الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 62، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تخلفت عائشة رضي الله عنها في غزوة بني المصطلق لبحث عقدها فلحق بها صفوان بن المعطل، فاستغل المنافقون وعلى رأسهم عبدالله بن أبي الموقف وأطلقوا الإشاعات الباطلة. مكثت عائشة مريضة شهراً لا تدري بما يُحاك حتى برأها الله بالوحي المنزل في سورة النور.
علمت عائشة بالافتراء فاستأذنت النبي للذهاب لأبيها، وشاور النبي علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، فأشار أسامة ببقائها لخيرهم، وسأل علي الجارية بريرة فشهدت ببراءة عائشة وعفتها. لم تجد بريرة على عائشة إلا صغر سنها ونومها عن العجين.
استعذر النبي من عبدالله بن أبي وطلب من يعذره، فكاد الأوس والخزرج أن يقتتلوا فهدأهم النبي، وبكت عائشة ليلتين ويوماً حتى خشي على كبدها. نزلت الآيات الكريمة تبرئها، وتاب أبو بكر واستمر في الإنفاق على مسطح، وشهدت زينب بنت جحش ببراءتها.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 11]، الآية من الحادية عشرة إلى الآية الثانية والعشرين، يعني ما يقارب اثنتي عشرة آية. هذا الحديث يبين سبب نزولها، يبين سبب نزولها. قال الإمام البخاري - وهو حديث طويل - سيذكر حديث الإفك، وطريقتنا إن شاء الله في أخذه وتراسته: نقرأ متنه أولاً، ثم نبين معناه وألفاظه، ثم نذكر الفوائد المستفادة من هذا الحديث. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود، وأفهمني بعضه أحمد، قال: حدثنا فليح عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص الليثي وعبيد بن عبد الله بن عتبة عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله منه. قال الزهري: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضاً. قال أهل الحديث: وهذا لا يعتمده العلماء إلا من مثل الإمام الزهري؛ لأنه إمام في الحديث. فمعنى كلام الإمام الزهري هذا: أنه جمع ألفاظ هذا الحديث من جماعة من شيوخه، فجمعه في حديث واحد، جمعه الإمام الزهري في حديث واحد ورتبه ونسقه، فقبله العلماء لأن جامعه جمعه إمام من أئمة الحديث وحافظ من حفاظهم، وهو الإمام الزهري. قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها أخرج بها معه. فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت معه بعدما أنزل الحجاب. فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه. فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل. فقمت حين آذن بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع. فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه. فأقبل الذين يرحلون بي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعير الذي أركب، وهم يحسبون أني فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام. فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج، فاحتملوه. وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا. فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي. فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت. وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، وأتاني، وكان يراني قبل الحجاب. فاستيقظت باسترجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ يده فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتين الجيش بعدما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة. فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول. فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهراً، والناس يفيضون من قول أصحاب الإفك. ويريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض. إنما يدخل فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم؟ لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت. فخرجت أنا وأم مصطح قبل المناصع متبرزنا، لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه. فأقبلت أنا وأم مصطح، فأقبلت أنا وأم مصطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، فقالت: تعس مصطح. فقلت لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ فقالت: يا هنتاه، ألم تسمع ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كيف تيكم؟ فقلت: أذن لي إلى أبواي. قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت أبواي، فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثر عليها. فقلت: سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا؟ قالت: فبت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله. فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيراً. وأما علي فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله - فدعا رسول الله، وسل الجارية تصدقك لتسكين القاف - فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: يا بريرة، هل رأيت فيها شيئاً يريبك؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمراً أغمصه عليها قط، أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين، فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، وقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة، سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، وكان احتملته الحمية، فقال: كذبت، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن حضير، فقال: كذبت، لعمر الله، والله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيان: الأوس والخزرج، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل وخفضهم حتى سكتوا وسكتت. قالت: وبكيت يومي، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتي ويوماً، حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي. قالت: فبينما هم جالسان عندي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي. فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهراً لا يوحى إليه في شأن شيء. قالت: فتشهد، ثم قال: يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة. وقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، فوقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لا تصدقوني. والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف، إذ قال: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]. ثم تحولت على فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحي، ولا أنا أحقر في نفسي من أن يتكلم القرآن في أمري، من أن يتكلم القرآن في أمري. ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها. فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحادر منه مثل الجمان، مثل الجمان أو الجمان عندك بتشديد الميم، الجمان. قال: حتى إنه ليتحادر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات. فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة، احمدي الله، فقد برأك الله. فقالت أمي: قومي إلى رسول الله. فقلت: لا والله، لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله. فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ﴾ الآيات. فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه -: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد ما قالوا لعائشة. فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النور: 22]. فقال أبو بكر: بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يا زينب، ما علمتِ؟ ما رأيتِ؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيراً. قالت: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع. قال: حدثنا فليح عن هشام بن عروة عن عائشة وعبد الله بن الزبير مثله. وقال: وحدثنا فليح عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر مثله. الحديث أخرجه البخاري في مواضع، ومسلم، والترمذي، وعبد الرزاق، وأحمد، وابن جرير، وابن إسحاق. نعم، ومعنى هذا الحديث: تخبر عائشة رضي الله تعالى عنها عما وقع لها من هذا الابتلاء. فقالت رضي الله تعالى عنها: أنها خرجت مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة. كان رسول الله سلم إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين أزواجه، يعني عمل قرعة، فمن طلع نصيبها خرجت معه في سفره. فكان في هذه الغزوة السهم لعائشة، فخرجت معه. فأقرع بينهن في هذه الغزوة، وهي غزوة بني المصطلق كما ذكر ذلك الشراح، وكان ذلك بعد ما أنزل الحجاب، والحجاب أنزل متأخراً، ففي العهد المكي وجزء من العهد المدني لم يكن حجاب النساء مشروعاً حتى نزل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ﴾ [الأحزاب: 59]. وهي أرادت من ذكر هذا ما سيأتي. قالت: فأنا أحمل في هودج، والهودج هو محمل عليه مثل القبة، ثم يستر بالكساء، فتجلس فيه المرأة، وهو أستر لها عند الركوب، يوضع على ظهر الجمل مثل القبة، قد يصنع من العيدان وجريد النخل أو من العيدان