الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 13، ألقاها
يؤكد الإمام عبد البر على أهمية الكسب الحلال لصلاح الدين مستشهدا بأقوال السلف الصالح. إصلاح المعيشة من خلال الكسب الحلال جزء من صلاح الدين وليس محبة للدنيا.
يُناقش أهمية طلب الرزق بالطرق المشروعة والزهد في الدنيا. التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب هو السبيل لتحصيل الرزق والزهد الحقيقي يقتضي الرضا بالقليل.
يتناول آراء العلماء حول الزهد وأهمية القناعة والصبر على الفقر. الزهد هو ترك ما لا ينفع في الآخرة وقصر الأمل في الدنيا، والصحابة والصالحين كانوا يزهدون في الدنيا ويكتفون بالكفاف.
النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة كانوا يمثلون الزهد في الدنيا، حيث كانوا يعيشون الفقر ولا يتعلقون بالمال. كانوا خير هذه الأمة مع فقرهم واكتفائهم بالقليل.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام عبد البر رحمه الله كما في كتابه جامع بيان العلم وفضله في كلامه على حاجة طالب العلم إلى الكسب الحلال وما يكفيه من ذلك. قال: كان أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه يقول: من فتح على الرجل المسلم استصلاح معيشته. وقال أيضا: صلاح المعيشة من صلاح الدين، وصلاح الدين من صلاح العقل. يعني ليس من العيب أن يصلح العبد معيشته، يعني ما يحتاج إليه في هذه الدنيا من مأكل ومشرب ومسكن ومركب ونحو ذلك من معاشه، فليس هذا فيه مذمة كما مر إذا كان من وجوه الحلال ولم يكن فيه شيء من المحرمات. قال: وقال الشاعر الحكيم: ألا عائذ بالله من بطر الغنى ومن رغبة يوما إلى غير مرغبي. وعن علي بن أبي جملة قال: لما قفل الناس من القسطنطينية لقيت يحيى بن راشد أبا هاشم الطويل، قال: فقال لي: وجدت الدين بالقبض، يعني أنه كانوا يتعيشون مما يسد حاجتهم، وكان هذا من الخير الذي له أن يكتفي بما وجد، كما قال عليه الصلاة والسلام: قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه. قال علي بن أبي جملة: قال ورأيت أبا الدرداء أميرا على دمشق. قال أبو الدرداء: ليس من حبك الدنيا التماسك ما يصلحك منها، يعني أن أخذ الإنسان من الدنيا ما يستعين به على الطاعة ليس هذا من محبة الدنيا، وليس هذا من الركون إلى الدنيا، وإنما هذا مما يكون سببا في صلاح دينه ودنياه إذا وجد الإنسان ما يستعين به على حاجته، لربما كان ذلك عونا له على طاعة الله، كان عونا له على الإقبال على عبادة الله سبحانه وتعالى. قال: وكان يقول: من فقهك يا عويمر إصلاحك معيشتك، يخاطب نفسه رضي الله تعالى عنه لأن اسمه عويمر، فيقول: من فقهك يا عويمر إصلاحك معيشتك، يعني أن إصلاحك للمعيشة هذا من فقه الرجل. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا معشر القراء استبقوا الخيرات وابتغوا من فضل الله ولا تكونوا عيالا على الناس. يريد بالقراء العلماء، يقول: استبقوا الخيرات أي سارعوا في الخيرات والطاعات، وابتغوا من فضل الله أي اكتسبوا واطلبوا الرزق بأسباب، ولا تكونوا عيالا على الناس أي تنتظرون ما في أيدي الناس. وقد أحسن منصور الفقيه في قوله: أفضل من ركعتي قنوت ونيل حظ من السكوت ومن رجال بنوا حصونا قصونهم داخل البيوت غدو عبد إلى معاش يرجع منه بفضل قوتي. يعني أن طلب الرزق أفضل من أن الإنسان يترك طلب الرزق اتكالا على الناس. قال: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا. لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله تعتمدون على الله حق الاعتماد لكن مع الأخذ بالسبب، فالطير ما تبقى في العشرة وتقول سيأتي الرزق، تذهب تخرج تغدو خماصا بطنها خالية وترجع وقد امتلأت، ييسر الله