الدرس في ذو الحجة مسائل وأحكام 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُبين الله تعالى التفاضل بين الأزمنة، ويُعد العشر الأول من ذي الحجة موسمًا عظيمًا للحج وعبادة الله. الإسلام أبقى على تعظيم هذا الشهر كما كان عند العرب قديمًا.
العلم مهم لفهم فضائل الأوقات الفاضلة مثل العشر الأول من ذي الحجة، والجهل يحول دون استغلال هذه المواسم. العلم هو الوسيلة المثلى للانتفاع بالأيام الفضيلة.
حضور مجالس العلم في العشر الأوائل من ذي الحجة يعتبر عملًا صالحًا، ويُمكِّن المسلم من اغتنام الأوقات بالأعمال الصالحة. كما يُستحب الدعاء لله تعالى أن يعين على ذكره وشكره وحسن عبادته.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، فإن من حكمة الله جل وعلا في دينه وشرعه، وفي مخلوقاته وخلقه جل في علاه، أنه فاضل فيما بينهم، فاضل جل في علاه بين الكائنات وبين المخلوقات، فاضل بين الأزمان وبين الأماكن، فاضل سبحانه وتعالى بين الأشياء، وذلك لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها. الرسل وهم رسل الله جل في علاه، ومع ذلك فاضل الله بينهم، كما قال سبحانه: ﴿تلك الرسل فاضلنا بعضهم على بعض﴾. وهكذا قص يا عبد الله في باب الأزمان، فرب يوم جعل الله له من الفضائل ما ليس لغيره، كفضيلة يوم الجمعة على سائر أيام الأسبوع، أو ما كان من فضيلة شهر على باقي الشهور، كفضيلة رمضان على غيره. وهكذا الساعات، منها ما جعله الله عز وجل ساعة استجابة، ما ليس لغيرها من الساعات. وهكذا يا عبد الله تنظر يمنة ويسرى، تجد أن الله عز وجل ينتخب من الأزمنة والأمكنة والذوات والأعيان بالفضائل والخصائص ما ليس لغيرها، وربك يخلق ما يشاء ويختار جل في علاه. وهكذا إذا جئنا في باب المواسم، فإن الله جل وعلا يعطي من المواسم من المناقب ما لا يعطي لغيرها، مثاله ما نحن فيه هذه الأيام التي نحن الآن نستظل تحت ظلها، نتقلب بين أيامها ولياليها، أيام العشر من ذي الحجة. سيأتي معنا ما يدل على عظمة هذه الأيام التي حبان الله جل وعلا بها. أيام العشر من ذي الحجة هي من شهر الله ذي الحجة، شهر المعظم، هو يعد تاريخيا من أواخر السنة القمرية، بعد هذا الشهر سيبدأ العام الهجري الجديد. شهر ذي الحجة يعتبر ثاني أشهر الله الحرم، ذو القعدة، ذو الحجة. وكان هذا الاسم، شهر ذي الحجة، قد عرف عند العرب في أيام الجاهلية، إذ أنهم كانوا يوقعون فيه أعمال الحج، فكان معظماً مشرفاً بهذا الاسم قديماً. نعم، هناك أسماء سمي بهذا الشهر في أيام الجاهلية الأولى، سمي بشهر النعس، بالنعس، وهكذا بشهر برك، لأن البعير كانت تبرك فيه للنحر. ثم كانت هذه التسمية عند العرب أخيراً شهر ذي الحجة. وكان من تعظيم العرب لهذا الشهر بالذات أنهم كانوا يجعلونه مجمعاً للقبائل والعشائر، فكان سوق عكاظ يقام في شهر ذي القعدة، وبعد ذلك سوق ذي مجاز، فكان يقام في مثل هذا الشهر، في شهر ذي الحجة، وهي من الأسواق العريقة المعروفة عند العرب، يأتيها القاصي والداني. ثم جاء الإسلام وأقر على بقاء هذا الشهر بما فيه من خصيصة وميزة، فكان هذا الشهر كما هو كان عند العرب قديماً معظماً مبجلاً، فكان عند الله معظماً مبجلاً شهر ذي الحجة. وإن أعظم ما يكون في هذا الشهر، إخواني في الله، أن الإسلام جعله كذلك هو الغاية في موسم الحج، موسم الحج يبتدأ من شهر شوال وينتهي إلى العاشر من ذي الحجة، وما يتبعه بعد ذلك من أيام التشريق، الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. فالإسلام أبقى لهذا الشهر عظمته، وإن العظمة تبقى، إخواني في الله، أكثر وأفضل وأعظم في أوائله، وهي العشر الأول من هذا الشهر. روى محمد بن نصر المروزي رحمه الله تعالى في كتابه «الصلاة» بإسناده إلى أبي عثمان النهدي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «كانوا يعظمون ثلاث عواش، كانوا يعظمون ثلاث عشرات». كان يشير رحمه الله تعالى إلى ما كان عليه السلف الصالح، ما عليه أهل التقى والإيمان، أنهم كانوا يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأول من ذي الحجة، وهي هذه الأيام التي نحن الآن وإياكم فيها، والعشر الأول من شهر الله المحرم، وستأتين بإذن الله إذا أطال الله في الأعمار، والعشر الأخيرة من رمضان. عشر، عشر، عشر، كانوا يعظمون ثلاث عشرات، أي من أزمان الله جل وعلا. وهذا التعظيم إنما كان مبني على الفضائل والتكرمات التي خصها الله جل وعلا في مثل هذه الليالي والأيام. وجاء كذلك من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن كعب أنه قال: «أحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة، وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول منه». هكذا كان الترتيب الذي كان يعده الأوائل. أحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم، اختصها الله من باقي الأشهر، جعلها الله عدة الشهور. ثم من هذه الأشهر الحرم، أحب الزمان إلى الله شهر ذي الحجة، وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأوائل منه. فنحن، إخواني في الله، أمام موسم عظيم وزمن فاضل كريم. وقبل الخوض، إخواني في الله، في ذكر فضائله، إذ أننا سنعقد هذه المجالس وما ستأتيها في بيان مسائل العشر ذي الحجة، إذ أن المسائل كثيرة وعديدة. وهنا، إخواني في الله، قبل الخوض في ذكر مسائل ذي الحجة من حيث الأحكام والفضائل، أود أن أشير إلى مسألة ينبغي أن ناهتم بها كاهتمامنا بهذا الموسم، ألا وهو الاهتمام بالعلم. العلم، يا عبد الله، هو الوسيلة، وهي الطريق المثلى التي توصلك لأن تنتفع بهذه الليالي والأيام الفضل. بالعلم، يا عبد الله، ستتعرف إلى ما هي هذا الموسم الذي أنت فيه، ما هو؟ وكما يقال: الحكم على شيء فرعا تصوره، والتصور نوع من أنواع العلم. ما يمكن أنك تحكم على شيء وأنت لا تدري ما هيته. فبالعلم، يا عبد الله، ستتضح لك الأمور، ما الذي نحن فيه. بالعلم، يا عبد الله، ستتعرف إلى الأعمال التي ينبغي أن نحرص عليها، إذ أن من الناس من ربما لا يدري ما الذي يفعله. ولهذا، إخواني في الله، أن للجاهل أن يتعرف على هذه الموسم. نحن نتحدث الآن عن أعظم موسم، أعظم موسم قد يوجد في هذا الدين. ومع ذلك، انذهب عدة أمتار أو عدة أشبار إلى خارج المسجد، فتجد أنك ستصادف أناس ما يعرفون هذا الموسم لا من قريب ولا من بعيد. تقول له: ذي الحجة، عشر الأول، واذي من ذي الحجة؟ ايش عشر الأول؟ ما أفقهش، ايش هذا الكلام؟ من أين جاء هذا؟ عدم الاهتمام واللا مبالاة، الجهل. الجهل، يا عبد الله، هو الذي يوصل الناس إلى أنهم لا يرفعون رأسا ولا يلقون بالا لا بالأحكام ولا بالشرائع، فضلا عن المواسم الذي يميز الأخيار عن غيرهم. العلم، إذا تعرفت وعلمت شيئا من الفضائل والمناقب والخصائص، ارتقى دينك وارتقى إيمانك. كذلك، يا عبد الله، أن للجاهل أن يعرف ما هي الطريقة الصحيحة في استغلال الأوقات والأعمار. سمع بأن هذا الموسم موسم عظيم، ثم إذ به يبقى على حالته، ما حرك ساكنا. يرى فقط أن وجوده وأن الله أبقاه وأحياه في هذه الأيام، هذه بحد ذاتها نعمة، فقط وجوده، وإن لم يفعل شيئا. ومن قال بهذا، يا عبد الله؟ أما تدري أن الله جل وعلا إنما أتى بهذا المواسم لكي يدفع بنا دفعا إلى العمل؟ ما من أيام العمل الصالح أحب فيه إلى الله من هذه الأيام. العمل، الله عز وجل ما أتى بهذا الموسم أن تبقى وأنت طريح الفراش، أو أنت تتسكع مع الأصحاب، أو أنك تتمشى ها هنا وها هنا، أو أنك تكثر من ساعات النوم والقيلولة. ما هذا المراد من هذا الموسم؟ بالعلم ستعلم أن الله أراد منك العمل، وأن العمل الذي يراد منك أعمالا كثيرة. بالعلم، يا عبد الله، ستتعرف على هذه الأعمال، ستختار بينها، ستختار هذا عن هذا بالعلم، وبما علمك الله جل وعلا إياه. وهكذا، يا عبد الله، من أعظم هذه المسائل المستفادة من العلم الشرعي في مثل هذه الأيام، أنك بها، أي بمجالس العلم، تستغل به الأوقات. دع عنك الفهم، دع عنك الفهم، ما فهمت شيئا، ما تفقهت بشيء، ما عندك وقت لكي تستوعب هذه المعلومات، فضلا أن يكون معك كراسة أو معك قلم لكي تكتب أو تسجل أو أنك تحفظ. دعك من هذا كله، لكن حسبك أنك تجلس، هذا، يا عبد الله، عمل صالح. عمل صالح، كونك تجلس فقط في هذا المقام. انظر، يا عبد الله، الفرق بين فئتين، فئة جلست ها هنا، وفئة انصرفت. والفارق الزمن بين هؤلاء وبينكم دقائق معدودة، لكن تخيل، يا عبد الله، إلى الأجر العظيم. ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسون فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده. أين ستجد هذه المناقب؟ ستجدها في مجالس كهذه المجالس. تصبر نفسك دقائق معدودة، تستمع للخير، تستمع للذكر، تستمع من آي القرآن، من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، يعطيك الله هذه الجوائز. هذا في مجلس واحد، هذا في مجلس واحد، فما ظنك بالذي صبر نفسه على عدة مجالس طيلة هذا الموسم الكريم؟ ومما جاء من فضاء لهذه المجالس أنه ينادى: «ما جلس قوم في بيت من بيوت الله إلا ونادى مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات». تبدل الحسنات، تبدل السيئات إلى حسنات. هذا لا تجد في أي مجلس، يا عبد الله، لو ذهبت إلى شرق الدنيا وإلى غربها، لن تجد مجلس بهذه المجالس. وهذا مما اصطفاه الله، ومما فاضل به ربنا بين المجالس، من المجلس الذي فيها يذكر فيها اسمه، ويدعى فيها إلى دينه وشرعه. هذا يعد من أعظم المجالس إذا قوردت بغيرها من المجالس. ولهذا، يا عبد الله، فإن هذه المجالس تعطيك عوض في العمل الصالح، لربما بعضنا ما يستطيع على الصيام، ولا على القيام، فلا أقل، يا عبد الله، من المكث في بيوت الله، تحتسب الأجر عند الله، أن هذا عمل صالح تقدمه فيما بينك وبين الله جل في علا. ولهذا، إخواني في الله، بإذن الله، في مثل هذه المجالس، سواء كان في درس الظهر أو العصر، في مدة هذه الأيام، سنجعل المجال في ذكر مسائل وأحكام شهر الله ذي الحجة، وأعني بها العشر الأوائل، لكثرة مسائلها وعدة فضائلها. فأسأل المولى جل وعلا أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره، وعلى حسن عبادته، وعلى القيام بطاعاته ومرضاته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.