صلح الحديبية مسائل وأحكام 59

صلح الحديبية مسائل وأحكام 59

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 59، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحداث ما بعد صلح الحديبية: آية الممتحنة وأبو بصير

بعد نزول آية امتحان المؤمنات المهاجرات، طلق عمر بن الخطاب زوجتيه المشركتين التزاماً بالحكم الشرعي. ثم قدم أبو بصير مهاجراً إلى المدينة فرده النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشركين بموجب صلح الحديبية، فتمكن في الطريق من قتل أحد مرافقيه وفر هارباً عائداً إلى المدينة ليخبر النبي بما جرى.

فرار أبي بصير وتجمع المستضعفين بسيف البحر

عند وصول أبي بصير إلى النبي صلى الله عليه وسلم أشار النبي إلى قوته بقوله: "ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد"، ففهم أبو بصير أنه قد يُرد إليهم فلجأ إلى سيف البحر على ساحل جدة. ولحق به أبو جندل بن سهيل وغيره من المسلمين المستضعفين فتكونت منهم عصابة قوية اعترضت طريق قوافل قريش التجارية.

اعتراض عيرات قريش ونزول آيات الفتح

قام المسلمون في سيف البحر باعتراض قوافل قريش التجارية انتقاماً لأموالهم التي اغتصبها الكفار، مما أرغم قريشاً على طلب الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم والتنازل عن شروطهم السابقة. فأنزل الله سورة الفتح مبيناً كف الأيدي عن القتال في مكة، وفضح حمية الجاهلية التي منعت الكفار من الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكتابة «بسم الله الرحمن الرحيم» في الصلح.

ختم شرح الحديث واستكمال الفوائد لاحقاً

أعلن المتحدث انتهاء المقطع الأخير من شرح حديث صلح الحديبية وما تلاه من أحداث. وأشار إلى أن استخراج الفوائد والعبر المستفادة من هذا المقطع سيتم تفصيلها في الدروس القادمة، مختتماً بالتأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: أخذنا في الدرس الذي مضى أن نسوة من مؤمنات جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنزل الله عز وجل الآيات من سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾، حتى بلغ ﴿عِصَمَ الْكَوَافِرِ﴾. فطلق عمر يومئذ المرأتين كانت له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم. جاء أبو بصير فرًّا من قريش، كان يُعذب ففر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم العهد بينه وبين قريش، أو الصلح بينه وبين كفار قريش، أن من جاء منهم مسلمًا فإن النبي صلى الله عليه وسلم يرده. قال: فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرج به حتى بلغ ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم. أن هؤلاء الذين أرسلتهم قريش نزلوا يأكلون تمرًا في ذي الحليفة، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا. فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. قال: فأمكنه منه، فضربه حتى برد. معنى: أبو بصير ضرب أحد الرجلين حتى برد، معنى ذلك أنه حتى قتل. وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو. قال رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم: "يعدو" معنى: يجري. فقال النبي عليه الصلاة والسلام حين رآه: "لقد رأى هذا دَعْرًا". دَعْرًا: معنى خوفًا، معنى هذا في أحد خوفًا. فلما انتهى إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال: "قتل والله صاحبي، وإني لمقتول". هذا الرجل مشرك، يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: "قتل والله صاحبي، وإني لمقتول". فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله، قد وَفَى، قد والله أوفى الله ذمتك، أن أنت عملت بالصلح ورددتني إليهم، قال: قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم. فقال صلى الله عليه وعليه وسلم: "وَيْلَ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ". "وَيْلَ أُمِّهِ": هذه كلمات تقال في التوجع من الأمر الذي يتوجع منه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَيْلَ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"، معنى: رجل شجاع ورجل مجرب في الحروب. "لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ": يعني كان له أحد يعينه، سيدفع عن نفسه ويدفع أيضًا هؤلاء العداء. قال: فلما سمع ذلك أي أبو بصير، عرف أنه سيرده إليهم، أنه سيرده إليهم أي: إذا جاءوا في طلبه سيعطيهم إياه. فخرج أبو بصير حتى أتى سيف البحر. أنا أتى السيف، سيف البحر: معنى المكاء، الساحل، الآن الناس يقولون سيف، السيف هذا الساحل. فنزل في سيف البحر، معنى: نحو جدة، وأيضًا في طريق أهل الشام، معنى: في الطريق من يأتي من الشام إلى مكة، فكان في الطريق. قال: ويتفلت منهم أبو جندل بن سهيل، لما علموا أن أبا بصير قد جلس في ذلك المكان، انفلت منهم أبو جندل مرة أخرى حتى لحق بأبي بصير. فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، اجتمعوا مجموعة في ذلك المكان في سيف البحر مع أبي بصير وأبي جندل وجماعة ممن كانوا في مكة مستضعفين، وكانوا يؤدون، يؤدون. فخرجوا إلى أبي بصير، ومن أسلم لحق بأبي بصير، حتى تكونوا عصابة، جماعة من المسلمين في ذلك المكان. فوالله ما يسمعون بعيرًا خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم. أنا ما يسمعون بعير من قريش، عير: معناه جمال، رواحل يذهبون إلى الشام، يأتون بالطعام، بالذرة وبالبر وبغيرها من هذه الأشياء. فإذا سمعوا أن عيرًا خرجت لقريش اعترضوهم، وقتلوهم وأخذوا أموالهم، لأنهم كفار، وقد أخذ كفار قريش أموال المسلمين، فلهذا يأخذون أموالهم. حتى لأن تجارتهم، أو أن مكة كانت معتمدة على التجارة، فإذا خنقوهم بهذا الخنق فإنهم سيُلحقون بهم أذىً عظيمًا. فلهذا كلما رأوا عيرًا قتلوا أصحابها وأخذوا أموالهم، وأخذوا العير حتى لا يأكلوا أولًا منها، وكذلك أيضًا لأنهم أخذوا أموال المسلمين فيأخذوا أموالهم، وقد حلها الله عز وجل لهم. قال: فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي عليه الصلاة والسلام تناشده بالله والرحم. لما أرسل، أنا بعدما فعلوا بالمسلمين ما فعلوا، الآن يناشدون النبي عليه الصلاة والسلام أنه يرسل إليهم حتى يؤمنهم، خلاص خذهم، قالوا: ما سنقتل أحد منهم معنا. تنازلوا عن الشرط الذي اشترطوه، تنازلوا، قالوا: من جاءك خذه، ولا ترجعه إلينا. قال: فمن أتاه فهو آمن. فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إليهم، فجاءوا. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾، حتى بلغ قوله جل وعلا: ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. قال: وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، أي الكفار. لما قال: لو نعلم أنك نبي... أي سهيل بن عمرو قال للنبي عليه الصلاة والسلام: "لو نعلم أنك نبي ما قاتلناك، لكن اكتب محمد بن عبد الله". قال: وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. فهذا آخر مقطع من هذا الحديث، وإن شاء الله تعالى نأخذ الفوائد من هذا المقطع في الدروس التي ستأتي، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.