الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 105، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يجب على المسلم أن يبدأ بإصلاح نفسه بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه قبل أن يدعو الآخرين، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. من يتعمد ترك الواجبات يبطل دعوته، أما من يجتهد ويخطئ ثم يتوب فدعوته مقبولة.
يشترط للنصر في الجهاد أن يجتهد المسلم في إصلاح نفسه وحث المؤمنين، ويكون القتال واجباً فقط عند تكافؤ القوى بنسبة واحد إلى اثنين بعد التخفيف. إذا تفوق الكفار أضعافاً فلا يجب القتال، وهذا متفق عليه بين العلماء.
في معركة مؤتة قاتل المسلمون بجيش قليل أمام جيش روماني كبير، وانسحب خالد بن الوليد بحكمة حفاظاً على الجيش، وأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على فعله. الابتلاء بالكفار يهدف إلى قيام سوق الجهاد وحصول إيمان الاختيار، ودفع الناس بعضهم ببعض حكمة لحفظ الدين والمعابد.
الإيمان الذي يُفرض بالقهر لا يثبت عند المواجهات والأذى، بينما الإيمان الذي يختاره المؤمن عن قناعة يبقى ثابتاً مهما عورض. لأن المؤمن المبتغي وجه الله والدار الآخرة يتمسك بدينه في كل الظروف.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قبل أن نبدأ -إن شاء الله تعالى- من هذا اليوم، استأنف الشيخ أبو معاد -حفظه الله- دروسه، العام والخاص، الذي يكون بعد العصر، ويقول: إنه سيبدأ في الدرس العام في «أعلام السنة المنشورة» للحافظ الحكمي -رحمه الله- «أعلام السنة المنشورة» 200، وسوى ذلك، ولـ «علامة السعدي» -رحمه الله- عند قول الله جل وعلا: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ [النساء: 84]. نرجع إلى ما كنا نقرأ. قال -رحمه الله: «هذه الحالة أفضل أحوال العبد، أن يجتهد في نفسه على امتثال أمر الله من الجهاد وغيره، ويحرِّض غيره عليه. وقد يُعدم في العبد الأمران أو أحدهما، فلذلك قال الله لرسوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾. ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ أي: ليس عليك قدرة على غير نفسك، فلن تكلف بفعل غيرك». الإنسان أولاً يجتهد بنفسه، يرغمها على كتاب الله وعلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإذا ينهيها أو ينتهي عما نهى الله عز وجل عنه ورسوله -صلى الله عليه وسلم-. فإذا انتهت هذه النفس، فهنا صار العبد يسيطر على نفسه، وهو كما قال شاعر: فأنت حكيم، ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت فأنت حكيم فلذلك: أولاً الإنسان يبدأ بصلاح نفسه، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. أولاً يقي الإنسان نفسه، يبدأ بصلاح نفسه، فإذا أصلحها فإنه يبدأ بصلاح غيره. ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، ثم بعد أن تصلح هذه النفس: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وليس معنى ذلك أن الإنسان لا ينشغل إلا بنفسه ويترك الآخرين، لا، وإنما يبدأ بصلاح نفسه؛ لأنه لو أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ونفسه تعيب ذلك، فإنه لا يؤثر أولاً في المدعوين، وكذلك أيضاً قد يكون إثمه عظيماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]. والمراد بهذا: ليس أنه يجعل نفسه كاملة، لا، المراد أنه يكون في نفسه امتثال الأوامر واجتناب النواهي، لكن قد يغلبه الشيطان، تغلبه نفسه، قد تغلبه الشهوات، تغلبه الدنيا والهوى، فلذلك قد يغلب، لكن الأصل فيه هو الخير. وكذلك أيضاً هيأ نفسه لقبول الخير، لكنه كما قلنا قد يغلب. أما إنسان يتعمد ترك الأوامر، وأيضاً لا يجتنب النواهي متعمداً، وأيضاً نفسه هو الذي يحث نفسه على ذلك ويرغب في ذلك، فهذا لا فائدة