الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 60، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التزم النبي صلى الله عليه وسلم بشرط صلح الحديبية القاضي برد من يأتي من قريش مسلماً إليهم، فرد أبا بصير رغم إسلامه. وقد فسر العلماء قتل أبي بصير لأحد المرسلين بأنه تخليص للنفس لا خيانة للعهد.
هرب أبو بصير بعد رده ولجأ إلى سيف البحر حيث كون مجموعة من المستضعفين تعترض قوافل قريش التجارية. أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على شجاعته ووصفه بأنه مسعر حرب، ضارباً المثل بصبر الصحابة وثباتهم.
أكد الشيخ أن أخطاء الأفراد في الشهوات والسلوك لا تلصق بالدين أو المنهج السلفي لأن البشر غير معصومين. وفرق بين ذلك وبين الانحراف في الاعتقاد والمنهج الذي يدل على عدم التلقي الصحيح، مستشهداً بموقف أبي بصير العملي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: خُذنا في الدرس الذي مضى آخر مقطع من صلح الحديبية، فلما جاء أبو بصير وهو رجل من قريش وهو مسلم بعدما فر من الكفار ومن تعذيبهم، وقد ذكرنا من المسائل والفوائد التي ذكرناها قبل: ثبات الصحابة رضي الله عنهم على دينهم مع أنهم لم يعلموا شيئا من هذا الدين، إنما يسلم الواحد منهم في مكة فيثبته الله جل وعلا مع ذلك العذاب الذي يعذب به، حتى النساء كما تقدم معنا؛ تجد المرأة تعذب حتى ترجع عن دينها ولا ترجع. ذكرنا قصة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فقد لما جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاء أخواها، لكنها رفضت أن ترجع معهما، وقالت: يا رسول الله، أنا امرأة لا أستطيع أن أتحمل العذاب كما يتحمل الرجل. فكانوا حتى النساء... انظروا إلى حقد الكفار وشدة غيظهم على أهل الإسلام. وقد تكلمنا أيضا في هذا، فلما جاء أبو بصير أرسلت قريش إليه - أو إلى النبي عليه الصلاة والسلام - رجلين، أرسلوهما إلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى يأتوا بأبي بصير، فدفعه النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كما تقدم معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينقض العهد ولا يخون، بل كان النبي عليه الصلاة والسلام يحث على الوفاء بالعهد والاتفاق. قد تكلمنا أيضا في هذه المسألة فيما تقدم من الفوائد، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يخون أبدا مادام أنه إذا أعطى عهدا لا يخون. فلما جاء أبو بصير أرجعه إليهم، فأخذاه - أي هذان الرجلان أخذا أبا بصير يسوقانه - لكن الله عز وجل خلصه منهما، فبحيلة قتل أحدهما وفر الآخر. لما كانوا في الحديبية نزلوا يأكلون تمرا، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، إن سيف هذا طيب وأنا وحاد وكذا. قال: فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد. إن أخذته الحمية، وأيضا أخذ الطعم، وإني لما أثنى على سيفه فقال: نعم إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، أنا قتلت به أناسا وطيحت رؤوسهم وكذا. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد. أول ما أخذ السيف منه ضربه. وهذا ليس من الخيانة، وإنما هذا من تخليص الإنسان نفسه. النبي عليه الصلاة والسلام قد سلمهم إليه، لكن أراد أن يخلص نفسه من هؤلاء لأنهم إذا ذهبوا به إلى مكة سيعذبونه أكثر، فلذلك حاول أن يمكر بهم كما مكروا به حتى أمكنه الله عز وجل منهم، فضربه بالسيف حتى برد، أي حتى برد، أي أنه لم يتحرك، ويقال برد لأن غالب جسم الإنسان يبرد إذا مات، ولهذا يقال: حتى برد، فلا حراك بعد ذلك. فلما قتله فر الآخر، فر الآخر إلى المدينة. وهذا يدلك على أن هؤلاء الكفار مع كفرهم إلا أنهم يرون الأمان عند المسلمين، لأنهم يعلمون أن أهل الإسلام لا يغدرون، فلذلك رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وكان أبو بصير يعدو خلفه، يعني يجري خلفه يريد أن يقتله، حتى دخل المسجد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا دَعْرَاء، ما أحد خوفه حتى جاء يجري بهذا. فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قُتل والله صاحبي، وإني لمقتول، قد قتل صاحبي وأيضا يريد يقتلني. وهذا يدلك على شجاعة الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك أنهم أهل حرب. فهذا أبو بصير كما جاء في هذا المقطع كان في سيف البحر، واجتمع معه جماعة، وكان كلما جاءت عير لقريش - قافلة - أخذوا هذه القافلة، أخذوا هذه القافلة منهم وقتلوهم. فقال: والله قد أوفى الله ذمتك يا رسول الله، معنى عهدك أوفاه الله، أنك أرجعتني إليهم. وأيضا النبي عليه الصلاة والسلام علم أن هذا أيضا لا يزال من العهد، أنه يرده إليهم، حتى لو رجع ولو قتل، أنه يرده إليهم، لا يقبله، يعني أنه لا يقبله عنده ولا يجلسه في