الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 31، ألقاها
يؤكد إمام عبد البر على أهمية معرفة الصحابة والتابعين لصاحب الحديث لتمييز العدول من غيرهم. يشير إلى أن كل الصحابة عدول وأن الطعن فيهم من علامات أهل البدع.
يناقش أهمية الاقتصار على أقاويل علماء الحجاز والاطلاع على مذاهب الفقهاء. يحذر من جمع الأحاديث بدون تمييز بين الصحيح والضعيف ويشدد على أن مقصد العلم هو العمل به.
يُناقش أهمية العلم بالسنن والآثار وفهم معانيها ويحذر من إهمالها والاعتماد على الآراء الشخصية دون الرجوع إلى الأدلة الشرعية. يشير إلى أن إهمال العلم بالسنن يؤدي إلى الجهل والوقوع في البدع.
الهداية والاستقامة تأتيان من خلال فهم السلف للكتاب والسنة وليس مجرد حفظ النصوص. الهداية الصحيحة تأتي بالأخذ بالكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح.
بسم الله الرحمن الرحيم. قال إمام عبد البر رحمه الله، كما في صحيح جامع بيان العلم، وقبله قال أبو عمر رحمه الله: «يجب على صاحب الحديث أن يعرف الصحابة المؤذين للدين عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، ويُعنى بسيرهم وفضائلهم، ويعرف أحوال الناقلين عنهم وأيامهم وأخبارهم، حتى يقف على العدول منهم وغير العدول، يعني من التابعين ومن بعدهم ممن أخذ عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم». وأما الصحابة فكلهم عدول، فكلهم عدول، فالله جل وعلا قد رضي عنهم وأثنى عليهم، وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام. ولا يطعن في الصحابة إلا من كان مبتدعًا أو زنديقًا، كما قال الإمام البربهاري رحمه الله: «من تكلم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة، فاعلم أنه صاحب ضلالة». وقال غيره: «فاعلم أنه زنديق». وهكذا أيضًا قال إمامنا ابن حاتم رحمه الله وغيره: «من علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وفي مقدمة أهل الأثر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم». فينبغي لصاحب الحديث أن يعرف الصحابة، يقرأ في سيرهم، ويعرف أخبارهم وما لهم من الفضائل. وهكذا أيضًا يعرف أحوال الناقلين عنهم، أي ممن أخذ عن الصحابة من التابعين ومن بعدهم، فيعرف العدول منهم من غير العدول، حتى يأخذ ممن عرف بالعدالة، ويترك ممن تكلم فيه وطعن في عدالته. قاله: «أمر قريب على من اجتهد، فمن اقتصر على علم إمام واحد، وحفظ ما كان عنده من السنن، ووقف على غرضه ومقصده من الفتوى، حصل على نصيب من العلم وافر، وحفظ منه حسن صالح». فمن قنع بهذا اكتفى، والكفاية غير الغنى. والاختيار له أن يجعل إمامه في ذلك إمام أهل المدينة، دار الهجرة ومعدن السنة. ومن طلب الإمامة في الدين وأحب أن يسلك سبيل الذين جاز لهم الفتوى، نظر -يعني أن يقول- إذا أراد أن يأخذ بقول إمام وينظر في سننه وما نقله من الأحاديث والفتاوى، فيأخذ بإمامة أو بأقوال إمام أهل المدينة، بالإمام مالك رحمه الله، إمام دار الهجرة. على أنه كما يقول أهل العلم: أقرب المذاهب للسنة هو مذهب الإمام أحمد، مذهب الإمام أحمد بن حنبل. قال: «ومن أراد الإمامة في الدين وأحب أن يسلك سبيل الذين جاز لهم الفتوى، نظر في أقاويل الصحابة والتابعين، ولا يقتصر على إمام في الفقه إن قدر على ذلك». نأمره بذلك -يعني إذا أراد أن يكون إمامًا في الدين وأن يكون من أهل الاجتهاد، فينظر في أقاويل الصحابة والتابعين، ولا يقتصر على إمام، ويرجح بينها. وهكذا ينظر في الأدلة، ولا يقتصر على مذهب واحد، لا يقتصر على مذهب واحد. نعم، الأخذ بإمامة كتبه أو