الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 102، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا المحور معنى تدبر القرآن بأنه التأمل في معانيه ومبادئه وعواقبه، مبيناً أنه مفتاح العلوم والمعارف وسبيل لاستخراج الأحكام والخير. كما يربط التدبر بتحقيق التوحيد ومعرفة صفات الله مستشهداً بأقوال العلامة السعدي وابن القيم في أن القرآن كله توحيد وأمر بالطاعة ونهي عن المعصية.
يؤكد المقطع أن القرآن كله توحيد ومعرفة بالله، وأن تدبره يثمر علماً وعملاً وبصيرة مستشهداً بهمة ابن تيمية في التأمل. ويبين أن التدبر هو مقصد الإنزال الإلهي لفتح القلوب المغلقة داعياً إلى الرجوع لكتب التفسير لفهم المعاني.
يوضح المقطع أن بعض الآيات واضحة الدلالة كوعود الجنة والنار، بينما يتطلب التدبر فهم معاني القرآن وهو مقصود إنزاله. وينبه إلى خطورة حمل الآيات على نظريات علمية ظنية لم تثبت، مؤكداً أن السلف فهموا معانيها وأن التدبر يدعو للخشية والتذكر.
أشار المتحدث إلى أنه سيذكر فوائد التدبر في درس قادم، واكتفى بهذا القدر في الجلسة الحالية مختتماً بالشكر. ويعد هذا المحور ختاماً للمجلس مع وعد باستكمال الفوائد في اللقاء التالي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وآله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، قال رحمه الله: «يأمر تعالى بتدبر كتابه، وهو التأمل في معانيه وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه ولاوازم ذلك؛ فإن في تدبر كتاب الله مفتاحًا للعلوم والمعارف». وهذا التدبر يختلف من شخص إلى آخر، والتدبر في كتاب الله جل وعلا شيء عظيم، ولهذا كان العلماء يستنبطون المسائل وكذلك الأحكام من آيات الله جل وعلا. وأيضًا من التدبر أن الإنسان يتفكر في هذه الآيات، كما ذكر شيخنا: يتفكر في هذه الآيات في مبادئها وعواقبها ولوازم ذلك؛ أي إذا جاء إلى آية فيها وعيد، يعلم أن هذا الوعيد ليس لغيره بل له أيضًا، كذلك هو داخل في هذا الوعيد إن فعل ما يقتضي هذا الوعيد، ويتفكر أيضًا أن من فعل هذا الفعل فإنه سيعاقب يوم القيامة، وغير هذا من التدبر. فقد وضح المؤلف رحمه الله معنى هذا التدبر، قال: «فإن في تدبر كتاب الله مفتاحًا للعلوم والمعارف، وبه يستنتج كل خير، وتستخرج منه جميع العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب وترسخ شجرته؛ فإنه يعرف بالرب المعبود وما له من صفات الكمال» -أي كتاب الله جل وعلا-، وكما قال الإمام ابن القيم: «أن كتاب الله كله توحيد، كله توحيد، وهو إما إخبار عن توحيد الله جل وعلا وعبادته سبحانه وتعالى والأمر بها، وإما إخبار عن أهل التوحيد وهم أهل الجنة، وأن الله عز وجل يدخلهم بعباداتهم وطاعاتهم الجنة، أو أنه نهي عن ضده من الشرك، وكذلك بيان أهل الشرك يوم القيامة، وبقيته هي كمال التوحيد؛ إما بالأمر بالطاعات فالطاعات من كمال التوحيد، أو النهي عن ضدها من المعاصي، والمعاصي أيضًا بريد الشرك والكفر». ف كتاب الله جل وعلا كله توحيد، وأعظم ما فيه أنه يعرفك بالرب جل وعلا بصفاته وأسمائه سبحانه وتعالى. قال: «فإنه يعرف بالرب المعبود وما له من صفات الكمال، وما ينزه عنه من سمات النقص، ويعرف الطريق الموصل إليه وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه من رضوانه سبحانه وتعالى، ويعرف العدو الذي هو العدو على