فيه. فإن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لا ينفعه، وهذا يتنزل عليه أيضاً الآية، ويتنزل عليه حديث أسامة بن زيد -رضي الله تعالى عنه-، لما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «يُجاء بأقوام يوم القيامة في النار، فتنتلق أقتابهم في بطونهم، فيدورون حولها كما يدور الحمار حول الرحى»، فيقولون: «يا فلان، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟» فيقول: «بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتي، وأنهاكم عن المنكر وآتي». فهذا ينزل على من كانت نيته هذه، ويتعمد هذه الأمور. أما من كان يجتهد في إصلاح نفسه وإصلاح أهله، وأيضاً يجتهد في فعل الأوامر والنواهي، لكن تغلبه نفسه أو الشيطان، فهذا إذا دعا إلى الله جل وعلا، وقد مثلاً يحصل أنه يدعو إلى شيء قد لا يفعله، لكن هو يجتهد لفعله، وهو ينصح الناس لأجل أن يفعل ذلك الفعل، فهذا أيضاً داعية إلى الله جل وعلا. وإلا لو ترك الناس الدعوة إلى الله بهذه الحجة، لتركت الدعوة إلى الله؛ لأنه ما من أحد إلا ويغلب، إلا من عصمه الله، ما من أحد إلا ويذنب ويأتي شيء من المنكرات، وهكذا يترك بعض الواجبات. هذا في النفس، لكن المؤمن الذي يريد الخير: يستغفر الله ويتوب إليه، كلما جاء لذنب أو ترك واجب، استغفر الله وتاب إليه، وإن لم يعلم أنه أتى بذنب أيضاً استغفر وتاب. فهذا إن حصل منه شيء من التقصير، فإنه لا يلام، ولا أيضاً يترك الدعوة إلى الله. فلو تركت كما قلنا الدعوة إلى الله بهذه الحجة، لما دعا أحد، ولما دعا الناس أحد. لكن الإنسان يدعو لأجل صلاح نفسه، كذلك ينصح لأجل نفسه ولأجل من يسمعه؛ فإنه غالباً كلام الرجل يؤثر في نفسه، وهذا إذا كان عنده النية، وعنده كذلك ويجتهد في ذلك. أما إنسان يحدث الناس بخيال، هو يعلم من نفسه أنه لا يفعل ذلك أبداً، ولا أيضاً في نفسه أنه يفعل ذلك، فهذا خطأ، وهذا أيضاً ينزل على الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. لكن المؤمن جاهد نفسه في طاعة الله جل وعلا: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، ثم قال: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على القتال. فقال: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: بعد أن تكلف نفسك وتجتهد بنفسك أن تقاتل في سبيل الله، حرِّض بعد ذلك المؤمنين. ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾. وهذه من الآيات التي استدل بها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على أن العبد إذا اجتهد في إصلاح نفسه، ثم دعا الناس إلى إصلاح النفس، وأطاعه، وخاصة أمراء الناس وقادتهم ووجوههم، فإن النصر سيتحقق لهم. أن النصر سيتحقق لهم. ولهذا لما كلم شيخ الإسلام -رحمه الله- التتار، كلمه في قتال التتار، وكلمه في الاجتهاد في الطاعة، وكذا، وخطبهم، وأيضاً قام الأمير، واختلط الناس، أن يبتهلوا إلى الله وأن يجتهدوا في طاعة الله وفي دعائه. فلما رأى ذلك شيخ الإسلام من اجتهاد الناس والتحمس على القتال، قتال التتار، قال: «جاء نصر الله، جاء نصر الله». فقالوا: «قل: إن شاء الله». فقال: «إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، تحقيقاً لا تعليقاً». وذكر -رحمه الله- أن الله عز وجل وعد بذلك. فما دام أن الوالي والراعي يجتهد في إصلاح نفسه، ويجتهد في إصلاح من تحته، ويدعوهم إلى الخير، فهذا هو من الأسباب التي جعل الله عز وجل النصر لعباده. فقال في هذه الآية: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. معنى: إذا فعلتم هذا، اجتهد الأمير والحاكم في إصلاح نفسه، وحرض المؤمنين على القتال، وحرض المؤمنين أيضاً على إصلاح أنفسهم، فلا شك أنهم أن الله عز وجل سيكف بأس الكفار عنهم. أولاً: أي لا