الدرس في القواعد والأصول الجامعة 65، ألقاها
القاعدة تنص على أن من أتلف شيئا للانتفاع به فعليه ضمانه، بينما من أتلفه لدفع ضرر عن نفسه فلا ضمان عليه. تُستدل هذه القاعدة بأحاديث نبوية.
أجاز النبي قتل المعتدي على النفس أو المال لدفع الضرر، ولا ضمان على من قتل المعتدي. كما لا ضمان على من قتل بهيمة اعتدت عليه، لكن يضمن إذا أكلها.
إذا انقلع ظفر المحرم أو نزل الشعر في عينه، فلا فدية عليه لإزالته. أما إذا احتاج لإزالة شعره بسبب مرض، فعليه فدية أذى مثل ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعود رحمه الله في كتاب القواعد والوصول الجامعة: القاعدة السادسة والثلاثون: من أتلف شيئا لينتفع به ضمنه، وإن كان لمضرته له فلا ضمان. هذه القاعدة في بيان التفريق في ضمان المتلفات، أن من ضمن شيئا من أتلف شيئا لأجل نفسه، لأجل ينتفع به لنفسه، فإنه يضمن ما أتلفه. وأما إن كان لمضرته فلا ضمان عليه. فمثلا المحرم إذا صاد صيدا لأجل أن يأكله، فإنه يضمن هذا الصيد. وإن قتله لدفع ضرره عنه هجم عليه الصيد، فما استطاع أن يدفعه عنه إلا بقتله فقتله، فلا ضمان عليه. ودليل هذه القاعدة في ضمان المتلفات، أو في عدم ضمانها إن كان لدفع الضرر عن نفسه، ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت لو أن رجلا أراد أن يأخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك». قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «فقاتله». قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد». قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار». وجاء في الصحيح كذلك من حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد». فأجاز النبي عليه الصلاة والسلام للإنسان أن يدافع عن ماله، فإن لم يستطع أن يدفع هذا المعتدي والصائل الذي أراد أن يأخذ ماله إلا بقتله، فإنه يقتله وليس عليه شيء، يعني ما يضمن دية هذا المقتول. لماذا؟ لأنه معتدي، وهو قتله لأجل دفع الضرر عن نفسه، لأنه أراد أن يضره فلم يندفع إلا بذلك، فصار دمه هدرا. وإذا كان هذا في حق الإنسان، فالحيوان من باب أولى. قال: فمن ذلك إذا صالت عليه بهيمة غيره، فدفعها عن نفسه فأتلفها لم يضمنها. وإن اضطر إلى أكلها فذبحها لذلك، ضمنها لأنه لنفعه. مثلا: بعير هجم عليه، ما استطاع أن يدفع هذا البعير إلا بقتله فقتله، هل يضمن قيمة هذا البعير؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه قتله لدفع الضرر عن نفسه، هو أراد أن يعتدي عليه. هذا معنى قوله: إذا صالت عليه بهيمة، يعني اعتدت عليه، وما استطاع أن يدفعها إلا بقتلها، فهو الآن قتلها لأجل أن يدفع الضرر عن نفسه، لأنه معتديه، فلا يضمنها، ليس عليه ضمان. لكن إن اضطر إلى أكلها، جاع ولم يجد إلا هذه البهيمة، وجد هذه الناقة أو البعير، فنحرها وأكل منها، هل يضمنها؟ الجواب: نعم. لماذا؟ لأنه أتلفها لأجل أن ينفع نفسه، أتلفها لأجل أن ينفع نفسه. إذن يفرق بين إتلاف الشيء لنفع النفس، وبين إتلافه لدفع الضرر، ففي الأول يضمن، وفي الثاني لا ضمان عليه. قال: ومن كان محرما بحج أو عمرة، فانقلع ظفره أو نزل الشعر في عينه فأزاله، فلا فدية عليه. فإن أصابه مرض احتاج معه إلى إزالة شعره، فعليه فدية أذى لإزالة الشعر. يقول: من كان محرما بحج أو عمرة، ومعلوم أن المحرم لا يزيل أظفاره ولا يقص شعره. فيقول: انقلع ظفره، مثلا يمشي فأصاب يده أو قدمه شيء، أصاب ظفره فانقلع الظفر، أو نزل الشعر في عينه، نزل الشعر في عينه، كان محرما فطال شعره مثلا، وصار يؤذيه في عينه، هنا يزيله وليس عليه فدية، يقلع هذا الظفر أو يقص هذا الشعر الزائد الذي يؤذيه في عينه، أرغم ما يكون من شعر الحواجب مثلا إذا طالت فيزيلها وليس عليه شيء. لماذا؟ لأنه أزال لدفع الأذى، أزال لدفع الأذى، فليس عليه فدية، أي فدية حلق الشعر. أما إذا أصابه مرض احتاج معه إلى إزالة شعره، كان تصيب مثلا جروح في رأسه، أو تناثر عليه القمل وكثر عليه القمل، فاحتاج إلى إزالة الشعر حتى ينتفع بذلك ويزيل هذا المرض، فهنا يزيله وتجب عليه الفدية، لحديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، حين أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بشأنه، وكيف أن القمل كان يؤذيه، فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أمره أن يحلق رأسه، وأن يفدي بأن ينسك، أن يذبح شاة أو يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع. هذا معنى هذه القاعدة، أنه يفرق في ضمان المتلفات، فما أتلفه الإنسان لينتفع به ضمنه، وما أتلفه لدفع الضرر لم يضمنه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.