الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 44، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش هذا الفصل الشروط الأساسية لرواية الحديث وطرقها، مع التركيز على آراء العلماء في الرواية من الحفظ أو الكتابة. يشمل ذلك آراء ابن صلاح والخطيب البغدادي حول قبول الرواية من النسخ غير المقابلة أو من الأمي أو الضرير.
يتناول هذا الفصل ضوابط رواية الحديث، مثل حالة نسيان السماع واختلاف الحافظ مع كتابه أو غيره من الحفاظ، ومسألة الرواية بالمعنى. يبين آراء الجمهور والمحدثين الفقهاء والأصوليين حول هذه المسائل.
يركز هذا الفصل على أهمية معرفة العربية لطالب الحديث وتصحيح الأخطاء اللحنية في الرواية. يناقش آراء العلماء حول تغيير اللحن في الرواية ومسألة اختصار الحديث وحذف بعضه.
يُناقش هذا الفصل مسألة رواية الحديث باللحن عن الشيخ، ويُبين المعضلة بين اتباع اللحن أو رواية الحديث بشكل صحيح، مع استعراض آراء العلماء في هذه المسألة.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، ما بعد. قال النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث. قال ابن صلاح: شدد قوم في الرواية، فاشترط بعضهم أن تكون الرواية من حفظ الراوي أو تذكره، وحكاه عن مالك وأبي حنيفة وأبي بكر الصيدلاني المروزي الشافعي. هذا تقدم معنا في مسألة السماع والقراءة. وأما مسألة أنه لا بد أن يكون الرواية من حفظه أو ما يتذكره، ليس بصحيح. فقد كان هناك من لا يحدث إلا من كتاب، وهو حافظ كبير، كالإمام محمد رحمه الله. وحدث إسحاق، وهو حافظ كبير جدا من حفاظ الحديث، حدث من كتاب، قال: اقتداء بأبي عبد الله. أنا أحمد بن حمد، إسحاق يقول: معنا فعلت هذا اقتداء بأبي عبد الله أحمد بن حمد، يحدث من كتابه معنا. وحافظ كبير يستطيع أن يحدث ويسرد آلاف الأحاديث، لكنه ما كان يحدث إلا من كتابه. قال: واكتفى آخرون، وهم الجمهور، بثبت سماع الراوي لذلك الذي يسمع عليه أو يسمع عليه، وإن كان بخط غيره، وإن غابت عنه النسخة، إذا كان الغالب على الظن سلامتها من التبديل والتغيير. قال: وتساهل آخرون في الرواية من نسخ لم تقابل، بمجرد قول الطالب: هذا من روايتك، من غير تثبت ولا نظر في النسخة، ولا تفقد طبقة سماعه. هذا حصل، وقلنا أن ذكره الإمام أحمد وابن معين عن المصريين. ذكرنا القصة التي حصلت، فابن وهب جاء إلى ابن عيينة، وقال: يا أبا محمد، هذا من حديثك أرويه عنك، قال: نعم، ولم يراه. لكن كما قلنا: إذا كان الشيخ واثقا في تلميذه، وأنه ما سيقول هذا إلا عن صدق، لتجربته خاصة، مثل هؤلاء لأم العلام وابن وهب وغيره، فمثل هذا لا شك أنه يقبل. لكن الطريقة خطأ، الطريقة خطأ، لا بد أن يرى إيش هذا الجزء الذي سيرويه عنه. قال: وقد عدهم الحاكم في طبقات المجروحين. قال: فرع. قال: الخطيب البغدادي: والسماع على الضرير أو البصير الأمي، إذا كان مثبتا بخط غيره، أو قولي فيه خلاف بين الناس. ومن العلماء من منع الرواية عنهم، ومنهم من أجازها. أنا يسمع على ضرير، أن القراءة يقرأ عليه، أو البصير الأمي، إذا كان مثبتا بخط غيره. والصحيح أنه إذا تأكد أنه حديثه، لا بأس، خاصة إذا كان حافظا. قال: فرع آخر: إذا روى كتابا كالبخاري مثلا عن شيخ، ثم وجد نسخة به ليست مقابلة على أصل شيخ، أو لم يجد أصل سماعي فيها عليه، لكنه تسكن نفسه إلى صحتها، فحكى الخطيب عن