الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش مفهوم الإجازة كطريقة للتحمل في الحديث النبوي، ويستعرض آراء العلماء حول جواز الرواية بالإجازة. يوضح أهمية الإجازة في نقل العلم بين العلماء.
يتناول أربعة أنواع من الإجازة في الرواية، ويوضح آراء العلماء في كل نوع منها، مشيرًا إلى جواز بعضها وعدم جواز البعض الآخر. يبين أقسام الإجازة وشرح الإجازة مع المناولة.
يناقش شروط الإجازة في الرواية، حيث أجاز بعض العلماء الإجازة للصغير وغير الموجود، بينما اشترط آخرون وجود المُجاز له وقدرته على السماع. يُعدّ هذا النقاش جزءًا من التفاصيل الدقيقة في علم الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه، وبعد. قال المؤلف رحمه الله: القسم الثالث لإجازة، أي من صيغ التحمل. قال: والرواية بها جائزة عند الجمهور، والداعي القاضي أبو الوليد البازي لإجماع على ذلك، ونقضه ابن صلاح بما رواه الربيع عن الشافعي أنه منع من الرواية بها، وبذلك قطع الماوردي، وعزاه إلى مذهب الشافعي. وكذلك قطع بالمنع القاضي حسين بن محمد المرورودي، صاحب التعليق. عن المرورودي من مروروذ، والمروزي من أو المروزي هو من مرورو. وإذا كان من المروروذي يقولون مروروذي، لكن هنا المروروذي مروروذي، هذا فيه شيء من الثقل، وهو الأصل، لكن يقال المروروذي من باب التخفيف. قال صاحب التعليق، وهو القاضي حسين -يعتبر قاضي الشافعية إذا أطلق القاضي عند الشافعية، فهو المراد به القاضي حسين صاحب التعليق-: لو جازت الرواية بالإجازة لبطلت الرحلة، وكذا روي عن شعبة، بالحجاج، وغيرهما من أئمة الحديث وحفاظه. وهذا من باب فقط أنه ليس من باب عدم الجواز، وإنما من باب أنه حتى لا يبتساهل في ذلك، فتنقطع الرحلة على الناس إذا أخذ بالإجازة، وصار الاعتماد عليها، بطلت الرحلة. لكن لا شك أن اللقاء والسماع والعرض ليس مثل إجازة، ولو قلنا بجوازها. قال: أبطله إبراهيم الحربي، وأبو الشيخ محمد بن عبد الله الأصبهاني، وأبو نصر الوائلي السجزي، وحكى ذلك عن جماعة ممن لقيهم. ثم هي أقسام: إجازة من معين لمعين في معين، بأن يقول: أجزتك أن تروي عني هذا الكتاب، أو هذه الكتب، وهي المناولة، فهذه جائزة عند الجماهير، حتى الظاهرية، لكن خالفوا في العمل بها؛ لأنه في معنى المرسل عنده، إذ لم يتصل السماع. فهذه أولى الإجازات، إجازة مع مناولة: أجزتك من معين لمعين في معين، أي في كتاب معين، ومن معين، أي الشيخ، لمعين، وهو التلميذ، في معين، وهو الكتاب الذي يجيزه، مثلا صحيح البخاري، أجزتك صحيح البخاري أن ترويه عني، هذا إجازة مع مناولة، إجازة فيها المناولة. وحيانا يكون يناوله الجزء، يقول له: هذا أرويه عني، هذه إجازة من معين لمعين في معين. قال: ثاني إجازة لمعين في غير معين، مثلا يقول: أجزت لك أن تروي عني ما أرويه، أو ما صح عندك من مسموعاتي ومصنفاتي، وهذا ما يجوزه الجمهور أيضا رواية وعملا. وأكثر هذه الأشياء يمنع منها الشافعي؛ لأن الشافعي يمنع الإجازة من أصلها. قال: الثالث الإجازة لغير معين، مثلا يقول: أجزت للمسلمين، أو للموجودين، أو لمن قال: لا إله إلا الله، وتسمى الإجازة العامة. فهذه قد غلا فيها المتأخرون كثيرا، معنى استعملوها كثيرا المتأخرين، حتى من الشافعية. وهذه الإجازة لأصل أنها لا تصلح، لكن استعملها الناس لأجل أنها أفضل من عدم السماع، أنها أفضل من عدم السماع. استعملوا الإجازة، فيقول مثلا: أجزت للمسلمين أن يرووا عني، أجزت لكل أحد يريد الرواية