الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأول مفهوم المناولة في الإجازات وأنواعها، ويبين أهميتها في الرواية. المناولة مع الإجازة تعتبر من أفضل الإجازات.
يناقش المقطع الثاني شروط الرواية عن الشيخ وطرقها مثل المناولة والإجازة، ويوضح آراء العلماء في ذلك. كما يشرح كيفية التعامل مع عبارات الرواية.
يناقش المقطع الثالث أقسام إجازة الرواية مثل المكاتبة والإعلام والوصية، ويشرح آراء الفقهاء والمحدثين في جواز الرواية بها. يبين تفاصيل كل قسم وآراء العلماء فيه.
يشرح المقطع الرابع الإجازة العامة وتعريفها، ويبين أنها تشمل الأجيال القادمة دون شرط الولادة، مع ذكر أمثلة على ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة السلام على رسول الله، ما بعد. قال المؤلف -رحمه الله تعالى- القسم الرابع: المناولة. قال: فإن كان معه إجازة، مثل أن يناول الشيخ الطالب كتابًا من سماعه، ويقول له: أرو هذا عني، أو يملكه إياه، أو يعيره لينسخه ثم يعيده إليه، أو يأتيه الطالب بكتاب من سماعه فيتأمله، ثم يقول: أرو هذا عني، ويسمى هذا عرض المناولة. وهذا يعتبر من أفضل الإجازات، وأفضل المناولة أن يكون مناولة مع إجازة، يقول له: خذ هذا كتابي، أرو هذا عني، مناولة مع إجازة. وقد تكون مناولة من غير إجازة، يقول له: خذ هذا الكتاب، أو يرسل إليه مثلًا كتابًا فيه سماعه، لكن ما يدري هل أراد أنه يقرأ هذا الكتاب أم أراده أن يرويه، لم يتكلم، فهذا مناولة من غير إجازة. وأفضل الإجازات -كما قلنا- أن تكون مع مناولة. قال: وقد قال الحاكم: إن هذا إسماع عند كثير من المتقدمين، وحكوه عن مالك نفسه، وعن الزهري وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري من أهل المدينة، ومجاهد وأبي الزبير وسفيان بن عيينة من المكيين، وعلقمة وإبراهيم والشعبي من أهل الكوفة، وقتادة بالبصرة، وأبي المتوكل الناجي من البصرة، وابن وهب وابن القاسم وأشهب من أهل مصر، وغيرهم من أهل الشام والعراق، ونقله عن جماعة من مشايخه. قال ابن الصلاح: قد خلط في كلامه عرض المناولة بعرض القراءة، والظاهر أن هذا أنه اختلط عليه عرض المناولة وعرض القراءة، فهؤلاء الذين ذكرهم يقولون بعرض القراءة، أو أكثرهم، لكن بعضهم يقول أيضًا بعرض المناولة. قال: ثم قال الحاكم: والذي عليه جمهور الفقهاء الإسلام الذين أفتوا في الحرام والحلال أنهم لم يروه سماعًا، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق والثوري والأوزاعي وابن المبارك ويحيى بن يحيى والبويطي والمزني، وعلى عهدنا أئمتنا، وإليه ذهبوا، وإليه نذهب، والله أعلم. والأمر سهل، المهم أنه يصح الرواية بها، يصح الرواية بالمناولة مع الإجازة، وسواء كان قلنا سماعًا أو عرضًا أو غيره، المهم أنها مقبولة. قال: وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُمَلِّكْهُ الشَّيْخُ الْكِتَابَ وَلَمْ يَعِرْهُ إِيَّاهُ فَإِنَّهُمْ حَطُّوا عَمَّا قَبْلَهُ حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هَذَا مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، ويبقى مجرد إجازة. أنا وجد كتاب الشيخ، لم يعطِه الشيخ الكتاب، ولم يقول له: ارويه عني، لكن معه إجازة عامة، فهذا يدخل في الإجازات العامة فقط. قال: قلت: أما إذا كان الكتاب مشهورًا كالبخاري ومسلم أو شيء من الكتب المشهورة، فهو كما لو ملكه أو عاره إياه، والله أعلم. أنا سنيد إذا وجد البخاري مثلًا بإسناد شيخ معين، ولو لم يقول له: ارويه عني، فمجرد مثلًا الإجازة للناس يدخل فيه كل أحد، أو كل من أجازه. قالوا: لو تجردت المناولة عن إذن في الرواية، فالمشهور أنه لا تجوز الرواية بها. أنا ناوله ولم يقول له: اروي عني، أنا ليس فيها إذن في الرواية، وإنما ناوله، ممكن أنه ناوله لأجل أن يقرأه أو أن ينظر في شيء ما فيه، فلا يلزم إعطاه إياه أنه يريد أن يرويه عنه. قالوا: حكى الحق طيب عن بعضهم جوازها. قال: جوازها. قال ابن الصلاح: من الناس من جوز الرواية بمجرد إعلام الشيخ للطالب أن هذا سماعه، والله أعلم. أنا إذا كان لم يسمع، لم يعلمه، أنا قد يكون سماع غيره، لكن لو قال: هذا سماعي، ولو لم يقول: ارويه عني، فقوله هذا إشارة فيه في الرواية عنه. وبعضهم قال: لا، لابد أن يقول: اروه عني، وإلا لا يرويه عنه. قال: ويقول للرواي بالإجازة: أنبأنا، فإن قال: إجازة، فهو أحسن. ويجوز: أنبأنا، وحدثنا، عند جماعة من المتقدمين، فعن الصحيح أنه يجوز، لكن الأفضل أنه يأتي بالحقيقة كما قال الإمام أحمد، فيقول: أنبأنا إجازة، لا يقول: أنبأنا ويسكت، يقول: أنبأنا إجازة. قال: وقد تقدم النقل عن جماعة أنهم جعلوا عرض المناولة المقرونة بالإجازة بمنزلة السماع، فهؤلاء يقولون: حدثنا، وأخبرنا، بلا إشكال. والذي عليه جمهور المحدثين قديمًا وحديثًا أنه لا يجوز إطلاق حدثنا ولا أخبرنا بلا تقييد. كان الزعفراني يخصص الإجازة بقوله: أخبرنا بالتشديد. وهناك أيضًا مناولة كان أهل مصر يفعلونها، أنكرها الإمام أحمد وابن معين وجماعة، لكن إن كان المناول هذا ثقة، فلا شك في جوازها، وهي مناولة في صورة المناولة، لكنها هي إجازة فقط. وكيفيتها أن يأتي الشيخ أو أن يأتي التلميذ ويقول للشيخ: يا شيخ، هذا كتاب فيه سماعك، أو هذا كتابك، هل تريد أن نرويه عنك؟ فيقول: نعم، ولم يره ولم يتصفحه، لكن اعتمادًا على كلام هذا المحدث. فمرة كان أحمد بن حنبل جالسًا عند سفيان بن عيينة، فجاءه ابن وهب وقال: يا أبا محمد، هذا كتاب لك، هذا جزء لك في سماعك، فهل تريد أن نرويه عنك؟ قال: نعم. فذهب ابن وهب، فتعجب أحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة، ولم يستطيعوا أن يقولوا لابن عيينة شيئًا، لكن أنكروا ذلك. الإمام أحمد أنكر، وكذلك يحب ابن معين أنكر هذا الفعل، وعنوا كيف يقول له: ارويها عني، وهو لم يره؟ لكن مثل هؤلاء -مثلًا- التقات الحفاظ الكبار كابن وهب وغيره، فهؤلاء مصدقون، هؤلاء مصدقون في قولهم؛ لأنهم أعرف الناس بمثل هذه الأمور. فإذا كان الرجل مشهورًا بالعلم وكذا، فهذا يصدق. قال: القسم الخامس: المكاتبة. قال: بأن يكتب إليه بشيء من حديثه، فإن أذن له في روايته عنه، فهو كالمناولة المقرونة بالإجازة. وإن لم تكن معها إجازة، فقد جوز الرواية بها أيوب ومنصور والليث وغيره، واحد من الفقهاء الشافعية والصوليين، وهو المشهور، وجعل ذلك أقوى من الإجازة المجردة. وقطع المروذي بمنع ذلك، والله أعلم. معنى: يكتب إلى فلان، قال: بأن يكتب إليه كتابًا، فإن قال له: إرويه عني، فهذا كتابة مع معنى إجازة، كتابة مع إجازة. وهذا جوزه جماعة منها الحنفية والحنابلة، والمشهور عند كثير منهم أنه جعلوه من الإجازة المجردة، بعضهم جعله أقوى. والأمر سهل إن شاء الله، لكن أكثر العلماء على جوازها والعمل بها. قال: وجوزه الليث، وهذا هل يفيدنا الآن؟ نعم يفيدنا. معنى لو أخذ الشيخ أو التلميذ الرواية بمثل هذه الإجازة، فالذي يقول بالمنع فإنه يمنع من تصحيح الإسناد، فيقول: أخذها إجازة. قال: وجوز الليث ومنصور في المكاتبة أن يقول: أخبرنا، وحدثنا، مطلقًا. والأحسن والأليق تقييده بالمكاتبة، وهذا أوفق. لا يقول: حدثنا، ولا أخبرنا، يقول مثلًا: أخبرني كتابة، أو أرسل إلي فلان، مثل ما يحصل من الإمام أحمد. قال: الإعلام. قال: إعلام الشيخ أن هذا الكتاب سماعه من فلان، من غير إجازة له في روايته عنه، يقول له: هذا الكتاب سماعي من فلان، ما يقول له: أرويه عني، وإنما أخبره بأنه سماعه من فلان. قال: فقد سوغ الرواية بمجرد ذلك طواف المحدثين والفقهاء، منهم ابن جُريج، وقطع به ابن الصباغ، واختاره غير واحد من المتأخرين، حتى قال بعض الظاهرية: وعلمه بذلك فنهاه عن رواية عنه، فله روايته، كما لو نهاه عن رواية ما سمعه منه. فالإعلام: أن يعلم الشيخ التلميذ أن هذا الكتاب من مسموعاته فقط. فإن كان قد أعطاه إجازة في مروياته، فهذه إعلام مع إجازة. قال: القسم السابع: الوصية. لأن يوصي بكتاب له كان يرويه شخص، فإن ترخص بعض السلف في رواية الموصى له بذلك الكتاب عن الموصي، أو الموصى له بذلك الكتاب عن الموصي، أشبه ذلك بمناولة، وبالإعلام بالرواية، قاله ابن الصلاح. وهذا بعيد، وهو إما زلة عالم متأول، إلا أن يكون أراد بذلك روايته بالوجادة، وهذا ليس صحيح. معنى أنه يترخص: يوصي بكتاب له كان يرويه شخص، أو لشخص، معنى: يرويه مثلًا يحيى بن القطان يرويه لشعبة، مثلًا، فقد ترخص السلف في رواية الموصى له بذلك الكتاب عن الموصي. فالوصية غالبًا تكون بعد الموت، وإذا كان قبل الموت يسمى عطية. فإذا أوصل لشخص أنه أوصل له أنه يروي مروياته، وكذا في حالة جائز. ومن هذا دخول للإجازة العامة، معنى أن يجيز من يأتي بعد ولم يولد، كما قال أبو بكر بن أبي داود: أجلتك أن تروي عني كل ما سمعته مني، لك ولحبل الحبلة، أنا وأنت وأولاد أولادك.