مثل القبة هكذا، ثم يغطى بالكساء، فتدخل فيه المرأة وتجلس فيه. فكانت تحمل في هذا الهودج، يحملها الرجال فيضعونها على الجمل وهي في هودجها، تدخل فيه فتحمل وتنزل كذلك وهي فيه. فهذا معنى قولي: فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه. قالت: فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل، قفل يعني رجع، بدأ في الرجوع إلى المدينة. ودنونا من المدينة يعني قربنا منها. آذن ليلة بالرحيل يعني أعلم الجيش أنه سيرحل، حتى يتجهز من له حاجة، من له ترتيب في راحلته أو نحو ذلك، فيعلمهم قبل الانطلاق. فهذا معنى قولي: ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل. فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، يعني لقضاء حاجتها، قامت تتجهز، قامت تتجهز لقضاء حاجتها. قالت: حتى جاوزت الجيش، يعني بعدت من الجيش. قضيت شأني يعني حاجتي. أقبلت إلى الرحل بعدما انتهت، جاءت إلى رحلها وإلى هودجها. قالت: فلامست صدري، فإذا عقد من جزع أظفار. جزع بفتح الجيم وسكون الزاي، وهو عبارة عن خرز، قيل أن هذه الخرز سوداء وفيها شيء من البياض، تجعل عقداً، والعقد هو ما يعلق على العنق، وهو من زينة النساء، من زينة النساء. فهذا العقد انقطع عليها وضاع، وهو من جزع أظفار. وعرفنا ما معنى جزع، عرفنا ما معنى جزع، وهي خرز سوداء فيها شيء من البياض. وأما أظفار، جاء جزع ضفاري نسبة إلى الضفار، وهي مدينة أو بلد في اليمن. وأما أظفار فقيل نسبة إلى الضفر، وهو يعني قطعة من الطيب، قطعة من الطيب تشبه الضفر، يشبه الضفر، ويريد أن هذه الخرز منه، مقطعة منه. نعم، هكذا جاء في شرحه. قالت: قد انقطع، يعني انقطع وضع عليها. قالت: فرجعت فالتمست عقدي، يعني تبحث عنهم، تبحث عن عقدها. قالت: فحبسني ابتغاؤه، يعني أخرني البحث عن هذا العقد. فأقبل الذين يرحلون بي، فاحتمل هودجي، ولم تكن فيه، ذهبت تبحث على عقدها، فجاء الرجال، والهودج كما ذكرنا يكون مستوراً باللباس، فجاء الرجال وظنوا أن عائشة في هذا الهودج، فحملوها إلى الراحلة، يعني إلى الجمل الذي تركبه. فهذا معنى قولها: فأقبل الذين يرحلون بي فاحتمل هودجي، يعني حملوه. فرحلوه يعني جعلوه في الراحلة على بعير الذي أركبوا، وهم يحسبون أني فيه، يعني يظنون أنها فيه، ما استنكروا ذلك، وبينت السبب عدم استنكارهم ذلك. قالت: وكان النساء ذاك خفافاً، لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، يعني كان النساء ضعيفات، ما فيهن وزن. فلما حمل الرجال الهودج لخفة عائشة ظنوا أن هذا الثقل، أو الثقل هو ثقل الهودج مع من فيه، ما استنكروا ذلك لأنها كانت ضعيفة. وإنما يأكلن العلقة من الطعام، عن الشيء اليسير من الطعام، فلم يكن بدينات وسمينات النساء في ذاك الزمان. قالت: فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج، فاحتملوه، ظنوا أن عائشة فيه، وهي تبحث عن عقدها. قالت: وكنت جارية حديثة السن، يعني كنت جارية صغيرة، إن صلى الله عليه وسلم تزوجها ودخل عليها وهي بنت تسع سنين، صغيرة، وهي كذلك رضي الله تعالى عنها خفيفة. قالت: فبعثوا الجمل وساروا، بعثوا الجمل يعني أقاموا الجمل وأثاروه ومشوا، يظنون أن عائشة في الهودج. قالت: فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، وجدت عقدها وقد مشى الجيش، مشى الجيش وتركوا المكان الذي كانت فيه. قالت: فجئت منزلهم وليس فيه أحد، جاءت فما وجدت أحداً من الجيش أبداً. قالت: فأممت منزلي، يعني قصدت المكان الذي كنت جالس فيه مع الهودج، تيممت، يعني قصدت المكان الذي كنت فيه. قالت: وظننت أنهم سيفقدون فيرجعون إلي، وهذا من ذكائها، ما شتتت بنفسها، ما هامت في الطريق وذهبت وحدها، لا، بقيت في مكانها الذي كانت فيه قبل أن ينطلق. قالت: فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي فنامت، أو فنمت، نامت في هذا المكان وما عندها أحد. قالت: وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، يعني كان متأخراً، كان معهم في الجيش هذا الصحابي الجليل صفوان بن المعطل، كان في مؤخر الجيش. قال العلماء: لعله أخره أمر، أو أنه من الساقة الذين يكونون خلف الجيش ليتفقدوا ما قد يتركه الجيش أو ينساه الجيش أو نحو ذلك، فكان متأخراً. قالت: فأصبح عند منزلي، مشى ماشياً، فإذا به رأى سواد إنسان نائم، رأى سواد إنسان نائم وما عنده أحد، وأتاني، يعني قربة من هذا السواد، وكان يراني قبل الحجاب، يعني عرف أن هذا النائم عائشة رضي الله تعالى عنها، وأنها وحدها. وقوله: وكان يراني قبل الحجاب، كما ذكرنا وذكرت هذا في أول الحديث، تريد أن تبين أن صفوان بن المعطل إنما عرفها لأنه كان يعرفها قبل الحجاب. قالت: فاستيقضت باسترجاعه، يعني لما رآها قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا يقال عند ماذا؟ عند المصيبة، وهذه مصيبة: زوجة رسول الله صلى الله عليه وحدها، ما عندها أحد في هذا المكان، فعلم أن القوم تركوها ونسوها، فاسترجع، فلما سمعت ذلك قامت واستيقضت. وهذا معنى قولها: فاستيقضت باسترجاعه، يعني بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون. قالت: حين أناخ راحلته، يعني لما رآها أناخ الراحلة، يعني أجلسها، فوطئ يده، لأن المرأة ما تقفز، إنما يجعلون يدها هكذا ممدودة ثم تطلع عليها إلى ظهر الجمل، فوطئ يده. قالت: فركبتها، ركبت هذا الجمل، فانطلق يقود بي الراحلة، يعني أمام الجمل يقود الجمل وعائشة رضي الله تعالى عنها على الجمل. قالت: حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا معرسين، يعني نزلوا في الليل، نزلوا في الليل، التعريس يسمى نزول الليل تعريساً، فنزلوا من الليل، فوصل صفوان مع عائشة في نحر الظهيرة، يعني في وسط الظهيرة. فهلك من هلك، أي أن بعض المنافقين لما رأوا صفوان ومعه عائشة، قذف الشيطان في قلوبهم شراً وظناً وإثماً، فقالوا: إن صفوان بن المعطل وقع بعائشة، عليهم من الله ما يستحقون، فاستغلوا ذلك، فهلك من هلك. سما الوقوع في هذه الفتنة هلك، لأن الوقوع في الفتن ورمي الأبرياء بما ليس فيهم هذا فتنة وهلاك، هلاك لمن يخوض في ذلك، ولمن يصدق ذلك. قالت: وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول، يعني الذي تولى هذا الأمر وأشاعه ونشره، وكذلك أذاعه، هو رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، لأن المنافقين يتربصون، يتربصون بالمؤمنين، فإذا رأوا خطأً أو زللاً أو شيئاً فيه يعني ضعف أو فيه مدخل لأن نيل من أهل الصلاح ومن أهل الإيمان، تبنوه ودخلوا منه لينال من المؤمنين. فالذي تولى كبر هذه الفتنة هو عبد الله بن أبي بن سلول، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 11]. من الذي تولى كبره؟ هو عبد الله بن أبي بن سلول. قالت: فقدمنا المدينة، يعني وصلنا إلى المدينة. قالت: فاشتكيت بها شهراً، يعني مرضت، لما جاءت المدينة مرضت شهراً كاملاً، والناس يفيضون من قول أصحاب الإفك، يعني مرضت وجلست في البيت، ولم تدري بما يدور، ما تدري رضي الله تعالى عنها أن الأمر كذا وكذا، وأنها قد قذفت وكذب عليها، ما تدري بهذا، لأن نساء المؤمنين موصوفات بأنهن غافلات، ومعنى غافلات يعني ما يعلمن بما يدور لقرارهن في بيوتهن، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ [النور: 23]، الغافلات يعني التي هن في بيوتهن، فما يعلمن ما يدور في الشارع وحوالي بيوتهن، فهي ما كانت تعلم رضي الله تعالى عنها. فمرضت شهراً في البيت، والناس يفيضون، يتكلمون، يخوضون من قول أصحاب له، وهي ما تشعر. إنما الذي أنكرته ماذا قالت؟ ويريبني، يعني يجعلني أشك في الأمر، ويريبني في وجعي، أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مرضت يتلطف معها ويجلس بجانبها ويواسيها، لكن في هذا المرض ما كان يفعل ذلك، ما كان يفعل ذلك، لأنه في نفسه عليه الصلاة والسلام، والأمر قد أشيع. وإنما ماذا يفعل؟ إنما يدخل فيسلم فقط، قل: السلام عليكم، ثم يقول: كيف تيكم؟ ومعنى كيف تيكم يعني كيف هذه، تي بمعنى هذه، اسم إشارة، فكان يقول: كيف تيكم؟ قالت: لا أشعر بشيء من ذلك، ما تدري ما يدور وما يتكلم به أو يتكلم به الناس. قالت: حتى نقهت، يعني تنشط قليلاً وبدأ المرض يزول وينتهي. قالت: فخرجت أنا وأم مصطح قبل المناصع، يعني موضع يتبرزون فيه، ما كان عندهم كنف، يعني موضع قضاء الحاجة في البيت، وإنما أمرهم أمر البدو، البدو والأعراق، فكانوا يقضون حوائجهم، وهذا موجود عند البدو إلى اليوم في بعض البوادي، يقضون حاجتهم في الوديان أو في خارج البيوت، وهذا معنى قولها: فخرجت أنا وأم مصطح، وأم مصطح قبل المناصع متبرزين، لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، لأنه أستر، فيقضون حاجتهم في الليل. قالت: وذلك قبل أن نتخذ الكنف، والكنف هو موضع قضاء الحاجة، فما كان عندهم ذلك في أول الأمر، ثم جعلوه بالقرب من البيوت ساتراً يقضى فيه الحاجة، قريباً من بيوتنا. وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، يعني في يقضون حاجتهم في البرية في الفضاء، أو في التنزه. قالت: قالت فأقبلت، فأقبلت أنا وأم مصطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها، يعني في ثوبها، سقطت أم مصطح، فقالت: تعس مصطح، وهو ولدها، طيب، وهو ولدها، وتعس سب، مثل يعني التعاسة، دعا له بالتعاسة، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد، نعم، المهم أن هذا فيه دعاء بالتعاسة وهو سب له، وهو ابنها. فتعجبت عائشة من ذلك، تعجبت من ذلك، فقالت لها: بئس ما قلتِ، مصطح صحابي، وهو كذلك ممن شهد معركة بدر، فقالت لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ كيف تسبين هذا الرجل وقد شهد بدراً وهو من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ فكيف تسبين؟ فقالت: يا هنتاه، يعني بمعنى هذه، ألم تسمع ما قال؟ لأن مصطح وقع في من وقع في هذه الفتنة، وكان يتحدث بشيء من ذلك، وهي غير راضية عنه، أمه غير راضية عن ذلك، فلذلك سبته. فقالت لعائشة: ألم تسمع ما قال؟ قالت عائشة: فأخبرتني بقول أهل الإفك، الآن سمعت بعد أكثر من شهر، علمت أن الناس يقولون فيها كذا وكذا. قالت لها أم مصطح: قالت فازددت مرضاً إلى مرضي، لا شك أن هذا سيؤثر عليها، هذا قذف في عرضها، في عرضها رضي الله تعالى عنها، وهي بريئة. قالت: فازددت مرضاً إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول سلام، فقال: كيف تيكم؟ كما هو عادة عليه الصلاة والسلام. قالت: فقلت: أذن لي إلى أبواي، استأذنت من زوجها ولم تكلفه بشيء، ولم تفتح له الموضوع، تريد أن تتأكد من هذا الخبر، وهذا فيه التثبت. فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إذن لي إلى أبواي، يعني أذهب إلى أبي وأمي، أبو بكر وأمها أم رمان. قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر، يعني أتأكد من الخبر من قبلهما، يعني أمها وأبها. قالت: فأذن لي رسول الله عليه وسلم، فأتيت أبواي، فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ يعني هل صحيح ما قيل في؟ فقالت أمها مهدئة لها: يا بنية، هوني على نفسك، يعني خففي على نفسك ما تتحملين، وما كذلك، يعني تصدق ماذا تحملين نفسك من الهم والغم ونحو ذلك. فقالت لها: هوني على نفسك الشأن، فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرنا عليها، يعني ذكرت لها شيء يخفف عنها. فقالت لها هذا من، يعني الضرائر، الضرائر جمع ضريرة، وهي الزوجة الثانية والثالثة، نعم، يعني النبي صلى الله عليه وسلم عنده أكثر من أربع زوجات، وهذا من خصائص. فقالت لها: لقل ما كانت امرأة قط وضيئة، يعني محبوبة وجميلة وحسناء، عند رجل، عند زوج يحبها، ولها ضرائر، يعني معه زوجات أخريات، إلا أكثرنا عليها، يعني أتين بشيء حتى يكرهها، حتى يكرهها زوجها. فقلت: سبحان الله، تعجبت من هذا، ولقد يتحدث الناس بهذا، يعني أكدت لها أمها صحة الخبر، أكدت لها أمها صحة الخبر. قالت: فبت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، يعني ازداد حزنها وهمها وبكاء وبكاؤها، حتى أنها باتت تلك الليلة لا يرقأ لها دمع، يعني لا ينقطع لها دمع، استمر في البكاء، طيب، ولا أكتحل بنوم، يعني ما نامت أبداً، بكاء مع استيقاظ، بكاء مع استيقاظ. قالت: ثم أصبحت، جاء الصبح، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، وعلي كان من أقرب الناس إليه، ابن عمه، وأسامة كذلك كان حب، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابن زيد بن حارثة. حين استلبث الوحي، يعني تأخر، يستشيرهما في فراق أهله. وهذا من باب الاستشارة، هم النبي عليه الصلاة والسلام بفراق عائشة، لكن لم يفعل ذلك، إنما عبارة عن أمر يريد أن يقدم إليه بعد علم وتأكد واستشارة، فشاور علياً وأسامة. فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، أي أنه رضي الله عنه يعلم ما عليه عائشة من الطهارة والعفة، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: أهلك، ومعنى أهلك هنا بالنصب مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: إلزم أهلك، وله وجه، يعني يمكن يكون له وجه فيقال: هؤلاء أهلك، لكن الأقرب كما ذكر ذلك بعض الشراح أنه بالنصب، أنه بالنصب: أهلك، يعني إلزم أهلك، لا تطلقهم، ولا نعلم والله إلا خيراً، ما نعلم عنهم إلا خيراً، ولا يوجد هناك دليل أو برهان على ما يقوله أهل الإفك، هذا معنى كلامه. وبالرفع يمكن يكون له وجه، وهو: هؤلاء أهلك، فيكون أهلك خبر، لكن الأقرب والله أعلم أنه بالنصب، لأنه يحثه على بقاء أهله وعدم فراقهم، وأما الإخبار فهذا أمر معلوم أنهم أهله، والله أعلم، هذا قول أسامة. قال: وأما علي فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، يعني