الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 94، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
نزلت سورة الحشر في بني النضير لنقضهم العهد، فحاصرهم النبي ﷺ ستة أشهر بعد بدر وأجلاهم إلى الشام بأمتعتهم دون سلاح، وكان ذلك أول حشر في الدنيا ونزلت فيه أوائل السورة، كما أمر النبي ﷺ بقطع نخيلهم وحرقها لإرعابهم وإذلالهم قبل نزولهم على حكمه.
فسر المقطع "اللين" بالنخلة، وبين أن الآية ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ نزلت حين قطع المسلمون وحرقوا نخيل بني النضير فأنكر اليهود ذلك، فأنزل الله الآية مقراً فعلهم ومؤكداً أنه بإذنه وقدره ورضاه، فلا إثم فيما قطعوه ولا فيما تركوا، مستعرضاً روايات متعددة عن ابن عباس وغيره بتصحيح الأئمة.
أوضح المغلطاي أن حديث قطع النخيل رُوي عن ابن أبي حاتم وابن مردويه، واعتبره شيخه حجة فلم يُنبّه على ضعفه، مؤكداً أن الرواية الثانية ثابتة ومقاربة في المعنى للحديث الوارد في الصحيحين.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: سورة الحشر. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل: "ومنهم"، حتى ظنوا أنها لم تبقَ أحدًا منهم إلا ذُكر فيها. قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر. قال: قلت: سورة الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير. أورد شيخنا هذا الحديث ليبين أن سورة الحشر نزلت في بني النضير، وبنو النضير هم إحدى قبائل اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة، فكانت هناك بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو قينقاع يسكنون المدينة. فالنبي عليه الصلاة والسلام اصطلح معهم على أن يسكنوا ولا يغدروا، ولا كذلك يحاربون، وإنما يسكنون المدينة دون أذى للمسلمين. ولكن اليهود عُلم عنهم الغدر والمكر والعداوة والبغضاء، فلا يزالون ينقضون العهد والميثاق، حتى أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة قبيلةً قبيلة. وقوله في هذا الحديث: "قلت لابن عباس: سورة التوبة"، يعني: في ماذا نزلت؟ قال: "التوبة هي الفاضحة"، من الفضح؛ لأنها فضحت المنافقين. سورة التوبة تسمى بالفاضحة لأنها فضحت المنافقين، ولذلك قال: "ما زالت تنزل"، يعني: تنزل آياتها، آيات هذه السورة، "ومنهم"، يعني: كم آية في سورة التوبة فيها "ومنهم": "من عاهد الله"، و"منهم من يلمزك في الصدقات"، و"ومنهم"، و"منهم"، آيات كثيرة يذكر فيها هذا الأمر الذي يعود على المنافقين، ففضحتهم، وبينت شرهم ومكرهم وعداوتهم للمسلمين، حتى ظنوا أنها لم تبقَ أحدًا منهم إلا ذُكر فيها، خافوا وارتعبوا لأنها فضحتهم. قال: قلت: سورة الأنفال، في ماذا نزلت؟ قال: نزلت في بدر؛ لأن فيها أحداث غزوة بدر. قال: قلت: سورة الحشر، يعني: في ماذا نزلت؟ قال: نزلت في بني النضير. من أولها إلى آيات كثيرة منها نزلت في هؤلاء، لما حاصرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ناحيتهم التي كانوا يسكنونها، وذلك بعد غدرهم وإظهار عداوتهم للمسلمين، فحاصر النبي عليه الصلاة والسلام حصونهم وديارهم وأرضهم، فظنوا أنهم يتحصنون فيها وأن المسلمين لا يقدرون عليهم، ولكن نصر الله عز وجل أهل الإسلام عليهم، فطلبوا المنازلة، أي: حكم المسلمين فيهم، فحكم فيهم النبي عليه الصلاة والسلام -كما سيأتي معنا- أن يجليهم عن المدينة، يعني: يخرجهم منها، وأن يأخذوا من زادهم وأموالهم ما تحمله رواحلهم، رواحلهم من الأمتعة والأموال، وأن لا يأخذوا من السلاح شيئًا. نعم، يأخذوا من الأمتعة ما شاءوا إلا