المدينة، يقول له: اخرج إلى أي مكان، مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي جندل: يا أبا جندل، سيجعل الله لك ولغيرك مخرجا وفرجا. ففرج الله عز وجل عنهم في ذلك المكان، وهو سيف البحر. خرج أبو بصير وتبعه أبو جندل، وكل من أسلم من قريش يتبعه حوله حتى تكونت عصابة. فقال: قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وَيْلَ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ. معنى: رجل حروب، رجل شجاع، وأيضا معنى أنه عرف كيف يدبر أمره وقتل أحدهما وخاف منه الآخر، فهذا يدل على أنه رجل شجاع. وَيْلَ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ، معنى هذه العبارة: يقولونها في الرجل الشجاع الذي هو أهل الحروب. قال: قال: لو كان له أحد، لو كان أحد معه... لا، لا فعل الأفاعيل، لكن ليس معه أحد. فلما سمع أبو بصير ذلك عرف أنه سيرده إليه، لم يكن يأخذ في نفسه، ومثلا يترك دين الله. لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبله، بل أولئك عرفوا الدين وعرفوا أنهم على أمر صحيح سيلاقون الله جل وعلا. الآن عندنا لو أن إنسانا مثلا نهره مدرس، أو نهره شيخ، أو كذا، لترك المسجد كله، لترك المسجد كله، وترك الدعوة بسبب أن فلانا نهره، أو أن فلانا فعل به كذا، أو أن فلانا غشه. معنى: بعض الناس يحمل الدعوة ما لا تحتمل. معنى: تجد أنه يغشه إنسان فيقول: انظروا أصحاب الدعوة كيف يغشون. أو مثلا بينه وبينه معاملة دنيوية، بينه معاملة أراض أو تجارات أو كذا، تجد أنه مثلا رآه أنه غشه، أو أنه أخذ بعض ماله أو كذا، فيرجع ذلك إلى الدعوة، وإلى: انظر إلى هؤلاء، يقول لك: هؤلاء يقولون نحن سلفية ونحن كذا، وانظر كيف يفعلون. فهذا خطأ، أنك تأتي بخطأ رجل منهم، قد يكون هذا الرجل ليس متمسكا بذلك التمسك، حتى ولو كان شيخا، حتى ولو كان له قدم، معنى قديم في هذه الدعوة، لا يدل، أو لا يتحمل الناس أعباء، ولا يتحمل أيضا أخطاءه. فخطؤه لنفسه، خطؤه لنفسه. إذا أخطأ مثلا إنسان، حتى ولو جاء مثلا بشيء من الكبائر: زنا، أو سرقة، أو غيرها من هذه الأمور، فهذا لا يحمل به الدعوة، أو ليس معنى ذلك أن هذه الدعوة فيها هذه الأشياء. لا، قد يكون الإنسان نفسه ضعيفة، وأيضا الشيطان استولى عليه، وأيضا لم يتق الله عز وجل في ذلك الوقت، لأنه بشر، ليس هو ملكا معصوما. وليس معنى هذا التبرير، وإنما هذا لأجل أن يعلم الإنسان الواقع. ليس هناك أحد لا يخطئ ولا يذنب، وإنما ذكر الله عز وجل ذلك عن الملائكة: لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وأما غيرهم من البشر فهم يخطئون، لكن هناك من عصمه الله عز وجل من الأخطاء الكبيرة، خاصة في الدين، كالأنبياء، عصمهم في الدعوة، وهكذا كمل الله عز وجل عقولا لأناس أخذوا هذا الدين بحق وصدق، وغيرهم من هؤلاء أئمة من السلف وغيرهم. لكن كما قلنا: قد يقع الإنسان في الخطأ، قد يقع الإنسان في الخطأ مهما بلغ، إلا من عصمه الله. فلذلك، فلذلك لا يتحمل دعوة الله عز وجل أحدا بأخطائه، ولا أيضا ينبغي للمسلم أن يضع خطا فلان في دعوته، فيقول مثلا: هذا، انظر إلى هذا كيف يفعل، لولا أنه على طريقة غير صحيحة لما فعل ذلك. لا، هذا لا يسع، لا يلزم، لا يلزم في الأخطاء الدنيوية، أو الأخطاء التي تكون في الشهوات أو غير ذلك. أما في الاعتقاد، في النهج الذي يمشي عليه، فهذا سيحاسب عليه، وأيضا يدل على أنه لم يتعلم تلك العقيدة الصحيحة، ولم يتعلم ذلك المنهج الصحيح الذي يستمد من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فتجده يعتقد اعتقادات باطلة، قد يكون رجلا على خير وعلى سنة، لكنه لم يتعلم العقيدة صحيحا، فيأتي إنسان ويضله بالشبه، وبدل ما كان يعتقد في الكمال لله جل وعلا في أسماء وصفاته، يعتقد أن الله عز وجل يماثل خلقا، أو أنه معطل عن الصفات وعن الأسماء، كقول الجهمية. فلذلك أيها الإخوة الكرام: فمن أخطأ أخطأ لنفسه، ومن ولا يتحمل الإسلام أخطاء المسلمين، كما أيضا لا تتحمل الدعوة السلفية أخطاء أصحابها أو من كان ينتسب إليها. فلذلك أيها الإخوة الكرام، فهذا هنا أبو بصير رضي الله تعالى عنه قتل هذا الرجل، وأخذ أراد أن يقتل الآخر، أراد أن يقتل الآخر، لكن استنجد بالنبي عليه الصلاة والسلام. فلما سمع أبو بصير كلام النبي صلى الله عليه وسلم خرج، قال: وَيْلَ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ، لو كان له أحد. فعرف أبو بصير أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبله، عرف أنه لا يقبله لأنه قد تعاهد مع قريش أنه يرد كل من جاء من عندهم مسلما، يرده إليهم. هذا كان الاتفاق في صلح الحديبية. وكما قلنا: أنهم هم نقضوا هذا الاتفاق، وهم تنازلوا عن هذا الشرط، وهم تنازلوا عن هذا الشرط كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر