الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 181، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
استعرض المقطع خلاف العلماء في جواز لعب الأطفال بالبنات والتماثيل مستندين إلى فعل عائشة رضي الله عنها، ثم رجّح علماء معاصرون كابن باز وابن عثيمين المنع لاختلاف واقع الألعاب اليوم بدقتها ومحاكاتها لخلق الله. وقد استدلوا بقاعدة «دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك» للاحتياط في الدين.
بيّن المقطع تشديد الشارع في وعيد المصورين بقوله ﷺ: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يظاهؤون بخلق الله»، ووضح ابن عثيمين أن التحريم ثابت حتى دون قصد المضاهة. وعُزي ذلك إلى سوء الأدب مع الله بمضاهاة خلقه والتحدي الإلهي بخلق ذرة أو شعيرة.
سرد المقطع سبعة أوجه لعقوبة المصورين يوم القيامة منها عجزهم عن النفخ في صورهم وخلق الله نفساً معذبة لكل صورة، مؤكداً أن الجزاء من جنس العمل. كما ربط بين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطمس الصور وتسوية القبور وسد ذرائع الشرك، مبيناً أن التكليف في الآخرة بما لا يطاق يكون على وجه العقوبة.
أعلن المتحدث انتهاء الباب الحالي المتعلق بأحكام التصوير والتماثيل، وبين أن الدرس القادم سيتناول الباب التالي الخاص بكثرة الحلف. وبذلك تم الانتقال إلى موضوع فقهي جديد.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فانتهينا في الدرس الماضي مما ذكره الشارح، وبعض المسائل الأخرى التي تتعلق بالتصوير. وانتهينا قبل المسائل، وقبل الشروع في المسائل، نريد أن نأخذ مسألتين تتعلق بهذا الباب. المسألة الأولى: حكم ألعاب الأطفال التي تكون على هيئة صورة أو تمثال. واختلف العلماء في ذلك لورود بعض الأدلة التي تدل على أن الأطفال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يلعبون بألعاب على هيئة صورة، فلذلك اختلف العلماء في هذه المسألة إلى قولين. وسبب خلافهم أن الألعاب التي كانت في عهد السلف، في عهد الصحابة ومن بعدهم، ليست كألعاب هذا الزمان، وهذا لا أظن أن أحداً يخالف فيه. ففي هذا الزمان تنوعت وتعددت أنواع اللعب التي على هيئة صور، بل من الألعاب ما تكون اللعبة كأنها صورة حقيقية فيها جميع ملامح الإنسان من وجه وشعر، بل وإليتين وثديين ونحو ذلك، بما هو معلوم بما يسمى بالدمن. بل ربما بعضها يتحرك ويمشي، وبعضها ربما كذلك يصدر أصواتاً يتكلم. فلذلك اختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم من استثنى هذه اللعب مطلقاً لما ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب ألعبنا معي»، والحديث متفق عليه. وفي حديث آخر عنها رضي الله عنها أنها قالت: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر السهوى» - يعني مثل النافذة - «قال: فهبت ريح فكشفت ناحية الستر» - يعني رفعت الستر عن تلك الفتحة - «قال: فكشفت ناحية الستر عن بنات» - يعني لعب بنات لعائشة لعب - «فقال: ما هذا يا عائشة؟ ما هذا؟ فقلت - أو فقالت -: بناتي. ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس. قال: وما هذا الذي أرى؟ قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان. قال: فرس له جناحان؟ الفرس ما يكون له جناح، لا الطير يكون له جناح. فتعجب - سلم هذا السؤال تعجب - قال: فرس له جناحان؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟ قالت: فضحك عليه الصلاة والسلام حتى رأيت نواجذه عليه الصلاة والسلام. فقال: هذا خيل ولعب، والخيل من ذوات الأرواح». إذن هذا مما يستثنى، هذا قول لبعض أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم المعاصرين، ومن أئمتنا وعلمائنا: العلامة بن باز، وابن عثيمين، وعلماؤنا في اليمن، بأن اللعب في ذاك الزمان تختلف عن اللعب في هذا الزمان. فاللعب في زمان السلف كانت من الخرق والقطن، والقطن، فليست تصويراً دقيقاً، فليست تصويراً دقيقاً لها. ومما يدل على ذلك حديث الربيع بنت معوذ قالت: «كنا نصوم صبياننا يوم عاشوراء، نعوذهم على الصيام، فإذا بكى أحدهم أتينا له بلعبة من العهن» - العهن يعني القطن - «يلعب بها فينسى الجوع، فيلتهي بذلك». فكان اللعب