الدرس في القواعد والأصول الجامعة 28، ألقاها
القاعدة تنص على أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر في جميع الدعاوى والحقوق، وتستند إلى حديث نبوي شريف. هذه القاعدة أساسية في إثبات الحقوق.
المدعي مطالب بإثبات دعواه بالبينة، وإن لم يفعل، يطالب المدعى عليه باليمين لنفي الدعوى. البينة تشمل كل ما يبين الحق وليس مقتصرة على شهادة الشهود فقط.
إذا حلف المدعى عليه برأت ذمته، وليس للمدعي شيء. هذه القاعدة أساسية للقاضي والمفتي في الفصل بين الخصومات.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في كتابه "القواعد والوصول للجامعة" القاعدة العاشرة: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر في جميع الدعاوى والحقوق وغيرها". هذه القاعدة قاعدة عظيمة تستعمل عند الخصومات والنزاعات، إذا جاء من يدعي دعوى ويطالب بحق من الحقوق، فإنه يطالب بالبينة. فإذا أثبت بينته على صحة دعواه، أعطي مدعاه. فإن لم يكن عنده بينة، طولب المدعى عليه باليمين. فإذا حلف، برئت ذمته من هذه الدعوى، ولم يكن للمدعي شيء. أصل هذه القاعدة هو قول النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح الإمام مسلم، قال في حديث ابن عباس: "لو يعطى الناس بدعاواهم، لدعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه". لو يعطى الناس بدعاواهم، يعني لو يعطى كل مدع بدعواه مما يدعي به، لذهبت كثير من الحقوق. لدعى ناس دماء رجال وأموالهم، يأتي يدعي أن هذا قتل أباه أو أحدا من أقاربه، فيطالب بالقصاص، أو يدعي مالا وأنه أخذ ماله، فتذهب الأموال وتسفك الدماء بسبب هذه الدعوى لو أخذت، يعني مجردة من غير بينة تدل على صدق المدعي. ولكن اليمين على المدعى عليه، هكذا لفظ هذا الحديث في صحيح مسلم. وجاء عند الإمام البيهقي أنه قال عليه الصلاة والسلام: "ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر". وكذلك أيضا عند البيهقي من حديث ابن عباس، فهذا الحديث يدل على هذه القاعدة. قال النووي رحمه الله: "هذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد الشرع". قوله: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، كما قلنا إذا ادعى مدع دعوى، فيطالب بالبينة. وسيأتي معنا ما هي البينة التي تبين صحة دعواه. واليمين على من أنكر، أي المدعى عليه. إذا لم يأت هذا المدعي بالبينة التي تدل على صحة دعواه، فإن المدعى عليه يطالب باليمين إذا أنكر، يعني دعوى هذا المدعي. أما إذا أقر، قال المدعى عليه: صح قولك، صحيح أنا أخذت هذا المال ونسيت مثلا أن أرده أو شيء من ذلك، فهنا تبين أن هذا الحق للمدعي. لكن إذا أنكر المدعى عليه، قال: لا، ليس لك شيء، ولم آخذ منك شيئا، فيقال له: احلف عليك اليمين حتى تبرأ من هذه الدعوة. قال: "في جميع الدعاوى". الدعاوى جمع دعوى، والدعوى هي طلب استحقاق شيء في يد غيره أو في ذمته. طلب استحقاق شيء في يد غيره أو في ذمته، في يد الغير كعين كسيارة أو أرض أو مال، أو في ذمته كدين كدين من الديون. فإذا طالب بشيء من ذلك، فإنه يطالب بهذه القاعدة. قال: "والحقوق وغيرها". الحقوق كالنفقة، وكذلك المبيت وغيرها، وغيرها من الحقوق. قال: "وقد أجمع أهل العلم على هذا الأصل العظيم في الجملة"، يعني معنى في الجملة، أي في أكثر صوره، في أكثر الصور التي تندرج تحت هذه القاعدة وتنطبق عليها. قال صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، رواه البيهقي أي بهذا اللفظ. وأصله في الصحيحين، أي من حديث ابن عباس بلفظ "ولكن اليمين على المدعى عليه". قالوا: "هذا الأصل يحتاجه القاضي والمفتي وكل أحد لشدة الحاجة إليه". يحتاجه القاضي للفصل بين المتخاصمين، إذا جاء عنده خصمان، هذا يدعي وهذا ينكر، فيقضي بينهما بهذه القاعدة، يطالب المدعي بالبينة ويطالب المدعى عليه باليمين. وهكذا أيضا المفتي، إذا جاء عنده اثنان استفتياه في قضية من القضايا ودعوى من الدعاوى، فإنه كذلك يحتاج إلى هذه القاعدة. قال: "وكل أحد لشدة الحاجة إليه". وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ أن فصل الخطاب هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وقوله: "قيل"، وإن كانت أتى بها بصيغة التضعيف، إلا أنه قد ثبت ذلك، أي القول بأن المراد بفصل الخطاب هو هذه القاعدة، ثبت عن علي رضي الله عنه أنه فسر هذه الآية بهذه القاعدة: "أن فصل الخطاب البينة على المدعي واليمين على من أنكر". وهكذا