سطر إمام من الأئمة أو في مذهب من المذاهب، إذا كان لقصد معرفة أقواله في المسائل الفقهية ونحو ذلك، وتتلمذ على هذا الإمام من غير تعصب ومن غير تقليد أعمى، فهذا لا بأس به. وقد فعله كثير من الأئمة، منهم من كان على مذهب الإمام أحمد، ومنهم من كان على مذهب الإمام مالك، ومنهم من كان على مذهب الإمام الشافعي أو أبي حنيفة. وإذا تجرد لأخذ المسائل بأدلتها، فينظر في الأدلة وأقوال الصحابة والتابعين، ثم يرجح ويأخذ ما ترجح له، سواء كان بمذهب الإمام محمد أو مالك أو الشافعي أو أبي حنيفة، فهذا هو الذي ينبغي لمن أراد أن يكون إمامًا للناس. قال: «إن قدر على ذلك نأمره بذلك، كما أمرناه بالنظر في أقاويلهم في تفسير القرآن». فمن أحب الاقتصار على أقاويل علماء الحجاز اكتفى، إن شاء الله واهتدى. وإن أحب الإشراف على مذاهب الفقهاء، متقدمهم ومتأخرهم، بالحجاز والعراق، وأحب الوقوف على ما أخذوا وتركوا من السنن، وما اختلفوا في تثبيته وتأويله من الكتاب والسنة، كان ذلك له مباحًا ووجها محمودًا، إن فهم وضبط ما علم أو سلم من التخليط، نال درجة الرفيعة، ووصل إلى جسيم من العلم، واتسع وبلغ. إذا فهم وطلع، أو إذا فهم ما اطلع. وبهذا يحصل الرسوخ لمن وفقه الله وصبر على هذا الشأن، واستحلى مرارته، واحتمل ضيق المعيشة فيه. قال: «وعلم رحمة الله أن طلب العلم في زماننا هذا وفي بلدنا قد حاد أهله -أي مال عن طريق سلفهم- وسلكوا في ذلك ما لم يعرفوا، وابتدعوا في ذلك ما بان به جهلهم وتقصيرهم عن مراتب العلماء قبلهم». قال: «فطائفة منهم تروي الحديث وتسمعه، قد رضيت بالدؤوب في جمع ما لا تفهم، وقنعت بالجهل في حمل ما لا تعلم، فجمعوا الغث والسمين، والصحيح والسقيم، والحق والكذب في كتاب واحد، وربما في ورقة واحدة، ويدنون بالشيء وضده، ولا يعرفون ما في ذلك». عليهم: «قد شغلوا أنفسهم بالاستكثار عن التدبر والاعتبار، فألسنتهم تروي العلم، وقلوبهم قد خلت من الفهم». غاية أحدهم معرفة الكنية العربية والاسم الغريب والحديث المنكر، وتجده قد جهل ما لا يكاد يسع أحدًا جهله من علم صلاته وحجه وصيامه وزكاته. لا يتكلم عن بعض من طلب العلم وسلك في طلبه غير طريق السلف، لم يسلك في طلبه العلم طريقة السلف، فوقع في القطع. فطائفة تروي الحديث وتسمع كل ما هب ودب، فتجمع بين الغث والسمين، بين الصحيح والضعيف، وبين المكذوب والموضوع، والحق والكذب، فلا تميز أو تهتم بالتمييز في ذلك. أهم شيء أنها تكثر من الجمع، تكثر ماذا من جمع الأحاديث، فهم يرون العلم ولا يفهمونه. وربما اشتغلوا بالأمور التي ليست هي مقصد العلم، لأن مقصد العلم هو العمل، هو العمل به، ليس الاستكثار أو الاتيان بالأشياء الغريبة والمنكرة. وهذا ربما يقع به كذلك بعض طلبة العلم، ربما يبحث عن الأشياء الغريبة حتى يشار إليه بالبنان، ويقال: «فلان ما شاء الله أتى بأشياء ما جاء بها غيره من العلماء، أتى بالغرائب والعجائب». ومع ذلك يظن أنه قد أحسن، وليس كذلك، بل هو رغم يقع في الإساءة، وربما يوقع نفسه في البدعة من حيث لا يشعر. بل كما كان المراد من العلم هو العمل، فلهذا ربما اشتغل بالأمور التي لا ينتفع بها، ويترك ما هو أصل في العلم. كما عرفت الصلاة، ربما ما درس صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، تجده يخوض في مسائل من المسائل الكبيرة، أو يذهب يبحث عن أشياء غريبة، وهو ما تعلم كيفية صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا كذلك صفة الحج أو الصيام أو الزكاة. وهذا من الجهل، هذا من الجهل والقطع. قال: «وطائفة هي في الجهل كتلك أو