السلاح، لا يأخذون منه شيئًا. فنزلوا على هذا الحكم، فأجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام، ونزلت هذه السورة: ﴿سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 1-2]. قال: الحديث أخرجه مسلم أيضًا، فهو في البخاري ومسلم. ثم قال: قال الحاكم رحمه الله: أخبرني أبو عبد الله محمد بن علي الصنعاني بمكة، قال: حدثنا علي بن المبارك الصنعاني، قال: حدثنا زيد بن المبارك الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود -يعني: جماعة-، تقدم معنا أن اليهود كانوا ثلاث طوائف وقبائل، ومنهم بنو النضير. قالت: كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، يعني: وقعت هذه الغزوة بعد وقعة بدر، يعني: بعد غزوة بدر. وكان منزلهم ونخلهم بناحية المدينة، يعني: في طرف من أطراف المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لنقضهم العهد والميثاق والمصالحة فيما بينهم وبين المسلمين، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء، يعني: على الخروج من المدينة والذهاب إلى الشام، ذهبوا إلى أرض الشام. قال: وعلى أن لهم ما أقلت الإبل، يعني: ما حملت، ما أقلت يعني: ما حملت الإبل، يعني: الموجود معهم التي يملكونها من الأمتعة والأموال، يعني: يأخذون ما تحمله إبلهم فقط، وما عجزت عن حمله فهو غنيمة للمسلمين، إلا الحلقة، يعني: السلاح، يعني: لا يأخذون معهم السلاح، ولعل الحكم بهذا بأن السلاح يُقاتل به، يُقاتل به، فحتى يخرجون، يخرجون عُزّلًا من غير قوة، حتى لا ينقلبوا على المسلمين، ولربما قتلوا المسلمين، فجردهم النبي عليه الصلاة والسلام من السلاح، جردهم عليه الصلاة والسلام من السلاح، فعل هذا هو الحكمة والله أعلم. قال: فأنزل الله فيهم: ﴿سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، لقوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾، الآيات، من أول سورة الحشر. قال: فقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى صالحهم على الجلاء، والمقاتلة المراد بها المحاصرة، وهو نوع من أنواع القتال، إذا أردت أن تغلب العدو وتستطيع محاصرته بحيث لا يخرج ولا يدخل له شيء من الزاد أو من الطعام، فإذا ضاقت عليه المعيشة وضاق عليه الحال استسلم ونزل على حكم المسلمين. قال: فقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى صالحهم على الجلاء، يعني: الخروج من المدينة، وهذا فيه مصلحة عظيمة، وهي أن يخرج هؤلاء من غير سلاح، فيأمن المسلمون من قتالهم، ثم تتطهر المدينة منهم، فإن وجودهم بين المسلمين فيه خطر على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى المسلمين، فلذلك حاول اليهود وهم في المدينة قتل النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن الله عز وجل يخبر نبيه ويرد كيدهم في نحورهم، وإلا فقد حاولوا مرارًا وكرات قتل النبي، قتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا فيه مصالح عظيمة، كونهم يخرجون من المدينة ويذهبون إلى الشام، وهذا أيضًا أمر آخر. قال: فأجلاهم إلى الشام، والشام بعيد من المدينة، لم يكن لم يكن أجلاهم في مكان قريب حتى لربما ضايقوا المسلمين وتقووا عليهم، لا، إنما أجلاهم إلى مكان بعيد، إلى الشام، إلى الشام. قال: فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من صُلب، يعني: من فخذ من فخائد اليهود، أو من قبيلة من قبائل اليهود، لم يصبهم جَلا فيما خلا، يعني: لم يكن قد أجلوا من قبل، إنما هذه أول مرة يجلون ويخرجون من المدينة. قال: وكان الله قد توب عليهم ذلك، يعني: أنهم سيجلون، ولولذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، فالجلاء خير لهم، الجلاء خير لهم، فلم يقاتلهم النبي عليه الصلاة والسلام ولم يسبي نساءهم، فخرجوا جميعًا بنسائهم وأطفالهم ورجالهم، وما استطاع حمله من أمتعتهم. قال: وأما قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾، فكان جلاءهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام، يعني: أول جلاء، الحشر هنا بمعنى الجلاء، ولذلك سميت أرض المحشر بهذا؛ لأن الناس يجلون إليها، بمعنى: يُحشرون إلى هذه الأرض جميعًا، إلى هذه الأرض جميعًا جميعًا. فهذا ظاهر في سبب نزول أول هذه الآيات من سورة الحشر، وأنها نزلت في بني النضير، طائفة من اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة. قال شيخنا: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، كذا قال الحاكم. هذا قول الحاكم: أن هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. قال: والحديث صحيح، ولكنه ليس على شرطهما؛ لأنهما لم يخرجا لزيد بن المبارك ومحمد بن ثور، فهذه من أوهام الحافظ، أنه قال عن هذا الحديث: إنه على شرط الشيخين. ومعنى "على شرط الشيخين": أن رجال هذا الحديث رجال الشيخين، وبنفس السياق، وبنفس السماع، سماع الشيخ من الطالب، لكن سماع الطالب من الشيخ، لكن في هذا الحديث هناك من الرواة من لم يخرج لهم البخاري ومسلم، كما ذكر شيخنا، وهو زيد بن المبارك ومحمد بن ثور، فهذا من أوهام الحاكم. قالوا: الحديث، ورواه البيهقي في دلائل النبوة. قال: قوله: سبب نزول قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: 5]. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا آدم، قال: حدثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير، وقطع، وهي البويرة، فنزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ومعنى ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما حاصر بني قريظة... لما حاصر بني النضير، وتحصنوا في حصونهم، أراد عليه الصلاة والسلام أن يرعبهم، وأن يرهبهم، وأن يهينهم، فحرق بعض نخلهم، فحرق بعض نخلهم وهم يرون ذلك، هذا عند المحاصرة، وقبل أن ينزلوا على حكم المسلمين، على حكم المسلمين. فمعنى قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾، أي: من نخلة، اللين هنا فُسِّر بالنخلة، وإن كان اللين هو نوع من أنواع ثمر النخيل، مثل العجوة والبرني وغيرها من أنواع ثمر النخيل، فمن أنواع ثمر النخيل اللينة، لكن هنا ذكرت الثمرة وأريد بها النخلة كاملة، إنه الذي وقع عليها القطع والحرق، النخلة هي التي وقع عليها القطع والحرق، فقوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾، أي: من نخلة، أو حرقتم هذه النخلة، أو تركتموها قائمة، يعني: لم تحرقوها، كل ذلك بإذن الله، أي: أن الجميع بإذنه سبحانه وتعالى ومشيئته وقدره ورضاه. وقد ذكر بعض المفسرين أن اليهود لما رأوا ذلك أنكروا على المسلمين، قالوا: كيف أنتم تدعون أنكم أهل صلاح وأهل إصلاح، فكيف أفسدتم في نخيلنا وفي أموالنا بالحرق والقطع؟ فكأن الصحابة حاك في صدورهم، يعني: شعروا بشيء من الحرج في قطع الأشجار أو في حرقها، فأنزل الله عز وجل قوله، فأنزل الله عز وجل قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: أن الجميع بإذنه ومشيئته وقدره ورضاه، أي: أنه سبحانه وتعالى راضٍ عن هذا، ومن قطع وحرق فليس عليه حرج، وليس عليه إثم، كما سيأتي في الرواية الأخرى تبين هذا المعنى، فكل ذلك بإذن الله، وهذا فيه نكاية بالعدو، وفيه كذلك خزي لهم وإرغام لأنوفهم، أن الله عز وجل أقرّ الصحابة على هذا الفعل، وبين أنه بإذنه وقدره ورضاه سبحانه وتعالى، فهذا هو معنى هذه الآية وهذا الحديث. وأما قوله: ﴿وَهِيَ الْبَوِيرَةُ﴾، البويرة هي جميع النخل، جميع هذا النخل يقال له بويرة، فقطع من هذه البويرة، وحرق من هذه البويرة، أي: من جميع هذا النخل، وترك بعضها فلم يمسها بشيء، لا بحرق ولا بقطع، فهذا معنى قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾، أي: من نخلة، أو تركتموها قائمة، فلم تمسوها بشيء، كل ذلك بإذن الله وقدره ورضاه سبحانه وتعالى. قال: الحديث ذكره أيضًا في كتاب التفسير، وأخرجه مسلم والترمذي، يعني: أن البخاري أخرجه في عدة مواضع، وهو كذلك في مسلم، قال: والترمذي، وقال في الموضعين: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود، وأحمد، وابن جرير، والبيهقي في دلائل النبوة. قال الإمام الترمذي: رواية أخرى فيها زيادة بيان وتوضيح. قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: أخبرنا حبان، قال: أخبرنا حفص بن غياث، قال: أخبرنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قول الله عز وجل: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾، قال: اللينة النخلة، وهذا تقدم معنا، ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، قال: استنزلوهم من حصونهم، يعني: ينزلوا ويحكم فيهم بحكمهم، قال: وأمروا بقطع النخل، أي: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم بذلك، أمر الصحابة، فحك في صدورهم، بمعنى: حك في صدورهم، يعني: وجدوا حرجًا في ذلك وتأثموا، قال: فقال المسلمون: قد قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا، فلنسألن رسول الله، فلنسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لنا فيما قطعنا من أجر، وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ يعني: لم نقطعها كلها، فلعل الذي تركناه ولم نؤتمر في قطعه نأثم على ذلك، لأننا لم نؤتمر بما أمرنا به، فكأنهم وجدوا في نفوسهم، فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فأقرهم ربنا سبحانه وتعالى على هذا، وهذا، فليس فيما تركوه إثم، هذا معنى الحديث. قال: هذا حديث حسن غريب، وروا بعضهم هذا الحديث عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير مرسلًا، يعني: دون ذكر ابن عباس، ولم يذكر فيه عن ابن عباس، لكن الشيخ هنا كأنه رحمه الله تعالى يرى الحديث الموصول الذي جاء فيه ذكر ابن عباس، لأنه قال: "وروا بعضهم"، ولم يذكر من هؤلاء، وهل هم أكثر عددًا ووصفًا ممن رووه بالوصل، فلذلك سكت عنه الشيخ رحمه الله. قال: حدثني بذلك عبد الله بن عبد الرحمن، عن مروان بن معاوية، عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا. قال أبو عيسى: سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث. قال: الحديث أخرجه النسائي من التفسير، فقال رحمه الله: أنبأنا الحسن بن محمد، عن عفان، قال: أخبرنا حفص بن غياث به، وقال في آخره: كان عفان حدثنا بهذا الحديث عن عبد الواحد، عن حبيب، رجع فحدثناه عن حفص. زاد المغلطاي بتحفة الأحوذي: نسبة الحديث إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، هذا زيادة تخريج لهذا الحديث، وإلا فالحديث على حكم شيخنا، كأنه يحتج به، ولذلك أورده هاهنا، ولم ينبه على ضعفه، فالحديث الثاني بالرواية الثانية ثابتة، وهي قريبة من معنى الحديث الأول الذي هو في الصحيحين. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.