أيضا قال به أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، وكذلك أيضا قال مجاهد وعطاء: "أن فصل الخطاب الأيمان والشهود"، وهو معنى هذه القاعدة. وعلى هذا، فيكون هذا القول قولا معتبرا. وليس معنى هذا أن فصل الخطاب هو هذا فقط، أن فصل الخطاب البينة على المدعي واليمين على من أنكر، هذا من فصل الخطاب، هذا من فصل الخطاب. وإلا فصل الخطاب أعم من ذلك، فصل الخطاب كل ما يكون به الحكم بالصواب، كل ما يكون به الحكم بالصواب فهو من فصل الخطاب. فيدخل في ذلك السماع من الطرفين، وكذلك أيضا القضاء عند عدم الغضب، ويلحق به ما كان بمعناه من كون القاضي غير حاقد ولا حاقن، ولا جائع أيضا الشديد الجوع، وما كان بمعنى ذلك مما يشوش الفكر ويكون سببا في عدم القضاء بالحق والصواب. قال: "لأن به تنفصل المشتبهات وتنحل الخصومات"، يعني بهذه القاعدة، بهذه القاعدة يفصل بين المتخاصمين والمتنازعين، وتنحل الخصومات، ويعرف المحق من المبطل. قال: "ولا شك أن ذلك داخل في فصل الخطاب". وهذا إشارة إلى أنه ليس هو كله فصل الخطاب، لكن هذا منه، لأنه الفصل بين الحق والباطل في الديانات والأموال والحقوق. فكل من ادعى عينا عند غيره أو دينا على غيره أو حقا من الحقوق، فعليه البينة. وهي كل ما أبان الحق، ويختلف نصابها وحالها باختلاف المشهود عليه. فإن لم يأت ببينة تشهد بصحة دعواه، فعلى الآخر اليمين التي تنفي ما ادعاه المدعي. هذا شروع في ذكر بعض الأمثلة التي تنطبق عليها هذه القاعدة. فيقول: كل من ادعى عينا عند غيره، كسيارة أو أرض أو بيت أو مال، أو دينا، يعني في ذمته، ادعى أن فلانا من الناس أخذ منه مالا واستدان منه، أو حقا من الحقوق، كنفقة، تدعي الزوجة أن زوجها لم ينفق عليها. فيقول: فعليه البينة، هذا المدعي الذي يطالب بهذه العين أو بهذا الدين أو بهذا الحق، يطالب بالبينة. إذا قال إنسان: إن فلانا أخذ مني مالا، استدان مني وأعطيته دينا مثلا عشرة آلاف، يقال لهذا المدعي: أين البينة التي تدل على صحة دعواك؟ وما هذه البينة التي تبين صدق المدعي؟ قال رحمه الله: "هي كل ما أبان الحق"، كل ما تبين به الحق فهو بين. وما قاله رحمه الله هو الصواب، بخلاف من يخص البينة بالشهود، يقول: إن البينة هي شهادة الشهود بأن يشهد رجلان أو رجل وامرأتان، أو كذلك يمين المدعي مع الشاهد، فيحصر البينة في ذلك. وهذا قال به جمهور أهل العلم، لكن الصواب أن البينة أعم من ذلك، شهادة الشهود هذا من البينة، هي نوع من أنواع البينة. لكن هناك أيضا أمور أخرى يحصل بها البينة، كوجود قرائن تدل على صدق المدعي، أو على كذبه، أو كذلك وصف شيء بوصف يعرف به صدق المدعي. فليست البينة خاصة بالشهود فقط، لكن من البينة الشهود. قال: "ويختلف نصابها وحالها باختلاف المشهود عليه"، يعني يختلف نصاب البينة باختلاف المشهود عليه. فقد تكون البينة بشهادة أربعة شهود، كما في الزنا، إذا ادعى أن فلانا زنى بامرأة، فلابد من أربعة شهود يشهدون بذلك، وأنهم رأوا الميل في المكحلة. وقد يكون الشهود رجلين، كما في الأموال، يشهد رجلان بأن فلانا له مال عند فلان. فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان، فقد تكون البينة شهادة رجل مع امرأتين. وقد تكون البينة كذلك دعوى شهادة الشاهد مع يمين المدعي. وقد قضى النبي عليه الصلاة والسلام بالشاهد واليمين، كما في الصحيح، قضى بالشاهد واليمين أن يكون المدعي عنده شاهد واحد، فيقبل مع يمينه مع يمين المدعي. وقد تكون البينة شهادة امرأة واحدة، وذلك فيما يتعلق بأمور النساء، فيما يتعلق بأمور النساء من الرضاعة أو نحوها، فتقبل شهادة امرأة واحدة. إذن يختلف نصاب هذه البينة باختلاف المشهود عليه. قال: "فإن لم يأت ببينة تشهد بصحة دعواه، فعلى الآخر اليمين"، أي المدعى عليه. إذا ادعى المدعي ولم يأت ببينة على مدعاه، فإن على المدعى عليه، وهو الطرف الآخر، عليه اليمين. لماذا؟ لأن جانبه أقوى، الذي يكون جانبه قوي هو الذي تكون له اليمين، وعنده اليمين، لأن الأصل براءة ذمته من هذه الدعوى. فلما جاء المدعي بخلاف الأصل، طولب بالبينة. فإن أتى بالبينة، عمل بها. فإن لم يأت بالبينة، فالأصل براءة ذمة المدعى عليه، فيطالب المدعى عليه باليمين. قال: "التي تنفي ما ادعاه المدعي". فإذا حلف، برئت ذمته، وليس للمدعي شيء. هذا معنى البينة على المدعي واليمين على من أنكر. نكتفي بهذا القدر. إلهنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.