أشد، علم السنن والآثار، وزهدوا فيها وأضربوا عنها، فلم يعرفوا الإجماع من الاختلاف، ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف، بل عولوا على حفظ ما دون لهم من الرأي والاستحسان، الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان». وكان الأئمة يبكون على ما سلف وسبق لهم من الفتوى فيه، ويبدون أن حفظهم -أو حظهم- السلامة منه. ومن حجة هذه الطائفة فيما عولوا عليه: «أنهم يقصرون وينزلون عن مراتب من له المراتب في الدين، بجهلهم بأصوله، وأنهم مع الحاجة إليهم لا يستغنون عن أجوبة الناس في مسائلهم وأحكامهم». قال: «في ذلك اعتمدوا على ما قد كفاهم الجواب فيه غيرهم، وهم مع ذلك لا ينفكون من ورود النوازل عليهم فيما لم يتقدمهم فيه إلى الجواب غيرهم». ثم قال في الكلام على هذه الطائفة التي لا تهتم بالسنن والآثار وتزهد فيها: «وما أكثر هؤلاء في زمننا هذا، الذين يتركون الأدلة من الكتاب والسنة، وما ثبت عن الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم، ويأخذون بأقوال أناس لم يعرفوا بالعلم». لم يعرفوا بالعلم، وربما كذلك إذا ذكر لهم الدليل من الكتاب أو السنة، قالوا: «قال آباؤنا وأجدادنا». فيتركون ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام لأجل ما كان عليه الآباء والأجداد. وهذا حال كثير من الناس، بل بعض كذلك من ربما ينتسب إلى السنة، فتجده يزهد في باب العلم، وفي كذلك فهم السنة والآثار. وهذا الذي لا ينبغي، بل يجب على المسلم، وكذلك ينبغي له أن يهتم أن يهتم بتعلم الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الأمة من الصحابة والتابعين، ولا يزهد في العلم. لا يزهد في العلم إلا جاهل، كما قال إمام أحمد رحمه الله: «لا يزهد في العلم إلا جاهل، ما عرفه حقيقة العلم وفضل العلم». بل ينبغي أن يهتم به، وأن يرفع بالعلم رأسًا. قال: «واعلم يا أخي أن المفرط في حفظ المولدات لا يؤمن عليه الجهل بكثير من السنن إذا لم يكن تقدم علمه بها». وأن المفرط في حفظ طرق الآثار دون الوقوف على معانيها وما قال الفقهاء فيها: «لصفر من العلم». كلاهما قانع بالشم من الطعام. ومن الله التوفيق والحرمان. وهو حسبي، وبه أعتصم. الذي لا يهتم بمعرفة الآثار والسنن، وفهم معانيها، فهو جاهل، ما عنده شيء من العلم، ما عنده شيء من العلم. لأن العلم هو حفظ الكتاب والسنة، وفهم الكتاب والسنة. وكذلك أيضًا أن يعرف ما عليه سلف الأمة، فكيف تستطيع أن تفهم الكتاب والسنة وأنت لم تطلع على أقوال الصحابة والتابعين، وكيف فهموا القرآن والسنة؟ فالذي لا يعلم شيئًا من الآثار، ولم يقف عليها، ويفهم معانيها، فهو صفر، فهو صفر من العلم، ما عنده شيء، ما عنده شيء من العلم. ولا يكفي فقط أن يحفظ الكتاب والسنة ولا يفهمه، ما بفهم السلف، هذا ما يكفي. فإذا حفظ القرآن وما فهمه بفهم السلف، ربما كان داعيًا من دعاة الخوارج الذين أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنهم يحفظون القرآن، بل قال للصحابة رضوان الله تعالى عليهم: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم». وأخبر أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فهم حفظوا القرآن، لكن ما فهموا، ما فهموا بفهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فوقعوا في البدعة. وهكذا أيضًا من حفظ الكتاب أو السنة ولم يفهموا بفهم السلف، فإن أولئك لا يوفقون للهداية والاستقامة، وإنما تكون الهداية والاستقامة بالأخذ بالكتاب والسنة على فهم السلف رضوان الله تعالى عليهم. طيب، لهنا والله تعالى أعلم.