الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 103، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح الإمام السعدي أن أعظم ثمرات تدبر القرآن هو وصول العبد لليقين الجازم بأنه كلام الله تعالى، مستدلاً بخلوه من الاختلاف وحفظه الإلهي وإعجازه البياني وتأثيره في القلوب. فالتدبر يكشف محكم آياته ومطابقة بعضه لبعض، فيثبت أن مصدره واحد هو الله سبحانه.
يستعرض المقطع وجوه إعجاز القرآن في تحدي العرب بالإتيان بسورة مثله فعجزوا رغم فصاحتهم، وبيان أنه متشابِه مثاني لا اختلاف فيه. كما يؤكد أن ألفاظه موضوعة بأدق ما يكون حتى إن استبدال كلمة بمرادفها لا يصلح مكانها.
يبرز المقطع دقة اختيار كل كلمة في القرآن ووضعها في موضعها المناسب كدليل على الإعجاز، مع ضرب الأمثلة كالفروق بين «أتى» و«المجيء». ويؤكد خلو القرآن والسنة من أي تضاد، وأن ما يبدو من اختلاف يُجمع بينه بأصول علمية كناسخ ومنسوخ وعام وخاص.
يؤكد المقطع عدم وجود تعارض مطلق بين آيات القرآن الكريم وأحاديث السنة النبوية، ولا بينهما، معتبراً ذلك خلاصة ما ذُكر في هذا المقام من أدلة على وحدة المصدر وسلامة الوحي. ويختم بالتأكيد على أن الله أعلم بالصواب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام السعدي رحمه الله عند تفسير قوله جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وقال هنا: من فوائد التدبر - بعدما ذكر فضيلة تدبر القرآن، وأن الله عز وجل أنزله، أنزل القرآن ليتدبر - كما قال سبحانه وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قالوا: من فوائد التدبر لكتاب الله أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله. إن هذه من أول الفوائد: أن العبد إذا تدبر كتاب الله جل وعلا يصل إلى درجة اليقين أنه كلام الله، لأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا الكلام، ولأنه لو أراد أحد أن يأتي بمثل هذا الكلام لوجد فيه اختلافا كثيرا، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. ولهذا لم يستطع أحد أن يزيد في القرآن أو ينقص، وكما قال بعض العلماء: إنه ما حدثت أحد نفسه أنه يزيد في القرآن إلا فضحه الله، إلا فضحه الله وأفشله. فلهذا فكلام الله عز وجل محفوظ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فهو كلامه سبحانه وتعالى. فلهذا فإن من تدبر كتاب الله علم أنه كلام الله سبحانه وتعالى، يصدق بعضه بعضا ويوافق بعضه بعضا، فكتابه محكم، أحكمه الله عز وجل وأتقنه. وأيضا هذا الكتاب يهدي للتي هي أقوم. وكلام الله عز وجل أيضا فيه تأثير على القلوب، فيه تأثير على القلوب. وأيضا كلام لا يمل من أحبه، لا يمل إقراءته، فيقرأه كل يوم وكل ليلة في الصلوات. فلهذا هذا كله يدل على أنه كلام الله. وأيضا معانيه، المعاني العظيمة التي فيه. وقد تحدى ربنا جل وعلا فصحاء العرب على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن. ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله، فلم يستطيعوا. ثم تحداهم بأن يأتوا بسورة، بسورة واحدة، سواء كانت سورة طويلة أو قصيرة، يأتون بمثلها، فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذه السور. وهل هذا من باب أن الله عز وجل أعجزهم؟ لا، بل إنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، مع أنهم فصحاء ويأتون بكلمات فصيحة ويجمعون الكلام في كلمات قليلة، لكن لم يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن العظيم. وأيضا، كما قلنا، أن الله عز وجل تحداهم على أن يأتوا بمثله، فلم يأتوا ولا بسورة من مثله. قال رحمه الله: لأنه يراه يصدق بعضه بعضا ويوافق بعضه بعضا، فترى الحكم والقصة والإخبارات تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة. وهذا الذي يسميه العلماء المتشابه العام، المتشابه العام، كما وصف الله عز وجل هذا الكتاب العظيم: ﴿مُتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. مثاني، متشابه، معنى يصدق بعضه بعضا، يصدق بعضه بعضا ويوافق بعضه بعضا، ليس فيه اختلاف. تتكرر هذه القصص بأساليب، وكلها متوافقة، لا تجد فيها تعارض أو اختلاف. قال: لا ينقض بعضها بعضا. قال: فبذلك يعلم كمال القرآن، هذا يعلم كمال القرآن وأنه من عند الله جل وعلا. إن كلام الله سبحانه وتعالى هو كلامه جل وعلا. قال: وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور. وقد ذكر بعض أهل العلم كابن عبد البر وغيره أن هذا الإعجاز الذي في القرآن، والكلمات التي فيه، فإنها من أفضل وأعظم ما يوضع من الكلام. يعني: لو أراد أحد أن يغير كلمة من الكلمات فيأتي بها بمرادف، يعني يأتي بها بمرادفها في اللغة العربية، لما صلحت حتى هذه الكلمة، يعني: تكون هذه الكلمة أفضل منها. مثلا: الإتيان والمجيء، الإتيان والمجيء، كلاهما بمعنى واحد في لغة العرب: جاء وأتى. لكن في القرآن تجد أنه يأتي بهذه الكلمة في موضعها، يأتي بكلمة (أتى) في موضعها، وكلمة (المجيء) في موضعها: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وقال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ أو ﴿يَوْمَ يَأْتِي﴾، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. فهنا أتى بالإتيان، وهناك بالمجيء. لكن لو أراد الإنسان أن يغير من هذا الكلام، لما كان له أثر مثل هذا الذي ذكره الله عز وجل. فكل كلمة في القرآن وضعت في موضعها، وضعت في موضعها، كما قال الإمام ابن عبد البر وغيره ممن ذكر برهان هذا الكتاب العظيم، وأنه آية من آيات الله جل وعلا التي يجعلها للأنبياء، فجعلها ربنا جل وعلا لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام. ولهذا جاء في الحديث: «ما من نبي إلا وأعطاه الله عز وجل ما آمن على مثله البشر، ما آمن على مثله البشر، وإن الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليه». عن أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنه ما من نبي إلا أعطاه الله عز وجل شيئا من البراهين والآيات التي تجعل الناس يؤمنون به، وأيضا تكون عليهم حجة. وأن الذي قال عليه الصلاة والسلام: «وإن الذي أعطيته وحيا أوحاه الله إليه، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا». قال رحمه الله: وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور. فلذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. أي: فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلا، ليس هناك تضاد في القرآن أبدا، ولا في السنة، ولا أيضا بين السنة والقرآن. فلهذا كان بعض العلماء يقول: أعطوني بحديثين مختلفين أجمع لكم بينهما. فليس هناك تعارض في دين الله جل وعلا، إلا ما يكون من ناسخ ومنسوخ، وعام وخاص، ومبين أو مفصل ومجمل، أو مبين ومجمل، وغير ذلك. أما أنه يكون متعارضا من كل جهاته، فهذا لا يوجد، لا في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا بينهما. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا المقام، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر