مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 30

الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 30، ألقاها

مراتب طلب العلم وفضل حفظ القرآن

يُنصح طالب العلم بالبدء بحفظ القرآن وتفهمه، ويُشترط حفظه لمن أراد أن يكون عالما فقيها. يُوصى بدراسة لسان العرب والنحو لفهم القرآن.

أهمية السنة النبوية في فهم القرآن وتوضيح أحكامه

تُوضح السنة النبوية أحكام القرآن وتفصيل مجمله، ويجب أخذ العلم من أئمة الحديث الثقات مثل مالك بن أنس وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري.

أهمية اللغة العربية وعلوم النحو لطلاب العلم

اللغة العربية وعلوم النحو ضرورية لفهم القرآن والسنة، وقد استشهد بأقوال الصحابة والتابعين في ذلك مثل عمر بن الخطاب والشعبي والشافعي.

فضل العلم وآدابه

العلم يحتاج إلى صاحب يصون نفسه ويخلص في طلبه، ومطالعة كتب الحديث تقوي الحجة والنظر في النحو يرق الطبع.

التفريغ النصي الكامل

اشتركوا في القناة، وهذا الفصل أو الباب فيه ما ينبغي على طالب العلم أن يسلكه في طلبه للعلم، وأول ما ينبغي له أن يبدأ به. قال أبو عمر رحمه الله: «طلب العلم درجات ومنازل ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله، ومن تعدى سبيلهم عامدا ضل، ومن تعداه مجتهدا زل». يقول رحمه الله: طلب العلم درجات، ورده الله -أي أن له منازل وله درجات- لا ينبغي لسالك أن يتعداها، أن يتعدى الدرجات العليا قبل التي قبلها. قال: «فمن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف، تعدى طريقة السلف التي سلكوها في باب العلم». قال: «ومن تعدى سبيلهم عامدا ضل»، يعني ترك طريقة السلف في الطلب متعمدا، فإن مصيره إلى الضلال، «ومن تعداه مجتهدا زل»، اجتهد فخالف طريقهم، فإنه يقع في الزلل. قال: «فأول العلم حفظ كتاب الله عز وجل وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه». هذا الآن بداية ما ينبغي على طالب العلم أن يبدأ به، هو حفظ كتاب الله، حفظ القرآن. هكذا كان ينصح السلف رحمهم الله، وكانوا يسيرون على هذا الأمر. أول ما يبدأ به طالب العلم حفظ القرآن، وكذلك يستعين بما يفهم به القرآن فيطلبه معه -أي مع القرآن- قال: «ولا أقول إن حفظه كله فرضًا -يعني واجب- ولكني أقول إن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالما فقيها ناصبا بنفسه للعلم». ليس من باب الفرض، يعني يقول: من أراد أن يكون عالما فقيها مرجعا للناس وللأمة، فلابد أن يحفظ القرآن، لابد أن يحفظ القرآن. وهذا كما قلنا الذي كان ينصح به السلف، ومنهم كذلك شيخنا مقبل رحمه الله، كان يقول: إذا أردت يا طالب العلم أن تستمر في الطلب، فابدأ بالقرآن، ابدأ أولا بحفظ القرآن. قال: «وقد تقدم قول أبي الدرداء: لن تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهًا -يعني تتفقه في القرآن وتعرف معانيه-». قال مجاهد في قوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:79] ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران:79] قال: «ربانيين فقهاء». وقال سعيد بن جبير وأبو رزين وقتادة: «علماء وحلماء». قال أبو عمر: «القرآن أصل العلم، فمن حفظه قبل بلوغه، ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب، كان ذلك له عونا كبيرا على مراده منه». ومن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني يبدأ بحفظ القرآن- فإذا كان ما زال صغيرا فهذا خير له، ومن توفيق الله جل وعلا له أنه يبدأ أولا بحفظ القرآن، ثم يستعين به على فهمه من لسان العرب -يعني يستعين باللغة العربية- ويدرس النحو حتى يعرف القرآن ويفهم القرآن لأنه نزل باللغة العربية. ثم يستعين بالسنة ويحفظ ما تيسر من سنة النبي عليه الصلاة والسلام مع فهمها، ثم ينظر في ناسخ القرآن ومنسوخه وأحكامه، ويقف على اختلاف العلماء واتفاقهم في ذلك. وهو أمر قريب على من قربه الله عز وجل عليه -يعني ينظر ما نسخ من القرآن، ينظر ناسخ القرآن ومنسوخه، وهكذا أحكام القرآن، سواء كان أحكام النسخ أو كذلك الأحكام التي تتعلق بالقرآن- ويقف على اختلاف العلماء واتفاقهم في ذلك، يعرف ما هي المسائل التي اتفق فيها أهل العلم، والمسائل التي وقع فيها الخلاف، وهو أمر قريب على من قربه الله عز وجل عليه. ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني بعد القرآن ينتقي السنة- قال: «فبها يصل الطالب إلى مراد الله عز وجل في كتابه، وهي تفتح له أحكام القرآن فتحا -يعني السنة تفتح له القرآن وتبين له القرآن- والسنة مبينة للقرآن، وكذلك مخصصة للقرآن، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:44] تبين للناس ما نزل إليهم، فالسنة تبين القرآن». فهناك أحكام كثيرة في القرآن مجملة، وجاء تبيينها في السنة، فالصلاة مثلا أمر الله بإقامة الصلاة، «وأقيموا الصلاة»، هل جاء في القرآن صفة الصلاة وكيفية الصلاة؟ الجواب: لا، جاء ذلك في السنة. وهكذا أيضا الزكاة، أمر الله جل وعلا بأداء الزكاة، هل جاء تبيين أحكام الزكاة والأموال التي فيها الزكاة وشروط الزكاة في القرآن؟ لا، جاءت في السنة وبينت ذلك السنة. وهكذا الحج، وهكذا أيضا مسائل كثيرة مما وردت في القرآن، جاء تبيينها وتفصيلها في السنة، فالسنة تفتح لك القرآن وتبين لك القرآن. قالوا: «وفي سير رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبيه على كثير من الناس، خذوا من السنة ما في السنن». ومن طلب السنن فليكن معوله على حديث الأئمة الثقاة الحفاظ الذين جعلهم الله عز وجل خزائن لعلم دينه وأمناء على سنن رسوله صلى الله عليه وسلم -يعني من أراد أن يأخذ السنة فليأخذها من أهلها، يأخذها من هؤلاء الأئمة، من أئمة الدين وأئمة الحديث الذين حفظ الله جل وعلا بهم الدين- وهذا أيضا فيه إشارة إلى أنه ينبغي لطالب العلم أن يطلب العلم عند أهله، يطلب العلم عند أهل الحديث أهل السنة والجماعة. من يطلب العلم عند المبتدعة -سواء كانوا صوفية أو كانوا معتزلة أو أشاعرة أو كانوا كذلك من الحزبيين وغيرهم- فليسوا هؤلاء أهلا لأن يؤخذ منهم العلم، إنما يؤخذ العلم ممن عرف بسلامة المعتقد وصحة المنهج. قال: «فيؤخذ الحديث من الأئمة الثقات الحفاظ». قال: «كمالك بن أنس الذي تفرد المسلمون طرا على صحة نقله ونطاوة حديثه وشدة توقفه وانتقاده، ومن جرى مجراه من ثقات علماء الحجاز والعراق والشام، كشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وابن عيينة، ومعمر، وسائر أصحاب سفيان الثوري الثقات، كمنصور بن المعتمر، وجريج، وعقيل، ويونس، وشعيب، والزُّبيدي، والليث، وحديث هؤلاء عندهم من وهب وغيره، وكذلك حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، ويحيى بن سعيد القطان، ومن المبارك، وأمثالهم من أهل الثقة والأمانة». فهؤلاء كان أهل العلم -أو من أراد طلب العلم- أخذه من أئمة الحديث. وفي كل زمان يؤخذ العلم من أهله كما قلنا، فيؤخذ الحديث والعلم من أهل الحديث، من أهل السنة في أي بلد وجدوا، وفي أي مكان كانوا، وفي أي زمان كذلك. قال: «هؤلاء كلهم أئمة حديث وعلم عند الجميع، وعلى حديثهم اعتمد المصنفون للسنن الصحاح، كالبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، ومن سلك سبيلهم، كالعقيلي والترمذي، ومن سلك سبيلهم، ومن لا يحصى كثرته». أي: هؤلاء الأئمة اعتمد الناس على أحاديثهم وأخرجوها في الكتب. وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يتمسك بمثل هذه الأحاديث التي هؤلاء رواتها. قال: «وإنما صار مالك ومن ذكرنا معه أئمة عند الجميع، لأن علم الصحابة رضي الله عنهم والتابعين في أقطار الأرض انتهى إليهم لبحثهم عنه رحمهم الله، والذي يشذ عنهم يشذ عنهم نزر يسير في جنب ما عندهم». يعني أن هؤلاء التابعين قد حصلوا