الدرس في القواعد والأصول الجامعة 18، ألقاها
الأعمال لا تقبل إلا بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله، وهذان الأصلان أساس الشريعة الإسلامية. العمل الذي يفتقد لأحدهما يكون باطلاً.
هناك ميزانان للأعمال: ظاهر لموافقة الشريعة وباطن للإخلاص لله. العمل لا يقبل إلا بتوافر الشرطين: الموافقة للشريعة والإخلاص لله.
الشرط الأساسي لصحة المعاملات هو موافقتها للشرع، ولا يكفي الرضا بين المتعاقدين إذا كانت المعاملة محرمة. جميع المعاملات يجب أن تتوافق مع الشريعة.
المقطع ينتهي بالدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وهو عمل صالح ومستحب في الإسلام. هذا الدعاء يعبر عن الختام والتأكيد على أهمية اتباع سنة النبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة"، في كلامه على القاعدة الخامسة: "الشريعة مبنية على أصلين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله". قال رحمه الله: "وقال الله تعالى في الأعمال الفاقدة للمتابعة: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾، وقال: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله﴾. فالله عز وجل أخبر بالأخسرين أعمالا من ضل سعيه في هذه الدنيا، يعمل وهو يظن ويحسب أنه يحسن صنعا، وهو على خلاف ذلك. قد يعمل الأعمال ويتقرب بها إلى الله، وهي على غير شريعة الله وعلى غير ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون مردودة غير مقبولة، فيذهب عمله سداء. ومن لم يستجب للنبي عليه الصلاة والسلام ويتبعه، فهو متبع لهواه، ويكون قد ضل الطريق". قال: "فالأعمال الصالحة كلها إذا وقعت من المرائين فهي باطلة لفقدها الإخلاص الذي لا يكون العمل صالحا إلا به. فمن رأى في عمله -سواء كان هذا العمل صلاة أو زكاة أو صدقة أو قراءة قرآن أو غير ذلك من الطاعات- مراءاة، لم يؤمن أن يقبل عمله". وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح الإمام مسلم، أن الله عز وجل قال: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه". قال: "لماذا تبطل هذه الأعمال؟ لفقدها الإخلاص، الشرط الأول من شروط قبول العمل. الإخلاص، فإذا لم يخلص العامل في عمله، فإن عمله باطل غير مقبول". قال: "والأعمال التي يفعلها العبد لله، لكنها غير مشروعة، فهي باطلة لفقدها المتابعة، يعني ولو كان مخلصا. فالإخلاص وحده لا يكفي، لا بد أن تكون معه المتابعة، كما أن المتابعة وحدها لا تكفي، لا بد أن يكون معها الإخلاص. فمن صلى والصلاة مشروعة، لكنه لم يخلص، كان عمله باطلا. ومن تقرب إلى الله بعمل غير مشروع، ولو كان مخلصا فيه، فإنه لا يقبل لفقد شرط المتابعة". قال: "وكذلك الاعتقادات المخالفة لما في كتاب الله وسنة رسوله، كاعتقادات أهل البدع المخالفة لما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كلها مردودة لقوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها". والحديث بهذا اللفظ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، والبخاري تعليقا، وهو متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". قال: "فكل الاعتقادات المخالفة للكتاب والسنة مردودة، كاعتقادات الجهمية والرافضة والمعتزلة وغيرهم من أهل الأهواء، اعتقاداتهم مردودة وباطلة لأنها تخالف الكتاب والسنة". والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد مردود عليه»، سواء كان هذا الحدث اعتقادا أو كان عبادة أو معاملة. إذا أحدث الإنسان عقيدة أو عملا أو معاملة ليست من دين الله جل وعلا، فهي مردودة غير مقبولة. قال: "فهذا الحديث ميزان للأعمال الظاهرة، يعني حديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، فهو ميزان للأعمال الظاهرة. إذا عمل الإنسان عملا، ينظر هل هذا العمل موافق للشريعة؟ إن كان موافقا للشريعة ومما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، نظرنا إلى الميزان الثاني، الميزان الباطني، وهو الإخلاص". قال: "وإن كان غير موافق للشريعة، ووجدنا أنه أمر محدث اخترع، كالمولد مثلا ونحوه من العبادات المحدثة، نقول: هذا العمل مردود، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»". وليس المولد من الدين، وليس مما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، إذن هذا الميزان يحكم به على الأعمال الظاهرة. قال: "كما أن حديث عمر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق عليه، ميزان للأعمال باطنا". هذا الحديث حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات»، يعني صحة الأعمال بالنية، هذا ميزان للأعمال الباطنة. إذا كان هذا العمل في الظاهر مشروعا، يبقى ينظر في الميزان الثاني، وهو الميزان الباطن: هل هذا العمل أخلص فيه لله أم لا؟ إن كان أخلص فيه لله، فالعمل مقبول وصحيح، وإن لم يخلص فيه لله، فالعمل مردود. قال: "إذن كل عمل ينظر فيه بميزانين: ميزان ظاهر، وهو موافقة الشريعة في هذا العمل، وميزان باطن، وهو الإخلاص فيه لله. فإذا اختل أحد الميزانين، اختل العمل". قال: "والإخلاص لله في كل شيء هو الذي وردت فيه نصوص الكتاب والسنة في الأمر به، وفي فضله وثمراته الجليلة، وفي بطلان كل عمل يفقده". قال: "وأما نية نفس العمل، فهذا وإن كان لابد منه في كل عمل، لكنه حاصل من كل عامل معه رأيه وقصده، لأنها القصد. وكل عاقل يقصد العمل الذي يعمله ويباشره". ولهذا كانت عناية الشارع في الأول وفي تحقيقه وتخليصه من جميع الشوائب. قال: "نية نفس العمل يعني ماذا يريد بهذا العمل؟ هل يريد به طاعة أو يريد به عادة؟ هذه النية وإن كانت -يعني- لابد منها بكل عمل، فهي حاصلة من عمل كل إنسان". لابد أن يكون له قصد، النية معناها القصد إلى فعل أمر. فهذه النية موجودة، الذي يقوم مثلا أن يغتسل، ماذا يريد بهذا الغسل؟ إما يريد به غسل عبادة كرفع الجنابة، أو يريد به غسل التبرد والاغتسال. قال: "فالذي يميز ذلك النية، أو تميز بين العبادات نفسها، كمن صلى ركعتين، هل يراد بهاتين ركعتين الفريضة كصلاة الفجر، أو يراد بها نافلة؟ الذي يميز ذلك النية". يقول: "هذه النية نية نفس العمل، وإن كانت مقصودة أو مطلوبة، فهي حاصلة من كل عامل". لا بد أن يكون له قصد في عمله، لكن ليس هي المراد في كلام الشرع بالأمر بالإخلاص والأمر بصلاح النية. قال: "المراد بها قصد إخلاص العمل لله، والقصد بالعمل ما عند الله سبحانه وتعالى، فالإخلاص لله جل وعلا وحده". قال: "كما أن هذا الأصل يشمل جميع العبادات، فكذلك المعاملات". فكل معاملة من بيع أو إجارة أو شركة أو غيرها من المعاملات تراضى عليها المتعاملان، لكنها ممنوعة شرعا، فإنها باطلة محرمة، ولا عبرة بتراضيهما، لأن الرضا إنما يشترط بعد رضا الله ورسوله. قال: "كما أن العبادات يجب فيها الإخلاص والمتابعة، كذلك المعاملات، فالمعاملات لا بد أن تكون موافقة للشرع". فإذا باع الإنسان بيعا، وهذا البيع محرم في الشريعة، وقال: "أنا راضي"، وقال البائع والمشتري: "نحن متراضيان على هذا البيع"، يقال: "رضاكما لا يحل هذا البيع، لأن الله عز وجل لا يرضى به، ورضا الله ورسوله مقدم على رضا المتعاقدين". قال: "وكذلك التبرعات التي نهى الله ورسوله عنها، كتخصيص بعض الأولاد على بعض، أو تفضيلهم في العطايا والوصايا". يعني لا يجوز أن يعطي الأب بعض أولاده دون بعض، لأن الشرع أمر بالعدل بينهم: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم". فالتبرعات لا بد فيها من موافقة الشرع. قال: "وكذلك في المواريث، فلا وصية لوارث". يعني ما يجوز أن يوصي إلى بعض الورثة. عنده خمسة أبناء مثلا، وهو يحب أحد هؤلاء الأبناء أكثر من البقية، فيأتي يوصي له في الوصية أنه له كذا وكذا، هذا ما يجوز. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا وصية لوارث»، الذي يرث ليس له وصية، ما يجوز أن يوصى له. قال: "وكذلك شروط الواقفين، لا بد أن تكون موافقة للشرع، غير مخالفة له. فإن خالفته ألغيت". نعم، إذا أوقف الإنسان وقفا يخالف الشرع، مثلا أوقف على قبر أن يسرج أو ينفق عليه كذا وكذا مما يفعل عنده من زيارات ونحو ذلك، يقال: "هذا وقف باطل مخالف للشرع"، فيلغى هذا الوقف وينقل إلى ما هو أنفع للميت مما يحصل له به الأجر. قال: "وميزان الشروط مطلقا قوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما» رواه أهل السنن". نعم، كذلك ميزان الشروط بين المتعاقدين أن تكون هذه الشروط موافقة للشرع وغير مخالفة له. فكل شرط حرم حلالا أو أحل حراما، فهو مردود، وإن قال المتعاقدان: "نحن متراضيان بذلك"، نقول: "لا يجوز، لأن هذا يخالف الشرع". قال: "وهذا قاله النبي عليه الصلاة والسلام لما أرادت عائشة رضي الله عنها أن تعتق بريرة، فاشترط أهل بريرة أن يكون الولاء لهم، فأنكر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل»، وإن كان مئة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق". صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.