الدرس في كتاب البيوع 60، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث هذا الفصل عن المحجور عليه وأحكام الحجر على السفيه والصغير والمجنون، وكيفية التعامل مع أموالهم وتصرفاتهم المالية. كما يتناول مسألة ضمان إتلاف المال من قبل هؤلاء الأشخاص.
يتناول هذا الفصل آراء العلماء في ضمان السفيه والصبي والمجنون، حيث يختلفون في ذلك بناءً على آراء فقهية مختلفة. واستدل الشافعية بأحاديث نبوية في هذا السياق.
يتناول هذا الفصل آراء المذاهب الفقهية حول علامات البلوغ والرشد، حيث يختلفون في السن المحدد للبلوغ ويتفقون على علامات أخرى مثل الاحتلام والحيض. كما يشترط الرشد لدفع الأموال إلى الأيتام وإزالة الحجر عن السفهاء.
يُفضل الرجوع للقاضي لفك الحجر عن المال للاحتياط، حيث أن القاضي هو المخول بفك هذا الحجر، ويشكل هذا الإجراء ضمانة لحماية الأموال.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلاة والصلاة على رسول الله، وألي وصحبه والولامة. بعد ذلك، أخذنا موضوع الحجر على المفلس. وهو الحجر على المفلس إذا كان الرجل عليه ديون، والغرماء يطالبونه، وهو يماطل. إن كان مفلسًا ليس معه شيء، فهذا لا يحبس ولا يعاقب. لكن إذا كان معه مال، لكنه يماطل، فهذا يوقف القاضي ماله، ثم يأخذ ماله ويعطيه للغرماء بحسب ما لهم. فإن كان المال أقل من الديون، يعطيهم بالنسب. من وجد مالًا بعينه عند مفلس، فإنه يأخذه إذا وجد ماله بعينه، وهو حق به. وذكرنا الخلاف في مسألة زيادة ونقصانه. واليوم، إن شاء الله، نأخذ موضوع المحجور عليه. قال: فصل في المحجور عليه. قوله: «ويحجر على السفيه والصغير والمجنون»؛ هؤلاء ثلاثة يحجر عليهم. يحجر على السفيه، والسفيه هو البالغ العاقل المكلف، لكن ليس عنده حسن التصرف بالمال، بل عنده تلاعب وتبذير بالمال. فهذا الذي يقصده الفقهاء بالسفيه. وكذلك يحجر على المجنون؛ المجنون غير العاقل. وأيضًا الصبي؛ أولًا يحجر عليهم حتى يوفر مالهم، حتى لا يضيع أموالهم. فيقوم الولي -ولي السفيه، ولي اليتيم أو الصبي، وولي المجنون أيضًا- هو الذي يتصرف في المال. قالوا: من أعطاهم ماله بيعًا أو قرضًا، رجع بعينه. وإن أتلفوه، لم يضمنوا. معناه: إذا أعطى شخص أحد هؤلاء الثلاثة -السفيه، المجنون، والصبي- ماله بيعًا أو قرضًا، رجع بعينه. هذا المال أو البيع لا يكون صحيحًا. رجع بعينه، فإن أدرك ماله، فإنه يرجع به إذا كان أدرك نفس المال. والبيع يكون غير صحيح. وإن أدرك ماله، لكن فيه تغير، فإنه كذلك يأخذه إذا لم يكن هذا التغير في أصل الشيء. وأيضًا، حتى لو تغير شيئًا يسيرًا، فهو يأخذه. وإن أتلف هذا المال، فليس عليهم ضمان. قال الفقهاء: سواء علم بالحجر أو لم يعلم؛ معناه الأصل أنه لا يبايع مثل هؤلاء إلا من أذن له صاحب المال. مثلًا، الصبي المميز إذا تركه أباه أو تركه أحد أقاربه أو صاحب الدكان تركه في الدكان يبيع ويشتري، فهذا إذن يبيع ويشتري بإذن. فإذا أتلف المال، ولو كانوا متعمدين في إتلافه، لو مثلًا مجنون تعمد في إتلاف المال، أخذ الدراجة مثلًا وخربها، فهل يكون عليه ضمان؟ الصحيح أنه يكون في المجنون والصبي بعضهم يقول: الصبي الصغير الذي لم يميز. أما الصبي المميز، وكذلك السفيه، فهو رجل عاقل، فعمده يضمن. ذهب جماعة من الحنابلة أن البايع والمقرِض ونحوهما إذا جهل أن هذا سفيه، فإن السفيه يضمن؛ لأنه عاقل مكلف. فإذا تعمد في تخريب شيء، فهو يضمن هذا المال. قال: «ويلزمهم أرش الجناية وضمان مال من لم يدفعه إليه». الآن اختلف في المسألة الأولى أنه سلطهم على ماله إما ببيع أو قرض أو كذا. لكن الآن في هذه المسألة لم يسلطهم على ماله، وإنما تعمدوا إتلاف ما عنده. مثلًا، أعطاهم عارية أو وديعة أو دفعهم شيئًا، فهو المال هنا لازال مال مالكه. فهو لم يسلطهم على هذا المال. والعارة مثلًا يعطيه هذا المال أو هذا الشيء لأجل أن يستعمله ويعيده. أو الوديعة ما يضعه عنده. فإذا أتلفه وتعمد إتلافه، فهل يضمن؟ نعم، عند جمهور العلماء أنه يضمن. وهناك قول أيضًا عند الحنابلة أنه لا ضمان عليه؛ لأنهم يقولون: إنه ما دام أنه أعارهم بنفسه وهو الذي أودع ماله عندهم، فهو يتحمل هذا. والقول الثاني -كما قلنا- وهو قول الجمهور: أنهم يضمنون؛ لأنه لم يمكنهم من التصرف فيه، وإنما لا زال في ملكه. لكن الناظر يجد أنه لا فرق في المسألة الأولى والمسألة الثانية. سوى كان بشراء وقرض أو كان بعارة ووديعة، فكله يعطيه ماله يستخدمه. سوى كان ملكًا أو غير ملك. ونخلص من هذه المسائل أن مسألة الصبي والمجنون لا يضمن في كلا المسألتين. وأما السفيه، فالصحيح أنه يضمن. قال: «وإن تم لصغير خمس عشر سنة زال حجرهم». إذا كمل الصغير خمس عشر سنة، فيكون حينئذٍ بالغًا. واستدل الشافعية -وهو قول أيضًا من الشور عند الحنابلة- أن الصبي يبلغ بخمسة عشر سنة. استدلوا بعدة أحاديث، منها ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: «أردت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشر سنة، فلم يجزني». وفي رواية خارج الصحيح: «ولم يرني بلغت». قال: «وعردت يوم الخندق وأنا ابن خمس عشر سنة، فأجازني». وأيضًا حديث عطية القرضي في مسألة العسري الذين في بني قريضة، فكان يقول: «من أنبت قتل، ومن لم ينبت هذا في النبات». هذا في السن. وأما عند مالك، مذهبه أنه ليس هناك سن محدد للبلوغ. يعني ما يجعل السن علامة على البلوغ، وإنما يجعله بالاحتلام أو بطلوع العان وغيره. وحدده بعضهم بسبعة عشر سنة. وأبو حنيفة يجعل الأنثى سبعة عشر سنة، والذكر ثمانية عشر سنة في رواية، أو تسعة عشر. والذي هو أقرب إلى الأدلة هو قول الشافعي وأحمد: أنه خمسة عشر سنة. قال: «أنبت حول قبله شعر خشن، وهو شعر العان، وهو من علامات البلوغ». كما ذكرنا، وقد جاء في حديث عطية القراض الذي في السنن، وهو حديث حسن. «أو أنزل»؛ إذا أنزل المني باحتلام أو بيقظة، إذا أنزل يعتبر أيضًا قد بلغ إجماعًا. كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾. أي الاحتلام. وليس في هذا اختلاف: أن من علامات البلوغ الاحتلام، ولو كان ابن عشر سنوات أو تسع سنوات. فالبلوغ يكون في أحد هذه العلامات، وليس اجتماعها. إذا أنزل ولو لم يبلغ 15 سنة، فإنه يعتبر بالغًا. فإذا لم يأت شيء من هذه العلامات، فنأخذ علامة السن، وهي 15 سنة. قالوا: تزيد الجارية البلوغ بالحيض. وإن حملت، حكم ببلوغها أيضًا. حيض علامة في الجارية أنها بلغت إذا حاضت، ولو كانت ابن تسع سنوات. واختلفوا إذا كان أقل من تسع سنوات. والصحيح أنها تكون علامة البلوغ، ولو ثبت أنه حيض، تكون علامة البلوغ، ولو ثبت أنه أقل من تسع سنوات. قالوا: عقل مجنون ورشد، والسفيه إذا رشد، المجنون إذا عقل. بقول الله عز وجل: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَى إِذَا بَلَغُوا النِكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. فلا بد من الرشد، لا يكفي البلوغ فقط. فيقال: إذا بلغ الصبي ورشد، وعطي ماله. وكذلك إذا عقل المجنون ورشد. قالوا: رشد سفيههم زال حجرهم. أيضًا السفيه إذا رشد، أين إذن يزول حجرهم؟ رشد معناه صار ليس مبذرًا. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. قال: «بلا قضاء». معناه بلا قضاء، لا يشترط أن يقضي القاضي في هذه المسألة. لكن إذا حكم القاضي بأن هذا الرجل سفيه ويحجر عليه، هل يفكه غير القاضي؟ فالمشهور عند الحنابلة أنه لا يزول هذا الحكم إلا بحكم الحاكم. وقال بعض الحنابلة -كأبي الخطاب وغيره- أنه يزول حكمه لزوال علته. لكن الأولى أولى للاحتياط للمال: أنه لا يفك هذا الحجر إلا القاضي.