الحقيقة، والطريق الموصل إلى العذاب وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب». وكلما ازداد العبد تأملًا فيه ازداد علمًا وعملًا وبصيرة. أي: كلما زاد تأملًا وتدبرًا في هذا الكتاب العظيم، ازداد علمًا وعملًا وبصيرة. وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أمثل الناس في هذا الباب، فكان يبقى يتأمل في كتاب الله جل وعلا الساعات، وقد ألف كتابًا سماه: «الآيات التي لا تجد تفسيرها في شيء من كتب التفسير، أو تجدها في قليل منها، أو آيات فسرت على غير تفسيرها»، فذكر بعض الآيات التي فسرت على غير تفسيرها وعلى غير حقيقة التفسير، وهذا أخذه بالتأمل والتدبر في هذه الآيات. قال رحمه الله: «وكلما ازداد العبد تأملًا فيه -أي في كتاب الله- ازداد علمًا وعملًا وبصيرة». لذلك أمر الله بذلك وحث عليه، وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن، أن مقصود الله عز وجل التدبر والعمل بهذا التدبر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. فالتدبر القرآن يفتح القلوب، يفتح قلوب العباد، فلا تكون مغلقة ولا مقفلة. فالتدبر أمره مهم جدًا، فهو أصل الإنزال: أن يتدبر هذا الكتاب العظيم، وتدبره بمعرفة معانيه؛ لأن الإنسان كيف سيتدبر شيئًا وهو لا يعرف ما هذا الشيء وما معناه؟ فهذا يدعوك إلى أنك تنظر في كتب التفسير، خاصة طالب العلم. لكن بعض الآيات لا تحتاج إلى النظر في التفسير لوضوحها، مثلًا: وعد الجنة للمتقين، وكذلك وعد أهل التقوى وأهل الطاعة بجنات الله جل وعلا، والعكس كذلك من وعد أهل المعاصي والمخالفات والكفر والشرك، وعدهم بالعقاب أو وعيدهم بالعقاب، وغير هذه الأشياء؛ هذه تفهم من السياق أو تفهم من الكلام. وهناك أشياء تحتاج إلى فهم المعاني، فالتدبر أو فهم المعاني جزء من التدبر، يحتاج إلى فهم معاني كتاب الله جل وعلا، ولهذا اجتهد العلماء في ذلك، حتى تمنى شيخ الإسلام قبل موته أنه فرغ وقتًا كثيرًا لكتاب الله جل وعلا وتدبره، وأيضًا إخراج كنوز هذا الكتاب العظيم. ولهذا بعضهم يذكر في قول الله عز وجل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، هنا قال بعض العلماء: إنها الآيات الشرعية والآيات الكونية. ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾: أي هذه الآيات تظهر عليهم، سواء كانت الآيات الشرعية أو الآيات الكونية. وليس معنى هذا الكلام أن هناك معاني للقرآن لم يعلمها العلماء، كما يقوله أصحاب الإعجاز العلمي، ليس هذا المقصود، وإنما المقصود أنه ستظهر بعض هذه الآيات فيما بعد، سواء كانت آيات شرعية أو آيات كونية، كذلك الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في الإخبار بأشياء ستحصل في آخر الزمان أو غيره. وأما أن السلف لم يعرفوا معنى هذه الآية، فهذا ليس صحيحًا، مثل ما يقوله بعض أصحاب الإعجاز العلمي وغيره؛ يفسرون الأشياء، يفسرون القرآن بأشياء مشكوكة وظنية لم يتحققوا من صحتها، فيحملون كلام الله على هذه الأشياء، وهذا من التقول على الله عز وجل بغير علم. قال رحمه الله: «وحث عليه وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؛ لأن التدبر يدعوك إلى الخشية والتذكر، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾». ثم ذكر بعد ذلك فوائد التدبر، وإن شاء الله تعالى نذكرها في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرًا.