مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 14

الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 14، ألقاها

تحذير من أخطار الغنى والفقر وتأثيرهما على الفسق والمعاصي

الغنى والفقر قد يكونان سببا للفسق والمعاصي إذا لم يتقي الإنسان الله، فيجب على المسلم أن يحسن استخدام ما آتاه الله من مال في طاعته. يجب على المسلم أن يكون حذراً من أخطار الغنى والفقر وأن يتقي الله في كلتا الحالتين.

فضل الفقراء والمساكين ومقارنتهم بالأغنياء

الفقر ليس مذمة إذا أقبل العبد على طاعة الله، بل هو خير إذا صاحبته التقوى. الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء لأنهم أقل عرضة للحساب على الأموال.

تعريف الغنى الحقيقي وفضل القناعة والرضا بالكفاف

الغنى الحقيقي هو قناعة النفس وليس كثرة المال. القناعة والرضا بالكفاف من أفضل ما يمكن أن يتحلى به المسلم، حيث تجعله مستغنيا عن سؤال الناس وتزيد من تقواه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام العبد البر رحمه الله كما في صحيح جامع بيان علم وفضله، في كلامه على بيان حقيقة الزهد، قال: وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله عز وجل ليحمي عبده الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه الطعام يشتهيه». وهذا الحديث قال المؤلف أو المحقق أنه حديث حسن، وصححه علامة الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي. قالوا: هذا والله أعلم نظر منه عز وجل لذلك العبد، فرب رجل كان الغنى سبب فسقه وعصيانه لربه عز وجل، وانتهاكه لحرمته، ورب رجل كان الفقر سبب ذلك كله له، وربما كان سبب كفره وتعطيل فرائضه، وهما طرفان مذمومان عند العلماء. يعني يقول رحمه الله: أن الغنى ربما يكون سببًا في وقوع العبد في الشر، إذا فتح الله سبحانه وتعالى عليه من الدنيا، كان ذلك سببًا في إعراضه وتكبره، وكذلك أيضًا في انهماكه في المعاصي والذنوب، فالفقر خير له. ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض، ولكن ينزل بقدر ما يشاء، إنه بعباده خبير بصير. لو أن الله جل وعلا بسط لعباده الرزق، فتح لهم من متاع الدنيا، لكان ذلك سببًا في بغيهم والكفر والمعاصي، لبغوا في الأرض بسبب الغنى. وكما قال جل وعلا: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾. فالغنى قد يكون سببًا للطغيان والتجبر والتكبر والتعالي والترفع على الخلق. وهكذا أيضًا قد يكون الفقر سببًا للفسق، قد يكون الفقر سببًا لوقوعه في الفسق والمعاصي، وكذلك انتهاك المحرمات. فالإنسان يتقي الله سبحانه وتعالى، إن أغناه الله جل وعلا فيحمد الله ويصرف ما آتاه الله جل وعلا فيما يقربه إلى الله. كما قال جل وعلا: ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى﴾. قيل: نزلت في أبي بكر، وهي عامة لكل من أتاه الله جل وعلا مالًا وأنفقه في طاعة الله سبحانه وتعالى. فيكون الغنى فيه خير له، يسابق في مرضات الله جل وعلا وفي طاعة الله، كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتنافسون، وبعضهم كان من ذوي الأموال، وما جاء في الصحيحين أن بعضهم تمنى غيره في اجتهاده في العبادة، حين أتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، أهل الدثور إلى الأموال. قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضل أموالهم، ويعتقون، ولا نعتق. فالشاهد أنهم كانوا يتسابقون مع ما أتاهم الله سبحانه وتعالى من المال. فهذه نعمة، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام جعل الحسد في شيئين، كما في حديث ابن مسعود: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ينفقه في الطاعات والقربات». فهذا يحسد على ما آتاه الله جل وعلا من هذا المال، وعلى توفيق الله سبحانه وتعالى له في صرفه في وجوه الخير. قال: وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة؛ فإنها بئسة البطانة». فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله جل وعلا من الجوع، والجوع يأتي من الفقر، الذي يجد شيئًا من الطعام ما يصد به حاجته. قال: وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الفقر والفاقة والذل، وأن يظلم أو يظلم. وهذا كما جاء في حديث أم سلمة، حين كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزله قال: «بسم الله، توكلت على الله، اللهم نعوذ بك أن نزل أو نزل، أو نظلم أو نظلم، أو نجهل أو يجهل علينا». قال: وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعافية والغنى». وهذا الحديث في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل ربه جل وعلا الهدى، والتقى، والعافية، والغنى. قال: والدليل على أن التقلل من الدنيا والاقتصار فيها والرغبة بالكفاف منها والاقتصار على ما يكفي ويغني عن الناس أفضل من الاستكثار منها والرغبة فيها، وأقرب إلى السلامة، ما رواه أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قمت على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أصحاب النار، فقد أمر بهم إلى النار». وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء. والحديث في الصحيحين. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه قام على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين، قال: «فإذا عامة من دخلها المساكين، المسكين الفقير في الدنيا، ما عنده أموال، وليس من ذوي التجارات، فقير على قدر حاجته، يقبل على طاعة الله سبحانه وتعالى، يحافظ على فعل الأوامر ويجتنب النواهي، فهذا من أول من يدخل الجنة». قالوا: أصحاب الجد محبوسون، أصحاب الجد أي أصحاب الأموال، أصحاب الغنى، هؤلاء يحاسبون على ما معهم من الأموال. قال: وقد جاء في هذا الحديث نصًا عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قمت على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أصحاب النار، فقد أمر بهم إلى النار». فشاهد من ذلك أن الفقر ليس مذمة إذا أقبل العبد على طاعة الله سبحانه وتعالى، فإنه على خير، وإن لم يكن عنده أموال. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقيد سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها». وهذا الحديث في الصحيحين. وجاء عن غير أبي هريرة، عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه، وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنه لما حضرته الوفاة بكى بكاء شديدًا، فقيل له: ما يبكيك يا أبا محمد؟ قال: كان مصعب بن عمير خيرًا مني، توفي ولم يترك ما يكفن فيه، ولم توجد له إلا بردة، كان إذا غطي بها رأسه بدت رجله، وإذا غطيت بها رجله بدا رأسه. وبقيت بعده حتى أصبت من الدنيا وأصابت مني. يعني أنه فتحت عليه الدنيا، قال: وما أحسبني إلا سأحبس عن أصحابي بما فتح الله علي من ذلك. عن أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير الرزق ما يكفي، وأفضل الذكر الخفي». قال المحقق: إسناده ضعيف، وله شواهد بمعناه. يعني أن خير الرزق ما فيه الكفاية، قول النبي عيسى عليه السلام: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا، وقنع به». ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا». فهذا يدل على أن خير الرزق ما فيه كفاية، ما يسد الحاجة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا». وهذا في مسلم. فالنبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله جل وعلا أن يجعل رزق أهله وآله قوتًا، أي ما يقتاتون به ويسدون به حاجتهم. عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أبشركم يا معشر الفقراء؟ إن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، خمسمائة عام». وهذا الحديث رواه ابن ماجة وغيره، وهو صحيح. فيه أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام. فلا يحزن إن كان فقيرًا، ولا يظن أن الله سبحانه وتعالى لا يحبه أو أن الله لا يريد به الخير. قد يكون الفقر خيرًا له، قد يكون الفقر خيرًا له من الغنى، فيكون الغنى سببًا في طغيانه، فإذا كان فقيرًا كان ذلك سببًا في استقامته واستمراره على الاستقامة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، خمسمائة عام». فهذه الآثار يؤيد بعضها بعضًا في فضل القناعة والرضا بالكفاف. عن خولة بنت حكيم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الدنيا خضرة حلوة، فمن أخذها بحقها بورك له فيها». ورب متخوض في مال الله ورسوله له النار يوم القيامة. فالدنيا فيها زينة، ويغتر بها الإنسان بما فيها من النعمة والجمال، وما فيها كذلك من شهوات وملذات. عن شقيق قال: دخل معاوية على أبي آشم بن عبادة يعوده، فبكى، فقال له معاوية: ما يبكيك يا أبا آشم؟ قال: أوجع تجده أم حرص على الدنيا؟ قال: كلاهما لا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فقال: «يا أبا آشم، إنك لعلك تدرك أقوامًا يؤتاهم أموالًا، وإنما يكفيك من المال خادم ومركب في سبيل الله». وأراني قد جمعت من الأموال. عن بريدة الأسلمي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يكفي أحدكم من الدنيا خادم ومركب». قال المحقق: هذا حديث حسن. وعن سعيد بن المسيب، عن سلمان قال: عاد سلمان، فبكى، فقال له: ما يبكيك؟ قال: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب». وهذا له شواهد تدل على صحة معناه. قال أبو عمر: أخذه أبو العباس فأحسن في قوله: إذا كنت بالدنيا بصيرًا، فإنما بلاغك منها مثل زاد المسافر. وقال أبو حاتم: إذا كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس في الدنيا شيء يغنيك. يعني إذا كنت لا تستغني بما أتاك الله سبحانه وتعالى، إما يسد حاجتك، وكذلك تكتفي به، فليس هناك شيء يغنيك، مهما أوتيت من أموال. فالغنى هو قناعة النفس، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». طيب الله ثراه. والله تعالى أعلم.

شاركنا على