الدرس في كتاب الصلاة 60، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع مسألة الهوي للسجود في الصلاة واختلاف الفقهاء حولها. ذهب الجمهور إلى البدء بالركبتين بينما ذهب مالك إلى البدء باليدين.
ناقش المقطع أدلة وضع اليدين قبل الركبتين عند السجود، واستعرض حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر مع تحليل الأسانيد والعلل.
تناول المقطع حكم وضع اليدين أو الركبتين أولًا عند السجود، وأشار إلى أن حديث أبي هريرة يدل على وضع اليدين قبل الركبتين.
يختتم الدرس بالإشارة إلى أن بعض التفاصيل ستأتي في دروس لاحقة، ويعبر الشيخ عن امتنانه للمشاهدين.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما بعد، فأخذنا جميع مسائل أو أكثر مسائل السجود، بعض المسائل التي ذكرها هنا مؤلف رحمه الله، وبقي أن ندخل في مسألة، إن شاء الله تعالى، نختم بها مسائل السجود، وهي مسألة الهوي، وإن كانت هي تكون قبل، لكن نذكرها إن شاء الله تعالى باب الفائدة. مسألة الهوي للسجود، إذا أراد أن يهوي إلى السجود، فهذه المسألة معلوم أن فيها أقوالًا. القول الأول: أنه يسجد أول ما يقع على الأرض بركبتيه، أقصد على ركبتيه، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، وينسب إلى الجمهور. والقول الآخر: أنه ينزل على يديه، معنى أول ما يقع على الأرض يديه قبل ركبتيه، وهذا قول مالك في المشهور عنه. وهناك القول الآخر: أنه بالخيار، عند مالك، معنى أنه الأمر سهل، شاء بركبتيه أو بيديه، ذكره ابن عبد الحكم عن حبيب عن مالك. وهناك قول شاذ، وهو قول ابن حزم، يقول: إنه فرض أن نزول على يديه، وهذا ليس صحيحًا. وأما من ناحية الأدلة، فالجمهور استدلوا بعدة دلائل، الذين يقولون بأن يبدأ بالركبتيه، منها حديث وائل بن حجر، في بعض رواياته، جاء من طريق شريك النخعي، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبيه، عن وائل بن حجر، بصفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: وكان إذا هوى إلى السجود، وقعت ركبتاه قبل يديه، أن يقع على ركبتيه قبل يديه. وهذا الحديث لا يصح؛ لأن شريكًا هنا زاد هذه الزيادة، وقد خالفه أكثر من عشرين رجلًا من رواة هذا الحديث، منهم شعبة وسفيان الثوري وغيرهما، خالفوا شريكًا في هذا أو ذكر الوقوع على ركبتيه. فقد رواه أكثر من واحد عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، ولم يذكروا هذه الزيادة، فهي زيادة منكرة. وشريك النخعي يأتي أحيانًا بالمنكرات، وخاصة عندما ولي القضاء، كما قال الحافظ. وجاء أيضًا من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن وائل بن حجر، وهذا عبد الجبار لم يسمع من أبيه، منقطع. وأيضًا قد رواه أكثر من واحد عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار، عن أخيه، وائل، ولم يذكروا فيه أنه كان يقع على ركبتيه، وإنما ذكروا فقط صفة السجود، فقط، ولم يذكروا فيه الهوي. فلهذا لا يثبت شيء من هذا. وهناك أيضًا أدلة أخرى، وأكثرها ضعيفة جدًا، لم يثبت شيء في وضع النبي عليه الصلاة والسلام ركبتيه قبل يديه. وأما من قال: بأنه يضع يديه، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد، وهو قول لو زعم، بل يقول: لو زعم أدركت الناس أنهم كانوا يضعون يديهم قبل ركبهم إذا سجدوا. واستدلوا بحديث جاء عند أبي داود وأحمد والنسائي، من حديث محمد بن عبد الله بن الحسن، الذي يلقب بالنفس الزكية، محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، روى هذا الحديث عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير»، وزاد جماعة عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عبد العزيز الدراوردي وغيره، أنه قال: «وليضع يديه قبل ركبتيه، وليضع يديه قبل ركبتيه». وهذا الحديث، محمد بن عبد الله بن الحسن، ثقة، وهو من أفاضل ومن خيرة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من أهل المدينة، إلا أن بعض العلماء يقول: ليست له رواية عن أبي الزناد، ولا يعرف بالرواية عن أبي الزناد، شككوا في هذا الحديث بهذا. وهذا ممكن؛ لأنه رجل من أهل المدينة، وهو رجل ثقة مأمون. فالحديث الظاهر أنه حسن. وجاء حديث آخر، أخرجه الإمام النسائي مرفوعًا وموقوفًا، لكنه من طريق الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع بن عمر، بعضهم رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم أوقفه. لكن رواية الدراوردي عن عبيد الله بن عمر منكرة؛ لأنه كان يقلب أحاديث عبد الله بن عمر على عبيد الله، كما قال الإمام أحمد. فلهذا لم يصحح العلماء روايته عن عبيد الله بن عمر. وإلا فهو إسناد صحيح، لكن ذكر العلماء هذه العلة. وفيه أن ابن عمر كان يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع يديه إذا هوى إلى السجود قبل ركبتيه». وجاء من فعله أنه يفعل ذلك، أي ابن عمر. لكن كما قلنا: الحديث في هذه العلة. فأحسن حديث في الباب، وأصح حديث في الباب، حديث أبي هريرة: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه». قوله: «وليضع يديه قبل ركبتيه»، هذه بعض من الرواة عن الدراوردي ذكرها، وبعض لم يذكرها. ولهذا شكك فيها الإمام ابن القيم رحمه الله، وذكر الإمام ابن القيم أن الحديث انقلب على بعض الرواة، فأراد يقول: «وليضع ركبتيه»، فقال: «وليضع يديه». وذكر كلامًا نحو هذا. لكن قد رده العلماء، كما رد الشيخ الألباني رحمه الله في التعليق على الصلاة، وذكر كلام أهل اللغة: أنهم يعتبرون أن الحيوانات ذوات الأربع، يديها مؤخرتين، وقدميها مقدمتين، معنى ليس مثل الإنسان، الإنسان يكون يديه مقدمة، لكن الحيوان تكون يديه في المؤخرة، ورجليه في المقدمة، هكذا قال أهل اللغة. وهذا يوافق الحديث؛ لأنه قال: «لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير»، والبعير يبرك بالرجلين المقدمتين، أول ما يبرك يبرك بالرجلين المقدمتين، لا يبرك بالمؤخرة. فلهذا هذا يوافق كلام أهل اللغة، يوافق الحديث، وأنه ليس فيه قلب. فالمهم أنه أولًا نأخذ بالحديث، والتوهيم يأتي بعد ذلك. إذا كان هناك رواية فيها شيء ممكن أن يوهم، أو الكلام الذي جاء به لا يشك فيه، مثلًا الكلام أنه قلب، لا يشك فيه، فمثل هذا ممكن أن يقال: إن بعض الرواة أخطأ، وهم. وأما التوهيم على أمر مشكوك، فهذا ليس بصواب. فلهذا يقال: إن أصح شيء في هذا هو هذا الحديث، وفيه: «وليضع يديه قبل ركبتيه». وهذا يدلنا على أن القول الصحيح هو قول مالك، أي المشهور في مذهب المالكية، ورجحه صاحب بداية المجتهد، ابن رشد، أي في مذهب المالكية، وهو رواية عن أحمد أيضًا، كذلك. فالظاهر هذا الصحيح، وهو أولى بالصحة. وإلا فالأمر واسع، مثل ما جاءت الرواية الأخرى عن مالك: الأمر واسع، من شاء برك على ركبتيه، ومن شاء على يديه، معنى نزل على ركبتيه، ومن شاء على يديه، فالأمر سهل. لكن أولى الأقوال، كما قلنا، وصح لحديث، هو هذا الحديث، حديث أبي هريرة: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه». فهذا إن شاء الله خلاصة هذه المسألة في هذا الباب. وإن شاء الله، هنا ذكر الجلوس بين السجدتين فرض عند الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة ومالك: سنة. مسألة الجلوس بين السجدتين، الصحيح أنها فرض من أركان الصلاة. ونسبة هذا قول المؤلف هنا: أن مالكًا يقول سنة، ليس هذا متفقًا عليه، بل المشهور في مذهب مالك أنه واجب، أنه واجب. وبعضهم يقول: فرض، ورواية ضعيفة في مذهب مالك أنه سنة. والمهم أن الجلوس بين السجدتين قد جاء في حديث المسيء صلاته، فقال له: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، حتى تطمئن جالسًا». وإن شاء الله سيأتي ذكر بعض المسائل في الجلوس بين السجدتين، إن شاء الله نذكرها في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدين، شكرًا للمشاهدين.