الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 55، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر المقطع آية خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، ويبين معانيها وصفات النبي في التعامل مع الناس. يذكر أن النبي كان متصفا بخلق العفو والصفح.
يشرح المقطع مفهوم التيسير في الإسلام، ويبين أنه التيسير الموافق للكتاب والسنة وليس تيسير الشهوات. يُوضح أن الأمر بالواجبات ليس تعسيرًا بل تيسير شرعي.
النص يحذر من الغضب وآثاره السلبية، ويشير إلى وصايا النبي للتعامل مع الغضب. يبين أن الغضب قد يؤدي إلى المعصية أو الكفر.
سؤال عطاء بن يسار لعبد الله بن عمر عن صفة النبي في التوراة وذكر الصفات. يبين دور عبد الله بن عمر في رواية أخبار أهل الكتاب.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن سلام بكتابه الأدب المفرد قال: حدثنا محمد بن سلام قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا هشام عن وهب بن كيسان قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول على المنبر: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ قال: والله ما أمر بها أن تؤخذ إلا من أخلاق الناس، والله لأخذنها منهم ما صحبتهم. الحديث مر أنه صحيح، وهو في البخاري، وفيه قول عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، وهو يقول على المنبر يقرأ هذه الآية: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ قوله جل وعلا: ﴿خذ العفو﴾ أي ينبغي للإنسان أن يعفو وأن يكون سهلا ميسرا يتحمل أخلاق الناس، فتكون عنده هذه الأخلاق يعفو على من أساء عليه ويصفح، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام كان عليه الصلاة والسلام متصفا بهذا الخلق العظيم، أنه يعفو على من أساء إليه، ربما يسب ويجتم ثم يعفو عليه الصلاة والسلام، بل يمسك العرابي يأخذ بردائه حتى يؤثر على حلقه، ومع ذلك يعفو عنه عليه الصلاة والسلام، وهكذا كثير ممن آذاه عليه الصلاة والسلام يقابلهم بالعفو. وهكذا ينبغي يكون المسلم على هذا الخلق العظيم، خذ العفو، كن عفوا لمن أساء إليك، وإن كنت مستطيعا أن تأخذ بحقك فأنت تترك ذلك من باب الإحسان، خذ العفو، وأمر بالعرف، أي كن آمرا بالمعروف، والمعروف كل ما أمر الله جل وعلا به أو رسوله عليه الصلاة والسلام، فكذلك كن ممن يأمر بالمعروف ولا تكن ممن يأمر بالمنكر والمعاصي، وأعرض عن الجاهلين، الجاهل أعرض عنه من كان سفيها إذا قابلك بإساءة أو بسوء معاملة أو نحو ذلك، فأعرض عنه ولا تبالي به، كما قال جل وعلا في وصف المؤمنين: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ لا ترد عليه، فالسفيه ربما إذا أعطاك كلاما يريد أن ترد عليه حتى يفرج عن نفسه ويفتح باب جدل ومراء، فتعرض عنه سواء كان مبتدعا أو كان عاصيا مذنبا. فمن عرف بالسفاهة والجهل فتركه وأعرض عنه، فإنك إن كلمته تفرج عنه، كما في الأبيات المنسوبة إلى الإمام الشافعي رحمه الله: إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت، فإن كلمته فرجت عنه وإن خليته كمدا يموت، فالسفيه إذا كلمته تفرج عنه يريد أن يكلمه حتى يخرج ما في نفسه ويرتاح، وإذا لم تكلمه يموت غيظا وحقدا، فأنت تعرض عنه ولا تبالي به. قال: والله ما أمر بها أن تؤخذ إلا من أخلاق الناس، والله لأخذنها منهم ما صحبتهم، يعني أن هذه الصفات تؤخذ من معاملة الناس، تؤخذ من معاملة الناس، فكيف تكون عفوا في معاملتك للناس، فتعفو لمن أساء إليك وأخطأ في حقك، فتكون عفوا، وهكذا أيضا تكون آمرا للناس بالمعروف، وهكذا كذلك تكون معرضا عن الجاهلين، فإذا جاهل عليك أحد فأساء الأدب معك أو عاملتك بسوء معاملة بسب أو شتم أو غير ذلك، فأعرض عنه، فاسكت ولا تكلمه، اذهب واتركه، هذا أسلم لك، وتكون إن شاء الله عاملا بهذه الآية: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾. عمر رضي الله تعالى عنه كما في صحيح البخاري حين دخل عليه عيينة بن حصن، وساءل عمر رضي الله تعالى عنه حين قال: إنك لا تقضي بالعدل ولا تعطي الجزل، أو كما قال، وصف عمر بأنه ظالم لا يعدل، فهم به عمر هم أن يضربه، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله عز وجل قال لنبيه: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ قال: فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافا عند حدود الله عز وجل، تلا عليه هذه الآية فعفا عنه ولم يتجاوزها عملا بهذه الآية وبما عمل به النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم. قال: حدثنا محمد بن سلام قال: أخبرنا محمد بن فضيل بن غزوان عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علموا ويسروا ولا تعسروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت»، هذا الحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله بشواهده، وفيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتعليم العلم، «علموا» أي علموا الناس، قال: «علموا ويسروا ولا تعسروا» أي كونوا متصفين باليسر والمراض، باليسر هو اليسر الموافق