في ذاك الزمان من الخرق والقطن، فليست مثل العرائس الموجودة اليوم، وما فيها من الدقة كما سمعنا دقة التصوير، ولا سيما إذا كانت لها حركة أو صوت، ففي ذلك معنى واضح من معاني المضاهة، لأن هذا يضاهي خلق الله تماماً. فشيخ بن باز، وشيخ بن عثيمين، يقولون: ما نستطيع أن نقول بجواز ذلك، فهي إلى المنع أقرب، ومن باب «دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك»، فهذا هو الأقرب. لا تتساهل في شراء مثل هذه اللعب وهذه الدمن للأطفال، فإنها على هيئة، على هيئة يعني واضحة في يعني ملامح الصور، بل ربما أحياناً إذا رأيت هذه الصور تظن أنها طفل صغير لشدة يعني الدقة في تصنيعها، في تصنيعها. فلا بأس أن يلعب الطفل بلعبة من الخرق أو القطن، وهذا موجود، يكون الوجه ما فيه عينان، ما فيه أنف ولا فم وأسنان، لا، وإنما فقط على هيئة رأس بدون ملامح، ويكون من الخرق والقطن ونحو ذلك. أما هذه الدمن وهذه التشكيلات فهذا مما منع منه كثير من علمائنا المعاصرين. نعم، بقيت مسألة أخرى أيضاً، وهو عبارة عن إشكال قد يرد لبعضنا، وهو في قول النبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يظاهؤون بخلق الله». فقد يكون عند بعضنا إشكال، وهو أن هناك من هو أشد عذاباً من المصورين، وأشد ذنباً من المصورين، فكيف النبي صلى الله عليه وعلى سلم يجعل المصورين من أشد الناس عذاباً؟ أجيب على ذلك بعدة أجوبة، ومن أقواها وأفضلها، ومن أقواها وأفضلها ما أجاب به العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله، أن الأشدية الواردة في هذا الحديث أشدية نسبية، أي أن أشد الذين يصنعون الأشياء عذاباً هم الذين يظاهؤون بخلق الله. يعني الذي يصنع، ربما الإنسان يصنع أشياء محرمة لكن من غير مضاهة، من غير مضاهة، ففي باب التصنيع أشد الناس عذاباً في هذا الجرم وفي هذا الذنب الذين يصنعون الأشياء للمضاهة، للمضاهة. وإلا فقد جاء أن آل فرعون يعذبون أشد العذاب، وأن المشرك كذلك يعذب أشد العذاب، لكن هذه الأشدية الواردة في الحديث يراد بها الأشدية النسبية، أي فيما يتعلق بتصنيع الأشياء. ثم قال المؤلف: المسائل الأولى: التغليظ الشديد في المصورين. وهذا يجعلنا أيها الإخوة أن نحذر كل الحذر من التصوير، وإيانا وإياكم أن نأخذ برخص العلماء في ذلك. فأنت إذا سددت هذا الباب فأنت ممدوح عند جميع العلماء: لا تصور، لا بجوالك، ولا كذلك بيدك، ولا بشيء من ذلك، فإن الأدلة عامة، وفيها وعيد شديد: «كل مصور في النار»، وعيد شديد. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يظاهؤون بخلق الله»، أي بالتصوير، بالتصوير. فقال الشيخ بن عثيمين: أن التصوير محرم، ولو لم يقصد صاحبه المضاهة، المضاهة. ولو لم يقصد صاحبه المضاهة، فالأفضل والأكمل للمسلم، والأحوط والأورع له أن يترك التصوير، وأن يترك اقتناء الصور، إلا فيما تقدم من مسائل ضيقة، كأن تلجأ إليها إلجاء في الجواز أو البطاقة أو نحو ذلك، أو كذلك إذا كانت مهانة على قول بعض أهل العلم، أو كانت تبعاً لغيرها، لا تقصد منها الاقتناء، وإنما ابتليت بذلك فشق عليك طمس هذه الصور أو إزالة هذه الصور، فالمشقة تجلب التيسير. أما ما سوى ذلك فاحذر، لا تتساهل، إذا تساهلت ستتوسع في هذه المسألة، لا تتساهل في التصوير، بارك الله فيك. قال: الثاني: التنبيه على العلة، وهو ترك الأدب مع الله. هذا الذي يصور قد أساء الأدب مع الله عز وجل، لماذا؟ لأنه ضاهى رب العالمين في الخلق. ولذلك قال: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» - يخلق كخلقي - «أن يصور هذه الصورة، يصور هذه الصورة، فهو مسيء للأدب مع الله». كمن ضاد، يقول الشيخ العثيمين: فهو مسيء للأدب مع الله كمن ضاد في شرعه. فلا أحد أظلم منه. المضادة تكون في الشرع، وتكون في الخلق. تكون في الشرع: يأمرك الله بأمر فتخالف هذا الأمر، وتضاد هذا الأمر الشرعي، ولا تبالي به، ولا تبالي به، بل تأتي بخلافه وبما يضاده، فهذه مضادة للشرع. ومضادة لخلق الله: أن تصور تلك الصور، أن تصور تلك الصور، فهذا مضادة لخلق الله. قال: لكن الشيخ العثيمين يقول: التصوير محرم، ولو لم يقصد المضاهة، لأن الأدلة عامة، وقد جاءت بعض الأدلة الأخرى التي لم تقيد التصوير بالمضاهة. قال: الثالث: التنبيه على قدرتهم على قدرته وعجزهم، أي قدرة الله عز وجل وعجزهم، لقوله: «فليخلقوا ذرة أو شعيرة». الذرة تلك الحشرة الصغيرة، والشعيرة، الشعير هذا المعروف الذي يصنع به الطعام. وقد تقدم معنا أن هذا الحديث ورد مورد ماذا؟ التحدي. ورد مورد التحدي، يعني لا يستطيعون خلق أصغر ما خلق الله، فما هو أكبر من باب أولى أنهم لا يقدرون على ذلك. لذلك لأن الله خلق أكبر من ذلك، وهم عجزوا عن خلق الذرة أو الشعيرة، فما هو أكبر منه مما يصورونه من إنسان أو حيوان أو نحو ذلك، من باب أولى أنهم لا يستطيعون خلقه. نعم، قال: الرابع: التصريح بأنهم أشد الناس عذاباً، وهو في قوله: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يظاهؤون بخلق الله». وعرفنا الأشدية هنا بأنها نسبية. قال: الخامس: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفساً يعذبوا بها في جهنم. ومعنى هذا أنه مثلا لو صور مليون صورة، يؤتى بالصورة الأولى، يقال له: انفخ في هذه الصورة الروح، فهذا لا يستطيع شيئاً، يعجز عنه، فيؤنب على ذلك. ثم يؤتى بالصورة الثانية التي صورها، ويقال له: انفخ فيها الروح، فيبقى فترة لا يستطيع، يعجز عن ذلك، وهو في عذاب، وهو في عذاب في هذه المهلة. وكم سيبقى وهو على هذه الحال إذا صور الكثير من الصور؟ فيخلق أن الله يخلق بعدد نفساً يعذب بها في جهنم، كل نفس هذه يعذب بها في جهنم، فكل ما أكثر من التصوير كان العذاب أكثر وأشد. قال: السادس: أنه يكلف ينفخ فيها الروح. وهذا قال الشيخ العثيمين: من أشق العقوبات، لأنه ما يستطيع، ما يستطيع. أنت الآن مثلاً لو قال لك قائل: اهدم هذا الجبل، جبل عظيم كبير، هذا الجبل يقول لك: اهدم هذا الجبل، يقول لك: ما أستطيع، يقول لك: لابد اهدم هذا الجبل، اهدم هذا الجبل، وأنت إيش ستفعل؟ هذا شيء شديد عليك، شيء يشق عليك. وهكذا يؤنب بهذا المصور، فيقال له: انفخ في هذه الصور الروح، وهو لا يستطيع ذلك، لا شك ولا ريب، لا يستطيع ذلك، فيزجر ويطلب منه، ويكرر له ذلك الطلب، فهذا لا شك أنه من أشق العقوبات عليه. قال: السابع: الأمر بطمسها إذا وجدت. فإن استطعت أن تطمس بدون مشقة صوراً قليلة فافعل ذلك، لأن نبي صلى الله عليه وسلم أمر علي بذلك: «ألا تدع صورة». وصورة هنا نكرة في سياق ماذا؟ النهي. أنه لا تدع صورة، فهي تفيد ماذا؟ تفيد العموم. أي صورة من ذوات الأرواح، لأن يقيد هذا بالأحاديث المتقدمة، بأن الذي جاء النهي في التصوير هو صور ذوات الأرواح، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل صورة ينفخ فيها الروح». فالتي ليست بذات روح فلا تدخل في هذا المعنى. فالأمر بطمس الصورة يعني ذوات الأرواح التي جاء النهي عنها. قال الشيخ العثيمين: وفيه يعني في حديث علي، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته»، هذا فيه الحديث فوائد، ذكر منها الشيخ العثيمين بعضاً. قال: وفيه الجمع بين فتنة التماثيل وفتنة القبور. ففتنة التماثيل سبب لفتنة القبور، فالصورة كما تقدم وسيلة إلى الشرك، وهذا كان بسبب، أو كان بسبب ذلك شرك قوم نوح، كما تقدم معنا. قال: لأن في كل منهما وسيلة إلى الشرك، فالتماثيل تعبد من دون الله، أو يعبد من صورت له هذه الصورة. وفتنة القبور كذلك، ما هو السبب في تسوية القبور؟ لأن إظهارها ورفعها، لأن إظهارها ورفعها سبب لعبادتها، ولتعظيم الناس لها. وما هو السبب في طمس الصورة؟ لأنها وسيلة إلى عبادة غير الله عز وجل. قال: وإثبات العذاب يوم القيامة في قوله في الحديث الذي قبل ذلك: «يعذب بها في جهنم». قال: وأن الجزاء من جنس العمل، كما ظاه في خلق الله يوم القيامة يكلف بالنفخ في هذه الصورة، لأنه ظاه في الدنيا، فيطلب منه ذلك في الآخرة، والجزاء من جنس العمل، فيعذب بذلك. قال: ووقوع التكليف في الآخرة بما لا يطاق على وجه العقوبة. ما هو هذا التكليف؟ يؤمر بالنفخ في هذه الصورة، وهذا شيء لا يطاق، لكن يقال له ذلك على وجه العقوبة، كما مر معنا. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب. وفي الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى الباب الذي بعده، وهو ما جاء في كثرة الحلف. إلى هنا، والله تعالى أعلم.