يستطيع الكفار أن يتغلبوا عليهم وأن يتسلطوا عليهم، أقل شيء أنهم يخرجون من بلاده ولا يستطيعون الدخول إليها، فيكف الله عز وجل بأسهم. بل في الآيات الأخرى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55]. فإذا فعل الناس ذلك واجتهدوا في هذا الأمر، فإن الله عز وجل ناصرهم، وناصر جل وعلا دينه، فيغلب أهل الإسلام الكفار. فلذلك قال المؤلف -رحمه الله-: «أي: ليس عليك قدرة على غير نفسك. أولاً اجتهد بنفسك، فلن تكلف بفعل غيرك. وحرض المؤمنين»، أي: على القتال. وهذا يسمى: كل أمر يحصل به نشاط المؤمنين وقوة قلوبهم. ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: حثهم على القتال، وعلى أن الأمر لله، على علق قلوبهم بالله سبحانه وتعالى. فإذا حصلت القوة والطمأنينة، فإن الله عز وجل يصرهم. قال: «وقوة قلوبهم من تقويتهم، والإخبار بضعف الأعداء وفشلهم، وبما وعد الله للمقاتلين من الثواب». أنا أقول: فإن قاتلتم، إنما لكم إما أن تغلبوا هذا العدو، وإما أن تشهدوا -معنى تشهدوا: تكتبون من الشهداء- أنكم قاتلتم من الكفار. وهذا فيمن يستطيع مقاتلة هؤلاء الكفار. أما من لم يستطع لضعف العدة والسلاح وقلة المقاتلين، فهذا لا يجب عليهم. ولهذا قال العلماء، بل ذكر بعضهم إجماعاً، كما ذكر ذلك القرطبي وغيره: أن الله عز وجل لما قال، لما ذكر ربنا جل وعلا أن الرجل من المؤمنين بعشرة من الكفار، ثم قال الله عز وجل: ﴿فَالْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66]. أنا الواحد به كم؟ بإثنين. ﴿إِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66]. فخفف الله عز وجل هذا الأمر، فجعل الواحد من المؤمنين بإثنين من الكفار. فقال العلماء: فإن كان جيش المسلمين نصف جيش الكفار، فيجب على أهل الإسلام أن يقاتلوا مع وجود عدتهم وسلاحهم. وأما إذا كان جيش الكفار أضعاف جيش المسلمين، فلا يجب عليهم القتال، لا يجب عليهم القتال، وهذا بإجماع العلماء؛ لأن الله عز وجل جعل الواحد بإثنين. هذا لا يجب عليهم القتال. وحصل مفهوم لبعض العلم: هل هذا في قتال الدفع أم في قتال الطلب؟ وبعضهم جعلهم في قتال الطلب، وبعضهم جعلهم في هذا وهذا. وإذا كان مثلاً لو قال قائل: كيف تقول هذا، وأهل الإسلام في زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- وما بعده يقاتلون الكفار وهم قلة، يكون عدد جيش الكفار أضعاف أضعاف عدد المسلمين؟ مثلاً في فتح دمشق، كان عدد جيش أهل الإسلام ستة آلاف، وجيش الكفار جمعوا، جمعوا حتى بلغ تسعين ألفاً. انظر إلى الفرق الهائل، معناه: حتى ما يصل عشر، أن جيش المسلمين لا يصل عشر جيش الكفار، وقاتل أهل الإسلام ونصرهم الله. فهل هذا معارض لما قلت؟ لا، ليس معارض. الكلام الذي تكلمت به في الوجوب، في مسألة الوجوب: هل يجب أو لا يجب؟ لكن مسألة القتال: إذا رأى أهل الإسلام أن عندهم قدرة في قتال هؤلاء، فإنهم لا بأس أن يقاتلوا، لا بأس أن يقاتلوا ما دامت عندهم القدرة في القتال. وأهل الإسلام كما قلنا: قد جعل الله عز وجل الواحد منهم بعشر، لكن خفف الله عز وجل عليه. لكن مسألة المقاتلة: هذا بحسب ما يراه إمام المسلمين، فله أن يقدم بهذا الجيش ويقاتل، وله أن يحجم. ولهذا كما ذكرنا في خطبة الجمعة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعنف خالد بن الوليد عندما رجع بالجيش، لم يعنفه أبداً، بل أثنى عليه، وقال: «أخذ الراية سيف من سيوف الله»، وسيوف رسوله -صلى الله عليه وسلم-. فأخذ الراية خالد، وخرج بالجيش من ذلك الجيش الغراب. استقبل، استقبل الروم الغساسنة بجيش قوامه كبير جداً، وأهل الإسلام قليل. فلذلك لما رأى أن القتال ليس فيه توازي، وأن هذه العصبة قد تذهب، قد قتل ثلاثة من من يقود هذا الجيش، وقتل أيضاً