الدرس في القواعد والأصول الجامعة 81، ألقاها
القاعدة الفقهية تنص على تقديم القرينة على الأصل عند التعارض، وتُطبق في مسائل مختلفة مثل غلبة الظن والعرف في حق المستحاضة. القرينة الدالة على المراد تُقدم على الأصل في الأحكام الشرعية.
يشرح كيفية التعامل مع الشك في العبادات مثل الصلاة والطواف، ويُعمل بغلبة الظن أو اليقين. كما يطبق هذا المبدأ في المعاملات مثل النزاعات بين الزوجين حول النفقة، حيث تُقدم القرائن على أقوال الأطراف.
القرائن تُستخدم في حل النزاعات بين الأفراد وتقسيم الأمتعة بين الرجل والمرأة بناءً على ما يصلح لكل منهما. يُقدم العمل بالقرينة على الأصل عند قوتها، وتساعد في تحديد الصادق من الكاذب وتقديم الحجة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتاب القواعد والفوائد الأصولية، القاعدة الثانية والخمسون: إذا قويت القرينة قدمت على الأصل. إذا قويت القرينة، والقرينة يعني ما يدل على المراد، ما يدل على المراد، فهي أمارة وعلامة معلومة على شيء مجهول. فإذا وجدت القرينة الدالة على المراد فإنها تقدم على الأصل، وإلا فالأصل أنه يعمل بكل أصل في موضعه. فمثلا الأصل في باب القضايا والنزاعات أن اليمين على المدعى عليه، والبيّنة على المدعي، هذا هو الأصل. لكن إذا وجدت قرينة تدل على خلاف ذلك عمل بها، وقدمت على هذا الأصل. وسأتي ذكر شيء من الأمثلة تتضح به هذه القاعدة. قالوا: هذا أصل نافع، وهو أن القرائن التي تحف بالأحكام قد تقوى فتقدم على الأصل. ولهذا أمثلة منها تقديم غلبة الظن عند تعذر اليقين أو مشقة الوصول إليه. فالأصل هو أنك تعمل باليقين بما أنت متيقن منه. فإذا تعذر اليقين وغلب على ظنك حصول هذا الشيء عمل بغلبة الظن. علماء عمل بغلبة الظن، وقدمت على اليقين لتعذره. قال: مثل قولهم ويكفي الظن في الإسباغ في إزالة النجاسة، يعني إن لم يتيقن زوالها لكن غلب على ظنه أنها قد زالت فإن هذا يكفي ويعمل به. وفي طهارة الأحداث كلها، يعني في غسل الجنابة وفي غسل الحيض وفي غسل النفاس، فإنه يعمل بغلبة الظن. قال: ومثل تقديم العادة في حق المستحاضة، كذلك المرأة إذا استمر بها الدم صارت مستحاضة، نزل منها الدم واستمر ولم يقف. فالمستحاضة هنا إذا كان لها عادة معتادة قبل استمرار الدم فإنها تعمل بهذه العادة. مثلا عادتها أن ينزل منها الدم في أول كل شهر سبعة أيام، فإذا استمر بها الدم فإنها تعمل بهذه العادة أنها تجلس كل أول سبعة أيام من كل شهر تكون فيها حائض، ثم بعد ذلك تغتسل وتصلي وتكون في حكم المستحاضة. مع أن هذا أي الأخذ بالعادة هو غلب الظن، ومع ذلك فإنها تعمل به ويقدم على اليقين لتعذره. قال: مثل البناء في الصلاة على غلبة الظن، يعني إذا شك الإنسان في الصلاة هل صلى ثلاثا أو صلى أربعا فإنه يعمل بغلبة الظن، كما جاء في حديث المسعودي قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدري أن صلى ثلاثا أم أربعا فليبن على ما استيقن، يعني ما غلب على ظنه فيعمل به. وهذا غلب الظن هنا اليقين متعذر لحصول الشك، وأجاز الشرع أن يعمل بغلبة الظن فقدم على الأصل. قال: فإن لم يكن عنده غلب الظن فإنه يعمل باليقين وهو الأقل. اليقين في الشك في العدد هو الأقل. فإذا كان لم يدري ولم يغلب على ظنه شيء فإنه يعمل باليقين. فإذا شك هل هي ثلاثة أو أربع يجعلها ثلاث لأن هذا المتيقن، ثم يزيد رابعة ويأتي للسهو بعد ذلك. قال: وهو قول قوي في الصلاة