الدرس في كتاب الإمارة 8، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشرح أحاديث نبوية متعلقة بطاعة الأمراء، مثل حديث أبي ذر وحديث عبد الله بن عمر، ويحاول التوفيق بينها وبين أحاديث أخرى تشترط أن يكون الأئمة من قريش. يُبين أن طاعة الأمراء واجبة حتى لو كانوا من غير قريش.
يؤكد الشرح على أهمية طاعة ولاة الأمر وحرمة الخروج عليهم، ويبين أن السياسة جزء من الشريعة الإسلامية. يُشدد على وجوب طاعة الأمراء الأول فالأول وعدم جواز الخروج عليهم حفاظا على وحدة المسلمين.
يُبين أن علماء الأمة ورثة الأنبياء، ويشير إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يؤكد أن الأنبياء لم يورثوا مالاً بل ورثوا العلم. كما يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الحديث أو في الحديثين السابقين من الباب المتقدم باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، وغيرها من الأحاديث التي مرت معنا مما يوافق تلك الترجمة، ومما يناسب ذكره من الأحاديث التي فيها معنى الباب، ولم يذكرها المؤلف رحمه الله، حديث أنس بالصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة». وفي رواية: «اسمع وأطع ولو لعبد حبشي كأن رأسه زبيبة». وهذا فيه معنى أحاديث الباب، وهو مما يناسب ذكره في هذا الموضع. وهكذا من الأحاديث التي يناسب ذكرها في هذا الموضع حديث عبد الله بن عمر بن العاص في صحيح مسلم، وهو حديث طويل، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر». الحديث. حتى قيل لعبد الله بن عمر: «خفت رجل صوته»، فقال له: «أنت سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم؟» فأشار بيديه إلى أذنيه وقلبه، فقال: «سمعته أذناي ووعاه قلبي». فقال له رجل: «إن ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل وأن نقتل أنفسنا»، فسكت، ثم قال: «أطعه في طاعة الله، ولا تطعه في معصية الله». وهنا إشكال استشكل به أو أشكل على بعض أهل العلم في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس: «وإن استعمل عليكم عبد حبشي»، وجاء كذلك في حديث العرباض بن سارية الأمر بالسمع والطاعة وإن تأمر عبد حبشي. فكيف هذا مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الأئمة من قريش»؟ فأجاب العلماء على هذا بأجوبة، من هذه الأجوبة ما أجاب به الحافظ بن رجب رحمه الله في شرحه على صحيح البخاري، وتعليقه على هذا الحديث، فقال: «هذا الحديث معناه كمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة». هل يوجد مسجد كمفحص قطاة؟ الجواب: لا. ومعنى المبالغة في الحرص على المشاركة في بناء المسجد ولو بالشيء اليسير. كذلك المقصود المبالغة في الطاعة وإن استعمل من كان هذا وصفه، مبالغة في الطاعة وإن استعمل من هذا وصفه، وإن كان من هذا وصفه لا يكون أميرا، كما أنه لا يكون مسجد من مفحص قطاة. وفسر بتفسير آخر، وقيل: إن مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطاع الأمير ولو كان عبدا حبشيا، يعني استتب له الأمر، وإن كان في الأصل لا يجوز لمثله أن يكون أميرا، بل الأمراء من قريش. فإن استتب له الأمر واجتمعت الكلمة، فلا يجوز نزع يد من طاعة، ولو كان الذي تولى الإمارة فيه قصور في بعض الصفات، ما دام مسلما، فإنه في طاعة الله. وقيل في تفسيره كذلك ثالثا: أن المراد به ليس الإمام العظمى، ولكن المراد بها ما دون ذلك. والصحيح أنه حتى الإمارة الصغرى، فالأولوية لقريش، ولكن يحمل على المعنى الثاني إن لم يوجد في الإمارة الصغرى إلا عبد حبشي يصلح للإمارة، فإنه يؤمر كذلك. قال رحمه الله تعالى: باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول. قال: حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون». قالوا: «فما تأمرنا؟» قال: «فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». قال: أخرجه البخاري بكتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل. قال: حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون أثرة وأمور تنكرونها». قالوا: «يا رسول الله، فما تأمرنا؟» قال: «تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم». قال: أخرجه البخاري بكتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام. أورد رحمه الله تعالى هذين الحديثين في هذا الباب من كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول. وهذا أخص من الباب الذي قبله، لما ذكر الباب الذي قبله طاعة الأمراء في طاعة الله، وعدم طاعة في معصية الله، ناسب أن يذكر هؤلاء هاهنا من هم هؤلاء الأمراء الذين يطاعون، خصوصا إذا حصلت المنابذة والمخالفة. وفي الحديث مسائل من أهمها ما يتعلق بهذا الباب من وجوب طاعة الأمراء الأول فالأول، ومعنى الأول فالأول أي من كانت له الأولوية والسبق، فله البيعة وله الطاعة، فإن جاء الآخر أي بعده ينازع، ولو استتب له الأمر، لكن ما دام الأول ما زال موجودا وباقيا، وله إمرة وطاعة، وله كذلك من استتب له الأمر، فالثاني يعتبر مفارقا للجماعة، وطالبا مطالب بتفريقها، فيحق فيه ما تقدم في حديث عبد الله بن عمر: «فإن جاء من ينازع فاضربوا عنق الآخر». كائنا من كان، كما جاء في صحيح مسلم الحديث. وفيه كذلك ما يتضمن حرمة الخروج على ولاة الأمور، وأنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمور، فإن الخروج عليهم يعد كبيرة من الكبائر، بل قد يفضي إلى الكفر والعياذ بالله. وفيه كذلك أنه لا يجوز كذلك طلب ترك الخلافة والإمرة من ولي الأمر، فإن ذلك من معنى الخروج عليهم، ما دام مسلما، فإنه تجب طاعته، ولو حصل منه تقصير، حفظا لدماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم وقوتهم واجتماعهم، وحتى لا يتسلط عليهم الأعداء، فدرءا للمفاسد وجلبا للمصالح، أمر الإسلام بطاعتهم في طاعة الله، والبقاء في إمرتهم لاجتماع الكلمة، وقوة الإسلام والمسلمين. وفي هذا الحديث من المسائل إثبات أن السياسة من الشريعة، فسياسة الأمة والرعية من الدين، وقد كانت بني إسرائيل تسوسهم الأنبياء، أي تسير أمورهم وما يحتاجونه في أمر دولتهم واجتماعهم، وهذا من دين الله ومن شريعة الله. ففصل السياسة عن الدين مطلب كفري ومقصد جاهلي. وفيه كذلك بيان أن علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بذلك، وأنه عليه الصلاة والسلام لا نبي بعده، فقال: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». فالعلماء ورثة الأنبياء. وفيه كذلك أنه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء والمرسلين، ففيه التصريح بأنه لا نبي بعده ولا رسول.