عني، أجزت له. قال: وقد اعتبر طائفة من الحفاظ العظام من جوزها الخطيب البغدادي، ونقلها عن شيخه القاضي أبي الطيب الطبري، وهو لا شافعية، الخطيب البغدادي كان حنبليا ثم تحول إلى مذهب الشافعي، ونقلها أبو بكر الحازمي عن شيخه أبي العلا الهمداني الحافظ، وغيره من حفاظ المغاربة. قال: الرابع للإجازة المجهول بالمجهول، ففاسدة، وليس منها ما يقع من الاستدعاء لجماعة مسمين، لا يعرف المجيز، أو لا يتصفح أنسابهم، ولا عدتهم، فإن هذا سائغ شائع، كما لا يستحضر المسمع أنساب من يحضر مجلسه، ولا عدتهم. والله أعلم. وهذه الآن موجودة، الآن هذه الإجازة المجهولة موجودة بكثير، صحيح تكون في معين، لكنها لمجهول، تجد أن هذا الذي يجيزه لا يعرفه، معنى إجازة لمجهول بالمجهول، معنى إذا كان أيضا الكتاب مجهول، فهو أيضا أشد، وإذا كان معلوما فهي أخف، لكنها إجازة ليست صحيحة. قال: ولو قال: أجزت رواية هذا الكتاب لمن أحب روايته عني، أو لمن أحب روايته عني، فقد كتبه بالفتح محمد الحسين العزدي، وسوغه غيره، وقواه ابن الصلاح. العزدي هذا صاحب كتاب الكنى، قال: وهو فيه تشيع، وأيضا هو من أهل الجرح والتعديل، لكن كلامه أكثره فيه جرح لأهل السنة، فلهذا لم يعتمد كلامه كثيرا. قالوا: كذلك لو قال: أجزتك ولولدك ونسلك وعقبك رواية هذا الكتاب، أو ما يجوز لي روايته، فقد جوزها جماعة، منهم إبراهيم بن أبي داود. قال: يا رجل أجزت لك ولأولادك ولحبل الحبلة لمن يولد لك من أولاد. أما لو قال: أجزت لمن يوجد من بني فلان، فقد حكى الخطيب جوازه عن ابن الفراء الحنبلي، وأبي الفضل ابن عساكر المالكي، وحكاه ابن الصباغ عن طائفة. قال: ثم ضعف ذلك ابن الصباغ، وقال: هذا يبنى على أن الإجازة إذن أو مخاطبة. وكذلك ضعف ابن الصلاح، وأورد الإجازة للطفل الصغير الذي لا يخاطب مثله. وذكر الخطيب أنه قال لقاضي أبي الطيب: إن بعض أصحابنا قال: لا تصح الإجازة إلا لمن يصح سماعه، فقال: قد يجيز الغائب عنه، ولا يصح سماعه منه. يعني أبو الطيب الطبري، وهو القاضي الباقلاني أبو باقلاني. فذكر الخطيب عنه أنه قيل له: إن بعض أصحابنا الشافعي لا تصح الإجازة إلا لمن يصح سماعه، قال: قد يجيز الغائب عنه، ولا يصح سماعه منه. على هذا مثلها. قال: ثم رجح الخطيب صحة الإجازة للصغير، قال: وهو الذي رأينا كافة شيوخنا يفعلونه، يجيزون للأطفال من غير أن يسألوا عن أعمارهم، ولم نرهم أجازوا لمن لم يكن موجودا في الحال. والله أعلم. قال: ولو قال: أجزت لك أن تروي ما صح عندك مما سمعته، وما سأسمعه، فالأول جيد، والثاني فاسد؛ لأنه جعلها على شيء غيب. قال: وقد حاول ابن صلاح تخرجه على أن الإجازة إذن كالوكالة، وفيما لو قال: وكلتك في بيع ما سأملك خلاف. قال: وأما الإجازة بما يرويه إجازة على الإجازة، فالذي عليه الجمهور الرواية بالإجازة على الإجازة، وإن تعددت، أن هذا يروي بالإجازة، وهذا يروي بالإجازة، وهكذا. لكنها ليس مثل السماع، ولا مثل العرض. قال: ابن نص على ذلك الدارقطني، وشيخ ابن عباس بن عقدة، والحافظ ابن عيينة الأصبهاني، والخطيب، غير واحد من العلماء. قال ابن الصلاح: ومنع من ذلك بعض من لا يعتد بهم متأخرين، والصحيح الذي عليه العمل جواز. والشبه ذلك بتوكيل الوكيل. وهذه الإجازة معروفة عند العلماء، أنا أخذهم بالإجازة عن الإجازة، هذا مجيز من فلان وفلان، مجيز من فلان وفلان، مجيز هكذا. فهذا أكثر الكتب على هذا الآن، أكثر الكتب مأخوذة بالإجازة، يعني ليس بأسانيد سماع أو لقاء، وإنما إجازات كلها.