والطواف والسعي وغيرها، يعني العمل بغلبة الظن. شك في الطواف هل طاف خمسا أم ستا فإن عنده غلب الظن عمل بها. لو غلب على ظنه أنه طاف ستا جعلها ستا وعمل بذلك وقدم هنا غلبة الظن على اليقين. وإن لم يكن عنده غلب الظن أخذ بالأقل لأنه المتيقن. قالوا: من ذلك إذا دعت المرأة على زوجها أنه لم ينفق عليها وهي في بيته، والعادة جارية أن الزوج هو الذي يتولى النفقة على أهله، قدم قوله على قولها وهو الصواب. إذا دعت المرأة على زوجها أنه لم ينفق عليها، امرأة جالسة مع زوجها في البيت ثم ادعت أن زوجها لا ينفق عليها، فإن كان هناك بيّنة عندها بيّنة على ذلك وقرينة تدل على صدقها قبلت. وإلا فقرينة الحال كونها جالسة عنده وساكنة عنده ثم تدعي ذلك هذا يدل على عدم صدقها، وإلا لما جلست لو كان لا ينفق عليها ما جلست عنده. فكونها جالسة عنده هذه قرينة على أن الزوج هو الذي ينفق عليها وأنه مستمر في النفقة. وقدم قوله على قولها. قال: ومن ذلك تقديم من له قرينة قوية أن المال له على صاحب اليد وأشباه ذلك. ومن ذلك تقديم من له قرينة قوية أن المال له على صاحب اليد. مثلا رجل يجري خلف آخر، وهذا الذي يجري حافيا يجري من غير نعال، وذاك الذي أمامه لابس للنعال ومعه نعال بيده، وهذا الذي خلفه يقول: هات نعالي. كون النعال بيده هذا يقولون أن الذي بيده الشيء المتنازع فيه هذه قرينة على أنها له. لكن على هذا الحال هذا الذي خلفه ماذا يمشي ويجري بلا نعالين ثم يطالب بنعلي؟ وهذا الذي يجري ومعه النعل في قدميه نعل، هذه قرينة على أن الذي خلفه صادق أن هذا الذي يطالب بالنعل أنه صادق وأنها له. فحينئذ يقدم هذا على الذي بيده النعل لأن هذه قرينة تدل على أن الذي معه النعل أخذها من غيره. فحينئذ تعطى لهذا الذي يدعي أنها له. ومن ذلك قصة يوسف عليه السلام حين حصل ما حصل مع امرأة العزيز. لما قدد قميصه من قبل قال الله جل وعلا: ﴿فشهد الشاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهم من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾. هذه قرينة تدل على صدق أحدهما. إن كان القميص قد من قبل فهي صادقة لأن معنى هذا أنها دافعت عن نفسها فمزقت قميصه من الأمام. وإن كان قد من دبر يعني من خلف، معنى هي الطالبة وهو الهارب. فلما رؤي القميص وقد قد من قبل علم صدق يوسف عليه السلام وأنها هي التي كانت تطالبه. وهذه قرينة دلت على الصادق منهما. قال: ومنها إذا تنازع الزوجان في متاع البيت، فما يصلح للرجل فهو للرجل، وما يصلح للنساء فهو للمرأة، تقديما لهذا الظاهر والقرينة على غيرها. إذا تنازع الزوجان في متاع البيت، هذا إذا لم يكن هناك عرف عادة أن الزوج هو الذي يؤثث البيت. إذا كان في العرف والعادة أن الزوج أثث البيت هو الذي يأتي بالثلاجة والفرن والغسالة وفرش ونحو ذلك، فهذا يكون له بلا شك. لكن إذا كان العرف على غير ذلك أو حصل الخلاف والنزاع في بعض الأمتعة التي كانت من جهة هبة الزوج للمرأة أو اشترتها المرأة، فهنا إذا حصل النزاع ينظر إلى القرائن. فما كان يصلح للرجال من الأمتعة فهو له، وما كان يصلح للنساء فهي لها، لأن هذه قرينة على أن هذه لها هي اشترتها أو وهب لها أو نحو ذلك. فيكون تقسيم هذه الأمتعة على هذا الحال. وهذا عمل بالقرينة وغيرها من الأمثلة والمسائل التي تنطبق عليها هذه القاعدة: إذا قويت القرينة قدمت على الأصل. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.