سبحانه وتعالى لها الرزق. قال رحمه الله: فصل في بيان حقيقة الزهد. قال المعلق: وضعت هذا العنوان من عندي وليس في الأصل. يعني قوله فصل في بيان حقيقة الزهد ليس هذا في أصل الكتاب وإنما وضعه المحقق. قال: اختلف أهل العلم في بيان حقيقة الزهد في الدنيا. وقد جلى ذلك الحافظ ابن عبد البر في تنايا هذا الفصل. وقال ابن جماعة في التذكرة: وعلى طالب العلم أن يقنع بما تيسر وإن كان يسيرا، ومن اللباس ما يسور مثله وإن كان خلقا، يعني ليس بالثوب الجميل، فبالصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم. قال الشافعي رضي الله عنه: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح. يقول الإمام الشافعي رحمه الله: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس، يريد أن يطلب العلم وأن يكون ذا ملك وذا عزة ورفعة ما يمكن، لأن هذا ربما يكون سببا في منعه من طلب العلم والاستمرار فيه. قال مالك: لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضره الفقر ويؤثره على كل شيء. الإمام مالك رحمه الله يقول: لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضره الفقر، يعني لابد أن يمر الإنسان بالفقر، لابد أن يبتلى طالب العلم بالفقر، فيحتاج إلى أشياء كثيرة، فلابد أن يصبر حتى ينال العلم. قال أبو حنيفة: يستعان على الفقه بجمع الهم، ويستعان على حفظ العلاء قلة الأشغال بالأمور الدنيوية والتي تعلق قلب العبد بها، بأخذ اليسير عند الحاجة ولا تزد. يعني تأخذ من أمور الدنيا ما تستعين به وتجعله عونا لك على الاستمرار في الطلب، لا تكثر فيكون سببا في صرفك عن الخير. قال ابن عبد البر رحمه الله: ثم يقول يعني منصور الفقيه إن الزهد في الحلال وترك الدنيا مع القدرة عليها أفضل من الرغبة في حلالها، وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء المسلمين قديما وحديثا. قال الإمام الزهري رحمه الله: الزهد في الدنيا ألا يغلب الحرام صبرك ولا الحلال شكرك. يعني أنه ينبغي أن تصبر على الحالة التي أنت عليها ولا تقدم الحرام، لا يغلب عليك الحرام فتقدمه على ما أنت فيه من الخير أو على ما أتاك الله سبحانه وتعالى. قال سفيان الثوري رحمه الله: الزهد في الدنيا قصر الأمل. يعني أنك تعلم أن لك يوما ترحل فيه من هذه الدنيا، فيكون قلبك معلقا بالآخرة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: الزهد هو ترك ما لا ينفع في الآخرة. ليس الزهد أن تترك ما أحل الله سبحانه وتعالى من الأكل فتقول أنا سأزهد فلا آكل اللحم أو أنا سأزهد فلا أتزوج النساء، ليس هذا من الزهد، بل هذا من التنطع الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: والآثار عن السلف والصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين في فضل الصبر على الدنيا والزهد فيها وفضل القناعة والرضا بالكفاف والاقتصار على ما يكفي دون التكاثر الذي يلهي ويطغي أكثر من أن يحيط بها كتاب أو يجمع عليها باب. والذين زوى الله عز وجل عنهم الدنيا من الصحابة أكثر من الذين فتحها عليهم أضعافا مضاعفة، والله جل وعلا لا يختار لعباده المتقين إلا الخير. فالنبي عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله ومع ذلك كان فقيرا عليه الصلاة والسلام، تمر عليه الأيام والليالي وهو لا يجد قوتا، بل كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: كان عليه الصلاة والسلام يلتوي لا يجد من الدقل ما يملأ به بطنه، وهو رديء الطعام. فهذا حال النبي عليه الصلاة والسلام وأكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم خير هذه الأمة خير هذه الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام.