الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 58، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
هاجرت أم كلثوم بنت عقبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم هرباً من تعذيب إخوتها الكفار، فطلبوا ردها بموجب صلح الحديبية. أنزل الله آية تمتحن المؤمنات المهاجرات وأمر بعدم ردهن إلى الكافرين إذا ثبت إيمانهن، مع إعفاء النساء من بنود الصلح الخاصة بالرجال.
لا يجوز رد المرأة المؤمنة المهاجرة إلى الكفار حتى لو شككنا في نيتها، لأن الله أعلم بإيمانها. يُؤمر بدفع مهرها لزوجها الكافر، ويحرم الإمساك بالزوجات الكافرات بعد نزول هذا الحكم.
يُبين سبب نزول آية عدم الإمساك بعصم الكوافر ورد المهور، مستشهداً بطلاق عمر لزوجتيه الكافرتين وزواجهما من معاوية وصفوان. ثم ينتقل إلى آية مبايعة المؤمنات للنبي صلى الله عليه وسلم على عدم الشرك والمعاصي، مع تأكيد عائشة أن النبي لم يصافح النساء في البيعة.
يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن يوفقهم للخير، وأن يفقههم في دينهم، وأن يغفر لهم ويرحمهم. يختم الحديث بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى عندما جاء النساء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإلى المهاجرين، أو إلى أهل الحديبية من المسلمين. وجاءت روايات أن أول من جاء من النساء هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء خلفها الوليد وعمارة، جاء خلفها الوليد وعمارة يريدان أن يرجعاها، فجاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فجاء الوليد وعمارة، وقالا للنبي صلى الله عليه وسلم: «قد اتفقنا معك على أن من خرج منا فهو يرجع إلينا». فقالت: يا رسول الله، أنا امرأة ولا أستطيع أن أتحمل، وهؤلاء يعذبونني، إخوتي يعذبونني على الإسلام، وهي صابرة، مع أنها ما تعرف شيئاً من تعاليم الإسلام، إلا أنها عرفت أن هذا الدين عظيم، وثبتت، مع أنهم يعذبونها، يريدونها أن تكفر وهي لا تكفر. فوجدت فرصة فهربت إلى المسلمين، فقالت: يا رسول الله، إني لا أتحمل، أنا امرأة لا أتحمل عذابهم. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾. وهذا قرار من رب العالمين سبحانه وتعالى. وكما قد بينا قبل، أن النساء لا يدخلن في هذا الاتفاق، وإنما هذا اتفاق للرجال فقط. وأما النساء فهي ضعيفة ما تتحمل، ولهذا عذرهم الله عز وجل، كما قد ذكرنا قبل، عذرهم الله في الجلوس في مكة. لكن هذه المرأة، لشدة إيمانها، وأيضاً أرادت أن تهرب من الكفار حتى تحفظ دينها، فإنها هربت وجاءت إلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم والنبي صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. ومعنى «امتحنوهن» أي: اختبروهن، هل خروجهن لأجل الإيمان بالله أم لأجل أمر آخر؟ لأن قد تكون المرأة تخرج لأجل أنها كرهت زوجها، وأنها ضاقت من زوجها، يضربها ويفعل ويفعل، فضاقت فخرجت. لهذا قال العلماء، أو بعض المفسرين، كما جاء عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعلهن يقسمين بالله أنهن خرجن ليس كراهة لزوج، أو حباً للخروج، وإنما خرجنا إيماناً بالله وبرسوله. فهذا الظاهر، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله، فلهذا يأخذ الظاهر منهن. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾. إن قد تكون هذه المرأة تكذب، لكن أنتم خذوا الظاهر، ما دام أنها أقسمت بالله أنها مؤمنة، وما جاء بها إلا الإيمان، فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا ترجعوهن أبداً إلى الكفار. ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. كيف ترجعوهن إلى الكفار وهي امرأة مسلمة؟ الرجل إذا كان مثلاً المرأة كافرة، زوجته كافرة، لا يضره، لا يضره ذلك، سيتزوج غيرها. لكن المرأة إذا كان زوجها كافر، كيف ستفعل؟ فرجوعها إليه لا يجوز، لا يجوز أن تمكن كافراً منها. ولهذا الله عز وجل حسم هذه المسألة، وبيّن أنه لا بدّ ما دام أنها مؤمنة لا ترجع إلى الكفار، ما دام أنها أظهرت الإيمان فلا ترجع إلى الكفار. ﴿لَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾. وأما أموالهم، معنى: قد يسأل هذا الكافر يريد ما له، قال: ﴿وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾، أعطوهم مهرهم. من أراد أن يتزوج إحدى هذه النساء يعطيها مهراً، بدل ما يعطيها، يعطي زوجها الكافر، يعطيه زوجها الكافر لأنه سيطالب بهذا المهر. وقال الله عز وجل: ﴿وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾، أو قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ۖ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، أن الكافرات لا يجوز لكم أن تمسكوهن بعد اليوم، فمن كانت عنده امرأة كافرة فليطلقها ويفسخ ذلك النكاح. ولهذا جاء في الحديث: «أن عمر رضي الله عنه كانت عنده امرأتان فطلقهما، فتزوج إحداهما معاوية قبل أن يسلم، والأخرى تزوجها صفوان بن أمية، وأيضاً طلق فلان وفلان من المسلمين، طلقوا أزواجهم الكفار وتزوجوا نساء من المسلمات». فقال الله عز وجل: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. لا تمسكوا الكافرات، لا تمسكوا بعصم الكوافر، فعصمتها معناه: انقضوا هذا العهد الذي بينكم وبين الكافرات. ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾. معناه: المهر الذي أعطيتموه الكفار، اسألوه، معناه: قولوا: هلموا مهورنا. ﴿وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾، معناه: هذه المرأة التي تزوجتها، أعطها مهراً حتى تعطيه ذلك الزوج الذي قد كان زوجها، تعطيه إياه. فالله عز وجل أعطاهم أموالهم، كل واحد يأخذ ماله، يأخذ مهره. إن كان هذا لا يريد أن يطلق هذه الكافرة ويعطيها مهرها، أو أقصد أنه يعطى زوجها المهر. وكذلك أيضاً المسلم إذا طلق كافرة فإنه يعطى أيضاً مهره، يعطى مهره، إلا إذا أسلمت، إلا إذا أسلم. ولهذا قال: ﴿فَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾. فهذه الآية أنزلها الله عز وجل في قضية هؤلاء النساء التي جئنا، فحسم الله عز وجل المسألة، وأن النساء لا يدخلن في هذا الاتفاق، وأن النساء لا يدخلن في هذا الاتفاق. ثم بعد ذلك تتابعت النساء، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَلَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فبايعهن النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك. فكنا إذا جاءنا النساء، يبايعهن صلى الله عليه وآله وسلم على هذه المبايعة التي ذكرها الله عز وجل، ولا يصافحهن. بل قالت عائشة: «والله ما مست نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يده يد امرأة قط، يد امرأة قط». فهذا ما يذكر في هذه الآية وفي نزولها في هذا المكان. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، ونسأل سبحانه وتعالى أن يفقهنا وأن يعلمنا ديننا، ونسأل جل وعلا أن يغفر لنا ويرحمنا، والحمد لله رب العالمين.