الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 51، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن وعد الطواف بالبيت، فأجابه بأن الوعد سيتحقق لكن ليس في العام الحالي، ونزلت آية الفتح تأكيداً لذلك. ويستنبط شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب درسين: أن الله قد يبتلي العالم الكبير بما لا يفهمه، وأن السؤال للاستيضاح لا يعد تكذيباً بالوعد.
يوضح المقطع استفسار عمر بن الخطاب عن وعد النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة، وبيان النبي وأبي بكر رضي الله عنه أن الوعد كان مطلقاً غير مقيد بوقت محدد. ويستفاد من ذلك قاعدة فقهية بأن الوعد المطلق لا يجوز تقييده من الموعود إلا بقرينة تدل على التقييد.
يبين المقطع أن الوعد إذا لم يحدد بوقت يُفهم بحسب العرف والقرائن لا أنه مطلق بلا نهاية، مستشهداً بوفاء النبي صلى الله عليه وسلم بوعد الطواف بعد سنتين ووعد الأنصار بمال البحرين. فالوفاء بالوعد مرهون بما قيده الواعد أو دل عليه السياق والعرف.
يختتم المتحدث الفوائد المستنبطة من المواقف السابقة ويعلن عن استكمال الشرح في الدرس القادم، مكتفياً بما تم طرحه ومستعيناً بالله تعالى. ويشير إلى أن التكملة ستتناول المزيد من الفوائد المتعلقة بالموضوع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فلا نزال في الفوائد والمسائل التي استنبطها العلماء من صلح الحديبية، ووقفنا عند قول عمر للنبي عليه الصلاة والسلام: «أليس قد وعدتنا أننا نأتي هذا البيت ونتطوف به؟» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أقلت لك العام تأتي؟ وإنك لآتٍ إلى البيت ومطوف به». على هذا وعد من الله عز وجل، ولهذا أنزل الله عز وجل بعد ذلك: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾. و«إن شاء الله» هنا من باب التحقيق؛ لأن الله عز وجل هو الذي يقوله سبحانه وتعالى، وعده حق وصدق. فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾. فعلم ما لم تعلم، فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا؛ ليس طوافًا فقط، وليس فقط أنكم تأتون مكة، بل فتح مكة تكون للمسلمين، وهذا أعظم. وهذا كله بصبر النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وقد أثنى الله عز وجل على الصحابة ثناءً عظيمًا في سورة الفتح، ولعلنا نتطرق لذلك في دروس لاحقة. وأيضًا كذلك استنبط شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من هذا المقطع، من قول عمر، استنبط أن الله عز وجل قد يبتلي العالم الكبير بما لا يفهمه، أو بما يحتار فيه قلبه وعقله. فعمر رضي الله عنه مع فقهه إلا أنه لم يفهم هذه المسألة حتى سأل النبي عليه الصلاة والسلام، وسأل أبا بكر زيادة. ولهذا لما رأى نفسه أنه أخطأ بهذه الأسئلة قال: «فعملت لذلك أعمالًا، فعملت لذلك أعمالًا». فلهذا قد يُبتلى الرجل بشيء من هذا الباب: لم يفهم المسألة، لم يتصور هذه المسألة، وقد يقع فيها. وأيضًا كذلك أمر آخر: أن السؤال عن الوعد لا يدل على التكذيب، السؤال عن الوعد لا يدل على التكذيب، أو لا يدل على أنك تكذب من وعدك. فعمر رضي الله عنه غير مكذب للنبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا جاء في رواية في صحيح مسلم أنه قال: «وأنا أشهد أنه رسول الله»، «وأنا أشهد أننا نتطوف» - أو هذه الرواية «نتطوف» ليست في صحيح مسلم - لكن قوله: «وأنا أشهد أنه رسول الله» لما قال له أبو بكر: «إنه لرسول الله»، فقال عمر: «وأنا أشهد أنه رسول الله». وجاءت في رواية خارج الصحيحين: «وأنا أشهد أني مطوف به». معنى: مؤمن بذلك، لكن النبي صلى الله عليه وسلم وعدنا، قال لنا: «أنكم ستأتون هذا البيت وتطوفون به»، ونحن الآن نصد عنه، وقد وقع النبي صلى الله عليه وسلم الاتفاق مع قريش أنه سيرجع إلى المدينة، فأين هذا الوعد؟ أنا من باب الاستفسار، وليس من باب التكذيب كما قلنا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أقلت لك العام؟ هل لما وعدتكم قلت لكم: هذا العام ستأتون إلى البيت وتطوفون؟» قال: لا. قال: «فإذن ستأتون البيت وأنتم تطوفون به». وهكذا قال أبو بكر رضي الله عنه لعمر: «أنك ستأتي البيت وتطوف به، مثل ما وعد نبي الله صلى الله عليه وسلم». وقال أبو بكر لعمر: «هل قال لك العام؟ هل قال لكم: معنى أنك ستأتي هذه السنة أو في هذا الشهر ستدخل البيت؟» لا، ما في وعد من النبي عليه الصلاة والسلام على التحديد، وإنما هذا وعد مطلق، وعد مطلق. وأيضًا في هذا الحديث: أن من وعد وعدًا مطلقًا لا ينبغي لأحد أن يقيده من عند نفسه، إلا إذا كانت هناك قرائن تدل على ذلك، على أنه أراد التقييد. فمثلًا لو قال له: «سآتيك إلى بيتك»، قال واحد: قال له: «ما لك، نريد نتفاهم في مسألة كذا، نريد نجلس»، قال: «خلاص، سآتيك إلى بيتك»، ولم يحدد له اليوم الذي سيأتي، ولم يحدد له الساعة. فإذا كان مثلًا جاء الغد، هل لهذا الذي وعد هل له أن يقول للذي وعد: «أنت تكذب»؟ لا، ما يجوز له؛ لأنه لم يعده على غد، إلا إذا كان هناك قرينة. مثلًا قال له: «قال له: إلى متى ستأتيني؟ لماذا لا تأتي غد؟» قال: «سآتي إليك». فهنا القرينة تدل على أنه سيأتي غدًا. لكن إذا كان ليس هناك قرينة تدل على تحديد الموعد، فيطلق على العرف، يطلق على العرف، ليس معناه أنه يطلق مطلقًا يقول: «سآتي» وهو لا يأتي، يمر عليه شهر وهو لا يأتي، فهذا وعد غير صحيح. لكن هذا بحسب العرف. النبي عليه الصلاة والسلام وعدهم أنهم سيتطوفون بالبيت، ولم يقل لهم: بعد سنة، أو بعد سنتين، أو بعد ثلاث. وهنا هذا المكان مفتوح، معنا الوقت هذا مفتوح، والوعد لمن؟ للصحابة، أي أنهم هم الذين سيأتون إلى البيت ويتطوفون. لكن ليس أنه العام، أو بعد عام، أو بعد سنتين، أو كذا. وحصل بعد سنتين: أولاً بعد السنة الأولى ذهب النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية وخرج، ثم في السنة الثامنة دخل النبي صلى الله عليه وسلم فاتحًا لمكة، وصارت مكة من دار الإسلام دار إسلام بعدما كانت دار شرك. فلهذا فالوعد كما قلنا. وهذا كثيرًا ما يحصل بين الناس: فلان مثلًا يقول له: «سآتي»، أو «غدًا سآتي لك»، أو يقول له: «سأعطيك مالًا»، وهذا الرجل تجده ينتظر: «متى سيعطيني هذا المال؟ هذا كذاب، هذا كذا». لا، إذا كان مثلًا وعد، قد يكون هذا المال الذي سيعطيك لم يأتِ بعد، لم يأتِه بعد، وإنما هذا وعد أنه متى ما جاء هذا المال سيعطيك منه. مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعد الصحابة، كما قال لبعض الأنصار: «إن جاءنا مال البحرين أعطيتكم». قال لهم نبي صلى الله عليه وسلم: «إن جاءنا مال البحرين أعطيتكم». فلما جاء مال البحرين جاء الأنصار ووافوا نبي صلى الله عليه وسلم بعد الفجر، فلما رآهم نبي صلى الله عليه وسلم ابتسم إليهم، قال: «أبشروا وأملوا بما يسركم، أبشروا وأملوا بما يسركم». فالمهم أن الإنسان إذا وعد وقيد، فلا بد أن يأخذ بما قيد، وإذا لم يقيد فيرجع ذلك إلى العرف، إلى عرف الناس، أو تدل القرائن على أن الوعد أيامًا أو أشهرًا أو كذا. هذا ما يذكر في هذه الفوائد، وإن شاء الله تعالى نكمل في الدرس اللاحق، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.