ذو الحجة مسائل وأحكام 2

ذو الحجة مسائل وأحكام 2

الدرس في ذو الحجة مسائل وأحكام 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في فضائل العشر الأوائل من ذي الحجة

الدرس يتناول أهمية التفقه في مسائل وأحكام العشر الأوائل من ذي الحجة ويشير إلى فضائل هذه الأيام مستدلاً بقسم الله بها في القرآن الكريم. يُبين أن الله أقسم بهذه الأيام لعظمتها وكثرة منافعها.

تفضيل أيام العشر من ذي الحجة على غيرها

أفضل أيام الدنيا هي أيام العشر من ذي الحجة لما رواه الإمام البزار بإسناد صحيح من حديث جابر بن عبد الله. اختلف العلماء في تفضيلها على العشر الأخيرة من رمضان، ويرى بعضهم أنها أفضل بسبب وجود يوم عرفة ويوم النحر.

التفصيل في تفضيل الأيام والليالي بين رمضان وذي الحجة

ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أيام العشر من ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأخيرة من رمضان، بينما ليالي العشر الأخيرة من رمضان أفضل من ليالي ذي الحجة. هذا التفصيل هو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ومال إليه جماعة من أهل العلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس الظهر، إخواني في الله، أشرنا إلى أهمية التفقه والتعلم لمسائل وأحكام هذا الموسم الذي نحن فيه، ونتقلب في أيامه ولياليه، ألا وهي أيام العشر من ذي الحجة. ودخلنا، إخواني في الله، في ذكر فضائل هذه الأيام؛ لكي نستشعر عظم هذه الأيام التي بلغت عند الله جل وعلا، وفي دينه وشريعته. أولًا، أن نعلم أن الله جل وعلا قد أقسم بهذه الأيام، فربنا سبحانه وتعالى، من بين أيام الدنيا، اختار هذه الأيام لكي يقسم بها، فقال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. والواو هنا، يسميها العلماء أنها حرف عطف وقسم، فليست عاطفة كما يتوهمه البعض، بل هي حرف قسم، وليال عشر هي مقسم به لفعل محذوف تقديره أقسم. الفائدة الثانية من هذا الذي يقسم بهذه الأيام هو أن الله سبحانه وتعالى أقسم ربنا عز وجل بهذه الأيام، وهذا قد يشكل عند بعض الناس في مسألة، وهي: وهل يجوز القسم بالمخلوقات؟ الجواب: لا، لكن الله سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من خلقه، ولا يجوز لأحد من خلقه أن يقسم إلا به. فربنا يقسم بما شاء، وانظر وتأمل في كتاب الله جل وعلا، بماذا أقسم ربنا عز وجل؟ أقسم بالضحى، والفجر، والليل، والنهار، والشمس، بمخلوقات وأصناف، والتين والزيتون، وغير ذلكم كثير. لكن بالمقابل، لا يجوز لأحد من خلق الله أن يقسم إلا بالله، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت. الفائدة الثالثة في باب القسم، ما ذكره الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى، أن الله إذا أقسم بشيء، فإنما قسم به إما لعظمته أو لكثرة منافعه. إذا رأيت أن الله عز وجل أقسم بشيء كهذا الذي بين أيدينا، أقسم ربنا بالفجر وليال عشر، فإنك ستجد أن هذه المقسومات التي أقسم ربنا جل وعلا بها إما لعظمتها أو لعظيم منافعها. وأنت، يا عبد الله، بعد ذلك ابحث في هذه المقسومات، فإنك تجدها تقول إما إلى هذا وإما إلى ذاك. فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ أي: أقسم بالفجر، ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ أي: أقسم بالليالي العشر، هنا الليالي مقصود بها الأيام، كما أشار إلى ذلكم العلماء. فإن الله عز وجل قد يذكر الليالي ويراد بها الأيام، وقد يذكر الأيام ويراد بها الليالي، فليس المقصود هنا بالليالي أي الليالي فقط، بل اليوم بأسره، أقسم ربنا جل وعلا بهذا الوقت كله، أي: الليالي العشر والأيام العشر. والفجر وليالي عشر، ما هي الليالي العشر؟ أسلفنا على أن الليالي العشر هي الليالي العشر الأيام العشر الأولى من ذي الحجة. من أين جاء هذا التفسير؟ هذا جاء التفسير من أثر أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، أثر هذا عن ابن عباس، وعن ابن الزبير، وعن مجاهد، ورجح ذلك جماعة من أهل العلم، كما رجح ذلك الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى، وهكذا ابن رجب. بل إن الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه، أو في تفسيره "فتح القدير"، أشار إلى أن هذا القول هو قول جمهور المفسرين، جمهور المفسرين على أن المقصود بهذه الليالي هي هذه الأيام التي نحن فيها، لعظمتها أقسم ربنا جل وعلا بها. فأنت، يا عبد الله، إذا استشعرت بعظيم هذه الفائدة، علمت فضيلة هذه الأيام التي نحن فيها، اختارها الله من بين أيام الدنيا، فأقسم ربنا سبحانه وتعالى بها. الفضيلة الثانية مما تذكر من فضائل هذه الأيام، ما رواه الإمام البزار بإسناد صحيح من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر». وهذا الحديث، كما قلنا، حسنه جماعة من أهل العلم، وعلى رأس هؤلاء الإمام المحدث الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، فهو على تصحيح هذا الحديث. وهذا الحديث، إخواني في الله، بهذا اللفظ، قوله عليه الصلاة والسلام: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر»، أفضل أيام الدنيا بمعنى: ما هناك أيام توازيها، ولا تساويها، ولا تماثلها، ولا توازيها أبدًا؛ لأن هذه الصيغة من أصرح الصيغ في أفعل التفضيل، أفضل أيام الدنيا، ولم يستثن نبينا صلى الله عليه وسلم من أيام الدنيا شيئًا. وجاء كذلك بلفظ عند ابن حبان: «أفضل الأيام عند الله أيام العشر»، رواه ابن حبان بإسناد حسن، ورده شيخ الألباني رحمه الله تعالى كذلك في "صحيح الجامع"، فهي أفضل أيام الدنيا، وهي أفضل الأيام عند الله. طيب إذا قلنا بهذا الكلام بأن هذه الأيام هي أفضل الأيام، تأتي الآن المنازعة: يا ترى ما هناك أيام تنافس هذه الأيام؟ جاءت لنا المسألة التي يذكرها العلماء تحت بساط النقاش والبحث العلمي، لو جئنا بأيام رمضان وجئنا بهذه الأيام، فأيهم أعظم؟ هذا الطرح، يا عبد الله، ينبئك عن قوة هذه الأيام. تخيل أتكلم عن أيام رمضان، بل أتكلم عن العشر الأخيرة من رمضان، هذه الأيام العشر اجعلها في كفة، وتأتي بهذه الأيام العشر واجعلها في كفة، ثم زن أيهم أفضل؟ اختلف العلماء في هذه المسألة، فمن حيث النظر في الأيام، يرى جماعة من أهل العلم أن أيام العشر من ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأخيرة من رمضان. لماذا؟ قالوا: إن أيام العشر من ذي الحجة حوت على فضائل من فضائل هذا الحديث: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر»، فيها كذلك يوم عرفة، وما أدراك ما يوم عرفة، وستأتي لنا مسائل وستأتي لنا منافع وفضائل يوم جليل، هو يوم واحد، لكنه فاضل، زمن كريم، صوم يومه يكفر الله جل وعلا صوم يومه يكفر الله به ذنوب سنتين. ففيه يوم عرفة، فيه يوم النحر، وفيه بعده يوم القر، قال عليه الصلاة والسلام: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر الذي بعده»، أعظم الأيام عند الله يوم النحر، إذن عندي أفضل أيام الدنيا بصحيح السنة، وعندي يوم عرفة، وفيها يوم النحر، وإذا ألحقنا بها يوم القر أدخلناه، وفيها كذلك أقسم ربنا بهذه الأيام، فقال: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ بمعنى الأيام العشر. وجاء كذلكم عن السلف، كما صح عن ذلكم عن مسروق رحمه الله تعالى، عند قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ قال: هي أفضل أيام السنة، روى ذلك ابن أبي شيبة، أفضل أيام السنة أيام العشر. فتجد أن العلماء من حيث الفضيلة يرون أن هذه الأيام من حيث اليوم أفضل من العشر الأخيرة من رمضان. ثم حصل الخلاف في مسألة الليالي: هل ليالي العشر الأخيرة من رمضان أفضل من هذه العشر التي نحن فيها من ذي الحجة أم لا؟ لا زال الخلاف حاصلًا. فإن من أهل العلم من يرى أن هذه الليالي كذلك أفضل من عشر الأخيرة من رمضان، لكن الصحيح كما قال جماعة من المحققين: لا، فإن في العشر الأخيرة من رمضان فيه ليلة، فيه ليلة خير من ألف شهر، لا تنازع، كما يقال: بعضهم لو لا هذه الليلة لكانت هذه الليالي أفضل، لو لا هذه الليلة. ولهذا كان القول الصحيح الذي ذهب إليه جماعة من أهل العلم من قال: إن من حيث التفضيل بين الأيام العشر الأخيرة من رمضان، ولا يليها مع العشر الأول من ذي الحجة، ولا يليها من حيث الأيام، فأيام ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، وليالي العشر الأخيرة من رمضان أفضل من ليالي ذي الحجة، هذا قال به جماعة من أهل العلم. وإن كان بعضهم لا يرى هذا، بل من أقوال جماعة من أهل العلم قال: نقول إن مجمل مجموع العشر الأولى من ذي الحجة أفضل من مجموع العشر الأخير من رمضان، لو لا ليلة القدر. لكن القول الذي أشرنا إليه لعله هو المناسب، وهو أن نقول بأن الليالي العشر من رمضان أفضل من الليالي العشر الأول من ذي الحجة، وأما الأيام فهذه الأيام أفضل من أيام رمضان. هذا قد قال به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومال إليه جماعة من أهل العلم، قال العلامة ابن القيم: والفاضل اللبيب إذا تأمل في هذا الجواب وجده شافيًا كافيًا. وذهب إلى هذا القول كذلك الإمام الشوكاني رحمه الله، ومن المعاصرين سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وهكذا العلامة ابن عثيمين رحمه الله، وجملة من علمائنا ذهبوا إلى هذا المذهب إلى التفصيل. وهو على أن هذه الأيام شأنها أفضل من أيام العشر الأخيرة من رمضان، والليالي تلكم الليالي أفضل فقط لوجود ليلة القدر. فأنت، يا عبد الله، حينها إذا علمت هذا الخلاف، وإذا ترجح إليك هذا القول أو لم يترجح إليك أصلًا هذا القول، يكفيك، يا عبد الله، أن تعلم قوة هذه الأيام عند علمائنا، وكيف أن كثيرًا منهم يفضلونها على العشر الأخيرة من رمضان من حيث الأيام. فأنت، يا عبد الله، ستعلم حينها فضل هذه الأيام، ولا أحتاج أن أذكركم، بل كلكم يذكر هذا، ولا زالت الذكريات عالقة في الأذهان، كيف كنا في رمضان؟ كيف كنا في رمضان؟ الكل منا، الكل: الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعالم وغير العالم، والكل منشغل بعبادة الله: ذك بصلاة، ذك بصيام، ذك بقيام، ذك بقرآن، ذك بتسبيح، ذك بتهليل، ذك بتكبير، ذك ببذل، ذك بعطاء، ذك ببر، ذك بإحسان، الكل شمر عن ساعد الجد، هذا في رمضان. فما ظنك، يا عبد الله، إذا قيل لك إن أياما لا أقول أنها قريبة من أيام رمضان، لا بل لو قيل لك إن أياما تماثل أيام رمضان أو أياما أفضل من رمضان؟ حينها، يا عبد الله، سيأتيك العجب العجب من عظيم سعة رحمة الله عز وجل، وهكذا العجب من غفلة الناس، من غفلة الناس العظيم عن هذا الموسم الكريم الذي تنقضي منه الليالي والأيام، والكثير منا ما رفع له رأسًا، وما ألقى له بالا. كان الشيخ عثيمين رحمه الله تعالى يقرر هذه المسألة بالمثال، ويقول: إن من صلى ركعتين في هذه الأيام، صلى ركعتين في هذه الأيام، هي أفضل ممن يصليها في رمضان، من سيصدق هذا الكلام؟ لكن هذا عند علمائنا الذين قرأوا في الكتاب والسنة، وعلموا مضمون شرع الله عز وجل، يرون أن هذا هو الحق في هذه المسألة. ركعتين الآن أفضل من ركعتين في رمضان، لكن في رمضان كانت هناك معونة الله عز وجل، فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين، فكانت ينطلقون بكل قوة في طاعة الله جل وعلا، أما الآن حبسوا بالشهوات والملذات، وبالنفس الأمارة بالسوء، وهكذا بالشيطان الذي كان ولا يزال يصدنا ويمنعنا ويحجزنا عن طاعة الله عز وجل في مثل هذه الأيام. ولهذا، إخواني في الله، فهذه الفضيلة الثانية التي نذكرها في هذا الدرس مما يتعلق بفضيلة أيام العشر من ذي الحجة، أنها من أفضل أيام الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر». وأشرنا إلى الفائدة الأولى، وأن الله عز وجل قد أقسم بها. وبقت هناك مسائل تتعلق بهذه الفضائل، تترك إن شاء الله إلى درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.