على علم غزير، لأنهم أخذوا العلم من الصحابة، ومن أخذ عنهم، ومن أخذ عنهم كذلك. كانوا -أو كان أكثرهم- قاصدي الإمام مالك رحمه الله وأهل المدينة، أخذوا العلم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «إما يستعان به على فهم الحديث ما ذكرناه من العون على كتاب الله عز وجل، وهو العلم بلسان العرب ومواقع كلامها، وسعة لغتها، وأشعارها، ومجازها، وعموم لفظ مخاطبتها وخصوصه، وسائر مذاهبها، لمن قدر فهو شيء لا يستغنى عنه». يعني أنه يهتم باللغة العربية، ينبغي أن يهتم طالب العلم باللغة العربية، وأن يعطيها قدرا واسعا من الاهتمام، لأنها معينة له على فهم القرآن والسنة. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى الآفاق أن يتعلم السنة والفرائض والنحو -يعني النحو- كما يتعلم القرآن. وقد تقدم ذكر هذا القبر عنه فيما سلف من كتابنا. وأن أبا عثمان قال: «كان في كتاب عمر رضي الله عنه تعلم العربية»، كان يوصي رضي الله تعالى عنه بتعلم اللغة العربية. وعن عمر بن زيد قال: «كتب عمر إلى أبي موسى: أما بعد، فتفقه في السنة، وتفقه في العربية». وعن ابن عمر أنه كان يضرب ولده على اللحن -كان إذا لحن- يعني أخطأ في الكلام ولم ينطق الكلمة باللغة الصحيحة -يعني باللغة العربية- ولحن فيها، أخرجها عن لفظها ضربه حتى لا يلحن. وقال الشعبي: «النحو في العلم كالملح في الطعام، لا يستغنى عنه». أن النحو في العلم كالملح في الطعام، ما من علم إلا واحتاج إلى النحو، كل الفنون تحتاج إلى النحو، القرآن وهو أصل العلوم لا يستغني عن النحو، وهكذا الفقه كذلك لا يستغني عن النحو، وهكذا العقيدة، وسائر فنون العلم كلها تحتاج إلى النحو، كلها لا تستغني عن النحو، فهو كالملح في الطعام، الطعام إذا كان بلا ملح ما تستطيع ماذا أن تأكله، ولا يستساغ، فكذلك العلم بلا نحو فإنه لا يستساغ. ولهذا ينبغي الاهتمام باللغة العربية، وأما نحن في هذه الأزمان فإلى الله المشتكى، صارت الألسن معوجة، ألسنتنا صارت مكسرة، وكذلك أيضا اللحن فيها بلا حساب ولا خيال، وربما لو تكلم الشاب باللغة العربية لنظر إليه الناس بنظرة عجيبة، لكن ينبغي أن يكون اهتمام بها -اللغة العربية- قدر المستطاع، وخاصة طالب العلم الذي أقبل على العلم، على أبواب العلم، ينبغي أن يعطي للغة العربية اهتماما عظيما. قال شعبة: «مثل الذي يتعلم الحديث ولا يتعلم النحو مثل برنس لا رأس له». والبرنس هو القميص الذي يكون فيه قبعة، وهو لباس أهل المغرب، يأتي في القميص ويكون ملاصقا له، ما يلبس على الرأس. فيقول: تعلم الحديث أو من يتعلم الحديث ولا يتعلم النحو -يعني النحو- مثل برنس لا رأس له، مثل قميص المبتور الذي ليس له رأس، بمعنى أنه ناقص، أنه فيه نقص. وهكذا من تعلم بلا نحو. قال الخليل بن أحمد: «أي شيء من اللباس بالسر أبهى من اللسان البهي ينظم الحجة الشعرية في السلك من القول مثل عقد الهدى، وترى اللحنة بالحسيب أخي الهيئة مثل الصدى على المشرف». فاطلبوا النحوة -فاطلبوا النحو- للحجاج وللشعر مقيما، وللمسند المروي، وللخطاب البليغ عند جواب القول يزهى بمثله في الندى. وقال الشافعي محمد بن إدريس رحمه الله: «من حفظ القرآن عظمت قيمته، ومن طلب الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في النحو رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم يصنه العلم». هذا يقول إمام الشافعي رحمه الله يخبر بأن من حفظ الحديث أو حفظ القرآن عظمت قيمته، ودليل ذلك من الكتاب والسنة كثيرة. وهكذا من طلب الفقه نبل قدره، صار له منزلة وقدر. ومن كتب الحديث قويت حجته، صار عنده حجة قوية يحاج بها بما عنده من الحديث. قال: «ومن نظر في النحو رق طبعه»، صار عنده شيء من الرقة بسبب النحو. قال: «ومن لم يصن نفسه لم يصنه العلم»، يعني من لم يصن نفسه ويقي الشرور ويخلص في طلبه للعلم لم يصنه العلم.

شاركنا على