غيرهم. قتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة. النبي -عليه الصلاة والسلام- أمر عليهم زيداً، ثم قال: «إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة». وفعلا قتل هؤلاء الثلاثة، فقام بعض المسلمين، أخذ الراية وأعطاها خالد بن الوليد، وهي أول راية يأخذها خالد بن الوليد -رضي الله تعالى عنه-، فخرج بالمسلمين من تلك المعركة. فلم يلمه النبي -عليه الصلاة والسلام-، بل أثنى عليه. وهذا يدل على حنكته؛ لأن هذا الجيش لو ظل يقاتل، ليس له مدد، لهم بعيد في أرض الشام، وجيش الكفار يستطيعون أن يمدوا من جيشهم لأنهم قريب، جيش الروم، وأهل الإسلام ما يستطيعون، لو طلبوا مدداً لجاءهم بعد شهر، قد انتهت المعركة. فلذلك خرج خالد -رضي الله تعالى عنه- بالجيش. فلذلك: هذا الذي ذكره العلماء -رحمة الله عليهم-. قال -رحمه الله: «قال: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على القتال، وهذا يشمل كل أمر يحصل به نشاط المؤمنين وقوة قلوبهم، من تقويتهم، والإخبار بضعف الأعداء وفشلهم، وبما وعد الله للمقاتلين من الثواب، وما على المختلفين من العقاب. فهذا وأمثاله كله يدخل في التحريض على القتال. ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: بقتالكم في سبيل الله، وتحريض بعضكم بعضاً. ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾، أي: قوة وعزة. ﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾، أي: بالمذنب في نفسه، وتنكيلاً لغيره. فلو شاء الله تعالى لانتصر من الكفار بقوته، ولم يجعل لهم باقية. الله عز وجل قادر على أن يهدم جيش الكفار ولو لم يقاتلهم أحد. لكن الله عز وجل جعل الأمر بالأسباب، لكن من حكمته يبلو بعض عباده ببعض، ليقوم سوق الجهاد، ويحصل الإيمان النافع، إيمان الاختيار. وهذا من الحكم العظيمة التي خلق الله عز وجل بها الكفار، حتى يكون هناك جهاد في سبيل الله، ويكون أيضاً دفع الناس بعضهم لبعض. ولهذا تجد أن الناس تقوى قلوبهم وإيمانهم عند المعارضة غالباً، فإذا لم توجد المعارضة تجد الناس يكسلون ويفترون. فعند الاعتراض، وعند عندما يكون هناك خصم، يجتهد الإنسان. الآن مثلاً: لو لم يخالف أحد في العقيدة، لما اجتهد العلماء بتثبيت هذه العقيدة في قلوب أهل الإيمان. بهذا الاجتهاد ما سيتكلمون على مسائل العقيدة، لماذا؟ لأنه ليس هناك مخالف. لكن إذا وجد المخالف، وجد اجتهاد العلماء واجتهاد غيرهم في العلم وفي الطاعة. قال: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ تَنكِيلًا﴾، أي: بالمذنب في نفسه، وتنكيلاً لغيره. فلو شاء الله تعالى لانتصر من الكفار بقوته، ولم يجعل لهم باقية. ولكن من حكمته يبلو بعض عباده ببعض. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40]. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج: 40]. لا بد من دفع الناس بعضهم ببعض، وإلا لهدمت المساجد. لا بد أن يجاهد أهل الإيمان على مساجدهم، على طاعاتهم، على دينهم. قال: ﴿وَلِيَقُومَ سُوقُ الْجِهَادِ وَيَحْصُلَ الْإِيمَانُ النَّافِعُ إِيمَانُ الِاخْتِبَارِ﴾، أو قال: «إيمان الاختيار». لا إيمان الاختيار. معنى: الإيمان إذا كان في الشدة يكون إيمان الاختيار. وأما إيمان الاختيار هذا يذهب سريعاً. ومن الناس من يقول: آمنا بالله، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله، ترك دين الله. وقال في الآية الأخرى: ﴿قَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11]. قال: «والقهر الذي لا يفيد شيئاً عن إيمان الاختيار، غالباً ما يذهب في المواجهات، في الخصومات، في الأذى. أما إيمان الاختيار الذي اختاره المؤمن، فمهما عورض ومهما أوذي فهو ثابت، لأنه أراد الله وأراد الدار الآخرة». هذا ما يذكر في هذا المقام، والله تعالى أعلم.