقته الشمس، فمر به بعض إخوانه فقال: يا أبا عبد الله في الشمس»، يعني تبقى في الشمس وتحدث في الشمس. فأنشأ الشافعي يقول: «أهين لهم نفسي ليقرمها بهم، ولن يكرم النفس الذي لا يهينها»، يعني ينبغي للإنسان أن يهين نفسه إذا أراد الكرامة وأراد العزة، فلابد أن يهين نفسه في العلم، لابد أن يهين نفسه في العلم. قال: «قال المعباس رضي الله عنه: ذللت طالبا فعززت مطلوبا»، يعني أني أخذت العلم بالذل، فأذلت نفسي. ومعروف أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كان يأتي إلى بيوت أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام حتى يأخذ منهم الحديث، فربما جاء في وقت قيلولة أحدهم، فيبقى تحت بابه، تأتيه يبيح والرمال أو صابر حتى يخرج فيسأله، أذل نفسه، ثم لما ذهب كبار أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام احتاج الناس إلى علمه، فصار عزيزا، فصار عزيزا، وأيضا كانت له السيادة والرفعة. قال: «وقال سفيان الثوري: لو لم يأتوني لأتيتهم»، فقيل لسفيان: «إنهم يطلبونه بغير نية». قال: «إن طلبهم إياه نية»، يعني قالوا: لم يأتوني لأتيتهم، أي لو أحدثهم. فقيل لسفيان: «إنهم يطلبونه بغير نية»، يعني يطلبون الحديث بغير نية. فقال: «إن طلبهم إياه نية»، أي أن طلب العلم وطلب الحديث سبب لتصحيح النية، سبب لتصحيح النية. وقد مر معنا عظم ذلك في أن طلب العلم سبب لتصحيح النية، وكم قال من السلف: «طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله»، طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله. فالشخص يطلب العلم في بداية أمره يريد الشرف ويريد الرفعة، يرى إلى شرف العلماء وعظيم منزلتهم ورفعتهم، فيطلب العلم لهذه النية، فلما يأخذ العلم ويعرف حقيقة العلم، وكذلك أيضا أن هذا العلم حج على صاحبه إن عمل به فهو حج له، وإن لم يعمل به فهو حج عليه، كان ذلك سببا في تصحيح نيته، ويعلم أنه لا بد أن يخلص في طلبه للعلم، أن يخلص في طلبه للعلم، فيطلب العلم لله سبحانه وتعالى، فتنقلب تلك النية إلى نية صالحة إلى نية صالحة وصحيحة، فيخلص بعد ذلك في طلبه للعلم لله سبحانه وتعالى.