قال العلماء: لما رأى علي من هم وغم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد علي رضي الله عنه أن يخفف على رسول الله، ولو أن يعني يفارقها، فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير. ومع هذا قال له علي: وسل الجارية تصدقك، والجارية هي بريرة كما سيأتي، وكانت خادمة تخدم رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم عند عائشة، فالخادمة تكون أقرب إلى يعني الزوجة لأنها في البيت، فقال له: سل هذه الجارية، هل رأت شيئاً من عائشة؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، هذه الخادمة، فقال: يا بريرة، هل رأيت فيها شيئاً يريبك؟ فرأيت في عائشة شيئاً، يعني ترتابين منه، تشكين فيها؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، ما رأيت منها شيئاً، فهي الطاهرة العفيفة رضي الله تعالى عنها. قالت: إن رأيت منها أمراً، يعني إن كان شيئاً رأيت منها، أغمصه عليها، يعني أجعله منقصة في حقها، قط، أكثر من أنها جارية حديثة السن، يعني صغيرة في السن، تنام عن العجين، يعني تعجن العجين، طيب، فتنام وتتركه مكشوفاً، فتأتي الداج، يعني الغنمة، فتأكله. فهذا لا يطعم في عرضها أو في طهرتها وعفتها، ما يطعم في ذلك، صح؟ إنما لصغر سنها تعجن العجين، فنام عنه، يأتي ألا تأتي الغنمة فتأكل هذا العجين. فأثنت عليها خيراً. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، معنى استعذر يعني طلب من الناس أن يعذروه، إن أوصل شراً بعبد الله بن أبي بن سلول، سوى كان بقتل أو بضرب أو نحو ذلك. فقال رسول الله عليه وسلم: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ يعني عبد الله بن سلول، ابن أبي سلول. فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً. وهذا الذي قاله الصادقون: علي بن أبي طالب، أسامة بن زيد، بريرة، وسيأتي زينب أيضاً، كل هؤلاء ما علموا عنها إلا خيراً، وإلا طهراً وعفافاً، رضي الله عنهم جميعاً. وقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وهو صفوان بن، ابن المعطل، هذا لا، من الصحابة أهل أجل، لا، ما علم عنه إلا خيراً، وحاشا أن يفعل ما قاله أهل الإفك. فقال: فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، وقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، ما شيء فيه ريبة أو فيه ظن أو نحو ذلك أبداً، رجل حي، رجل عفيف. فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، يعني سأفعل به ما تريد، إن كان من الأوس ضربنا عنقه. أو النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكر اسمه، إنما ذكر رجلاً، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم ظنوا أنه رجل آخر أو رجل لا يعلموه، فقالوا: إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. هذا قاله سعد بن معاذ، وهو أنصاري، أنصاري أوسي. فقام سعد بن عبادة، وهو من الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، وكانت احتملته الحمية، ومعنى احتملته الحمية: لما قال سعد بن معاذ: وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقال: كذبت، لعمر الله. سعد بن عبادة يقول لسعد بن معاذ: كذبت، لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن حضير، فقال: كذبت، لعمر الله، والله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. وليس منافق، وإنما أخذته شيء من الحمية. فثار الحيان: الأوس والخزرج، يعني كل واحد تعصب لجماعته، أو كل واحد يعني ثار مع قومه، حتى هموا، يعني هموا بالاقتتال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل وخفضهم، يعني هدأهم، هدأهم حتى سكتوا وسكتت. قالت عائشة: وبكيت يومي، في الليل وأيضاً في النهار، لا يرقأ لي دمع، لا ينقطع دمعي، ولا أكتحل بنوم، ما نامت، ولا شك أن هذا أمر يمس عرضها وشرفها وعفتها. قال: فأصبح عندي أبواي، جاء أبواها، أبو بكر وأم رومان. قال: وقد بكيت ليلتي ويوماً، حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي، يعني مقطع كبدي، يقطع كبدي، ليلتين، آه، طيب، أنا عندي ليلتي، عندك ليلتين، هذا لعله الصواب، وقد بكيت ليلتين ويوماً، حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي، يعني مقطع كبدي. قالت: فبينما هم جالسان عندي، يعني أبوها وأمها، وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، تواسيها، جاءت تواسيها، فبكت معها. قالت: فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس، ولم يجلس عندي من يوم