للشرع ما دل عليه الكتاب والسنة، لا يسر بالأهواء والشهوات. يقول بعض الجهلة والمبتدعة يسرون اللوم بمثل هذه الأحاديث، فيقولون: أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتيسير «يسروا ولا تعسروا»، فلا تشدد على الناس ولا تعسر على الناس، هذا أراد أن ينظر إلى الأفلام والمسلسلات فلا بأس، يسر على الناس، هذا يريد اقتناء الدشوش فيسر على الناس، هذا يريد سماع الأغاني فلا بأس، وهكذا يفهمون هذا التيسير بأهوائهم وبمتابعة الناس، ويكون دينهم ما يريده الناس، هذا ضلال وباطل. لكن المراد بالتيسير التيسير الشرعي الذي أمر به أو دل عليه الشرع، تخبر الناس وتعلمهم أن عليهم أن يأتوا بالواجبات التي أمر الله سبحانه وتعالى بها ورسوله، فإن عجزوا فيأتي منها ما استطاع، كما قال جل وعلا: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، ﴿لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾، فالصلاة مثلا يجب على الإنسان أن يصلي قائما ما استطاع أن يصلي قائما صلى جالسا، ما استطاع أن يصلي جالسا صلى على جنبه، هذا من التيسير. كذلك في الطهارة ما استطاع أن يتوضأ لمرض فإنه ينتقل إلى التيمم، أو كذلك ما وجد الماء فإنه ينتقل إلى التيمم، هذا من التيسير، وهكذا مثلا ما استطاع أن يغتسل لشدة البرد أو لمرض يخشى زيادته بالاغتسال فإنه يتيمم، إذا ما استطاع أن يسخن الماء ويستعمله ساخنا هذا من التيسير، وهكذا في أمور التيسير التي دل عليها الشرع «يسروا ولا تعسروا» أي لا تعسر على الناس فيما دل الشرع على التخفيف فيه، فيما دل الشرع على التخفيف فيه. وليس من التعسير أن تأمرهم بما أمر الله سبحانه وتعالى ورسوله، ليس هذا من التعسير أبدا المذموم، بل هو مما أمر به الشرع، تأمرهم بما أمر الله عز وجل ورسوله وتنهاهم عما حرم الله سبحانه وتعالى ورسوله، فأنت متبع للشرع في التيسير، وكذلك أيضا فيما جاءت فيه الأوامر وكان فعله عزيمة فليس هذا من التعسير عليهم، تأمرهم بترك المحرمات التي حرم الله، هذا من الواجب، وكذلك تأمرهم بالواجبات التي أمر بها الشرع، فهذا يعتبر من التيسير وليس هو من التشديد، ويسمى تشديدا، فهو تشديد محمود، تشديد محمود أنك تتمسك بما أمر الله سبحانه وتعالى وبما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام. وأما التشديد المحرم والمذموم هو أنك تجعل الشيء المستحب واجبا أو تجعل الشيء المكروه حراما، هذا هو التشديد الذي لا يجوز، أما إذا تمسك الإنسان بالكتاب والسنة وفعل ما أمر الله ورسوله به وترك ما نهى الله ورسوله عنه، فيقال: هذا متشدد، هذا باطل وليس بصحيح. قال: «وإذا غضب أحدكم فليسكت»، وهذا إرشاد من النبي عليه الصلاة والسلام أن الإنسان إذا غضب فعليه بالسكوت، فعليه بالسكوت، والإنسان ربما تصيبه أحوال وأشياء تسبب له الغضب، ولهذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام الذي سأله كما في الصحيح عن أبي هريرة قال: أوصني، قال: «لا تغضب»، فردد عليه مرارا، قال: «لا تغضب»، أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بعدم الغضب لأن الغضب سبب لوقوع الإنسان في المعصية، ربما يقع في المعصية بسبب الغضب، بل ربما يقع في الكفر إذا غضب، ربما يتلفظ بكلمات توقعه في الكفر كما يفعل بعض من ضعف عنده الوازع الإيماني إذا غضب، ربما يسب يسب الدين أو يسب الرب، وهذا كفر بسبب الغضب. وهكذا ربما يغضب فيطلق إمرأته بسبب الغضب، فيكون غضبه سببا في التفريق بينه وبين أهله، أو كما قلنا يضرب ويعتدي، فيترتب على الغضب مفاسد كثيرة، فلهذا أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بأنه إذا غضب أحدكم فليسكت، إذا غضبت فامسك لسانك واسكت ولا تتكلم، بل إن استطعت أن تجلس فهو الأفضل، إذا أصابك الغضب فإن كنت قائما فاجلس، وإن كنت جالسا فاضطجع. وأيضا تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم كما في حديث سليمان بن صرد في الصحيح حين تساب رجلان عند النبي عليه الصلاة والسلام حتى انتفخت أوداجهما، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذهب عنه ما يجد»، فإذا غضبت فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم تتحول عن المكان الذي أنت فيه حتى يسكن الغضب، فتحاول قدر استطاعتك أنك تسكت، متى ما غضبت فاسكت، هذا الذي أوصى به النبي عليه الصلاة والسلام «وإذا غضب أحدكم فليسكت»، فالسكوت سلامة، السكوت سلامة من الوقوع في الشر. قال: باب الانبساط إلى الناس، قال: حدثنا محمد بن سنان قال: حدثنا فليح بن سليمان قال: حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمر بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح بها أعينا عميا وآذانا صماء وقلوبا غلفا﴾. هذا الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام البخاري رحمه الله، وفيه أن عطاء بن يسار رحمه الله سأل عبد الله بن عمر بن العاص عن صفة النبي عليه الصلاة والسلام في التوراة، فذكر هذه الصفات، وعبد الله بن عمر كان ممن روى كثيرا من أخبار أهل الكتاب، ونتكلم إن شاء الله على هذا الحديث في درس آخر، والله تعالى أعلم.