عامة أهل الحديث أنهم منعوا من الرواية بذلك. ومنهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ الفقيه. وحكى عن أيوب ومحمد بن بكر البرساني أنه ما رخصا في ذلك. هذا إذا كان أصل الكتاب معروف. إن شاء الله ما في شيء. وإن لم يجد نسخة التي فيها سماعه، مدام أنه قد ذاكر أنه سمع، وهذا الأمر خاصة في معنا بعد زمن الرواية، لا شك أنه يجوز. وكذلك لا يمنع الرواية منه، لأن النسخ معروفة، وليس فقط من باب التثبت فقط. قال: قلت: وإلى هذا أجنح، والله أعلم. قال: وقد توسط الشيخ تقي الدين بن الصلاح، فقال: إن كانت له من شيخه إجازة، جازت روايته، والحالة هذه. قال: فرعا آخر: إذا اختلف الحافظ وكتابه، فإن كان اعتماده على حفظه أو في حفظه على كتابه، فليرجع إليه. وإن كان من غيره، فليرجع إلى حفظه. وحسن أن ينبه على ما في الكتاب مع ذلك، كما روي عن شعبة. وكذلك إذا خالفه غيره من الحفاظ، فلينبه على ذلك عند روايته، كما فعل سفيان الثوري. والله أعلم. معنى نبه شعبة على أنه أخطأ، وكان شعبة يقول: إذا خالفت سفيان، فالسفيان أحفظ مني. أنا من ناحية الحفظ، سفيان أحفظ من شعبة، لكن من ناحية معرفة الحديث، فشعبة أعرف بالحديث من سفيان. قال: فرع آخر: لو وجد طبق سماعه في كتاب، إما بخطه أو خط من يثق به، ولم يتذكر سماعه لذلك، فقد حكي عن أبي حنيفة وبعض الشافعي أنه لا يجوز له الإقدام على الرواية. والجادة من مذهب الشافعي، وبه يقول محمد الحسن، والبويطي، الجواز، اعتمادا على ما غلب على ظنه. وكما أنه لا يشترط أن يتذكر سماعه لكل حديث حديث أو ضبطه، كذلك لا يشترط تذكره لأصل سماعه. والأمر سهل إن شاء الله، مدام أنه وجد اسمه في طبقة السماع، وهو لا يتذكر، فقد يكون نسي. وإن كان متأكدا، فالأولى لا يرويه. إن كان متأكدا أنه لم يسمع، معنى قد يكون اشتبه في اسمه، فذكر اسمه، وليس المراد هو، وإنما آخر. قال: فرع آخر: وما رواية الحديث بالمعنى؟ فإن كان الراوي غير عالم، ولا عارف بما يحيل المعنى، فلا خلاف أنه لا تجوز له رواية الحديث بهذه الصفة. يعني إذا كان لا يعرف تغيير المعنى، فلا يروي بالمعنى. قال: ومن كان عالما بذلك، بصيرا بالألفاظ ومدلولاتها، وبالمترادف من الألفاظ نحو ذلك، فقد جوز ذلك جمهور الناس، سلفا وخلفا. وعليه العمل. معنى أكثر المحدثين على هذا، أنهم يروون بالمعنى. ولو ردت الرواية بالمعنى، لرد حديث كثير. قال: كما هو المشاهد في الأحاديث الصحيحة وغيرها، فإن الواقعة تكون واحدة، وتجيء بألفاظ متعددة من وجوه مختلفة متباينة. وهذا كله لرواة المعنى. وأيضا حتى من عرف أنه يعرف المعنى، وكذا إذا أخطأ، لا يقبل خطأ. أحيانا بعض المحدثين يختصر الحديث، يختصر الحديث فيخل بالمعنى. مثل ما جاء في حديث شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا صلاة إلا ... أو قال: لا وضوء إلا من صوت أو ريح». والحديث قد رواه أكثر من واحد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شك أحدكم في صلاته ...» الحديث. فالحديث ليس فيه أنه «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»، لأن قوله «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» حصر لنواقض الوضوء، وهذا ليس المقصود. قال: ولما كان هذا قد يوقع في تغيير بعض الحديث، منع من الرواية بالمعنى طائفة أخرى من المحدثين الفقهاء والأصوليين، وشددوا في ذلك آكد التشديد. وكان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع، ولكن لم يتفق ذلك، والله أعلم. وهذا كلام حق صحيح، أن الأفضل أن يكون هذا الواقع، لكن الذي وقع خلافه. فأكثر رواية يروون بالمعنى، قالوا: قد كان مسعود وأبو الدرداء وأناس رضي الله عنهم يقولون: إذا رأوا الحديث أو نحو هذا أو شبهه أو قريبا منه. قال: فرع آخر: وهل يجوز اختصار الحديث فيحذف بعضه إذا لم يكن المحدث متعلقا بالمذكور؟ على قولين. فالذي عليه صنيع أبي عبد الله البخاري، أن الإمام البخاري في صحيحه اختصار الحديث في كثير من الأماكن. وأما مسلم، فإنه يسوق الحديث بتمامه، ولا يقطعه. ولهذا رجحه كثير من الحفاظ المغاربة. قالوا: على هذا المذهب جمهور الناس قديما وحديثا. قال ابن الحاج في مختصره: مسألة حذف بعض الخبر جائز عند الأكثرين، إلا في الغاية والاستفناء ونحوه. أما إذا حذف الزيادة لكون يشك فيها، فهذا سائر. كان مالك يفعل ذلك كثيرا، ولكن يقطع أسانيد الحديث إذا شك في وصله. قال: فرع آخر: ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفا بالعربية. قال الأصمعي: أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل في قول من كذب عليه متعمدا، فلتبوأ مقعده من النار. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لئيم اللسان، فمهما رويت عنه ولحنت فيه، كذبت عليه. قال: وأما التصحيف، فدواؤه أن يتلقاه من أفواه المشايخ الضابطين. والله الموفق. التصحيف معنى تغيير الحديث، ليس لحن اللحن في العربية، والتصحيف في الكلمات أو في الشكل. قال: وأما إذا لحن الشيخ، فالصواب أن يرويه سامع على الصواب. وهو ما أحكي أن لو زاعم المبارك والجمهور. وحكي عن محمد بن سيرين وأبي معمر عبد الله بن سخبرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ ملحونا. معنى إذا كان يعرف أن هذا لحن، لكن يكون متأكدا أنه لحن، فهل يرويه ملحونا؟ معنى يرويه بلحنه، أم أنه يغير اللحن ويرويه على صحته على إعرابه؟ قال: بعضهم يرويه ملحونا. قال ابن سلعة: هذا غلو في مذهب اتباع اللفظ. وأن القاضي عياضا الذي استمر عليه عمله أكثر للشيخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليه، ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرف من القرآن استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة، من غير أن يجيء ذلك في الشواذ. قال: لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع، وفي الحواشي. ومنهم من جسر على تغيير الكتب إصلاحا، منهم أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوقشي، لكثرة مطالعته واتقانه. قال: وقد غلط في أشياء من ذلك. وكذلك غيره ممن سلك مسلكه. أن الأفضل هو أن يروي مثلا، لكن إذا كان متأكدا أن هناك لحنا، فالغالب ليس من النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان حديثا، وإنما من غيره. قالوا: الأولى سد باب التغيير والإصلاح، لألا يجسر على ذلك من لا يحسن. قال: وينبه على ذلك عند السماع. وعلى عبد الله بن محمد بن حنبل أن أباه كان يصلح اللحن الفحش، ويسكت عن الخفية اليسير. قلت: ومن الناس من إذا سمع الحديث ملحونا عن الشيخ، ترك روايته، لأنه إن اتبعه في ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن في كلامه، وإن رواه عنه على الصواب، فلم يسمعه منه. كذلك.