الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه في جواز الكلام في الصلاة قبل نزول آية ﴿حافظوا على الصلوات﴾، ثم نسخ ذلك بالأمر بالسكوت والخشوع. كما يبين معنى القانتين بالخشوع لا القنوت، ويحدد الصلاة الوسطى بصلاة العصر مستنداً إلى حديث غزوة الأحزاب.
يناقش الشيخ رواية ابن عباس في النهي عن الكلام في الصلاة مبيناً اضطراب سندها عند عكرمة، مع تواضعه في ذكر كنيته. ويستشهد بأحاديث زيد بن أرقم وابن مسعود المؤيدة للمضمون، وينقل إشكال ابن كثير حول توقيت التحريم.
يوضح الإشكال الزمني في حديث ابن مسعود الذي ورد قبل الهجرة إلى المدينة، بينما آية ﴿وقوموا لله قانتين﴾ نزلت بعدها. مما يثير تساؤلاً حول ترتيب ورود الحديث والآية وتاريخ تشريع تحريم الكلام.
حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمر الشيباني، عن زيد بن أرقم، قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم أحدنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت. قال: الحديث عزاه الحافظ السيوطي في "لباب النقول" إلى الستة، وهو عند الترمذي بلفظ: "فنزلت"، وكذا عند أبي داود بلفظ: "فنزلت"، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده. وما المراد بالستة؟ ما يراد: ستة: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. نعم، وشيخ بدأ بحديث البخاري. ومعنى هذا الحديث: يقول زيد بن أرقم رضي الله عنه: كنا نتكلم في الصلاة، مع أنهم يصلون، لا يتقيدون بأذكار أو بأقوال الصلاة فقط، وإنما يمكن أن يتكلم المصلي بغير أقوال الصلاة. ولهذا معنى قول: "كنا نتكلم في الصلاة، يكلم أحدنا في حاجته"، يعني في أشياء خارج الصلاة. فنزلت هذه الآية، والشاهد منها: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. لأن معنى قانتين، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: أي خاشعين، ذليلين، مستكينين بين يدي الله. وهذا التفسير وهذا المعنى مستلزم لترك الكلام في الصلاة، لأن الكلام مناف للخشوع والذل والطمأنينة، ينافي ذلك. إلى السنة... أنا عندي "إلى الستة" بنقطتين، ماذا عندك؟ السنة؟ كل النسخ السنة؟ عندك السنة والستة؟ الظاهر أنه الستة. السنة؟ ماذا المراد بالسنة؟ سنة ابن أبي عاصم وماذا؟ لا، والذي يظهر، والذي يظهر والله أعلم: الستة، بدليل أن الحديث رواه البخاري، وهو عند الترمذي، وعند أبي داود، وعند أحمد، والله أعلم. كل النسخ السنة؟ هذا عند السنة والستة؟ الستة نفس النسخة هذه، وهذا النسخ واحدة، كلها عندك الستة والسنة. انظر كيف دقت اللغة العربية: نقطة واحدة غيرت المعنى، نقطة واحدة غيرت المعنى. عنده السنة أيضا، وهذا نسخة أخرى. إذن إن شاء الله يراجع في النسخة الجديدة. عندك السنة؟ هذه نسخة قديمة، لعل وهذه قديمة أيضا. هذه الجديدة، وهذه جديدة، هذه نفس هذه السنة. أنا عندي هنا نقطتين: الستة. فقلنا: معنى الحديث، لأن معنى قانتين: أي خاشعين، ذليلين، مستكينين بين يدي الله. وهذا المعنى مستلزم لترك الكلام، لأن الكلام ينافي الخشوع والسكينة والطمأنينة. ولذلك قال: "فأمرنا بالسكوت"، يعني في غير أقوال الصلاة، في غير أقوال الصلاة. وخطأ من يفسر "قانتين" بالقنوط الذي يكون في الصلاة بعد الركوع، كما استدل بذلك بعض الشافعية. فإن القنوط له معان كثيرة، له معان كثيرة: فيأتي بمعنى طول القيام، ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾، يعني: أطيلي القيام بين يدي الله. وهكذا في هذا المعنى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ يعني: خاشعين. وقد يأتي بمعنى الدعاء بعد الركوع في الصلاة، كقُنُوط الوتر أو النوازل. جاء في الحديث: «النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت». ولكن في هذه الآية المراد به: الخشوع والاستكانة والذل بين يدي الله، لأن سياق الآية يدل على ذلك. فلذلك قال الصحابي: "فأمرنا بالسكوت"، لأن الكلام ينافي القنوط الذي هو بمعنى الخشوع. وأما ما استدل به الشافعية على قنوت الفجر، وأن الصلاة الوسطى هي صلاة الفجر، فليس عليه دليل. بل الدليل الذي جاء في تحديد الصلاة الوسطى، كما في الصحيح، يدل على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، كما في الصحيحين: لما تأخر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العصر في غزوة الأحزاب، وصلاها بين العشاءين، بين المغرب والعشاء، فدعا على المشركين، عليه الصلاة والسلام، فقال: «أشعل الله قبورهم نارا، لقد أشغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر». هكذا جاء الحديث، فهذا نص بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وليست صلاة الفجر. وأما ما جاء من حديث أنس في قوله: «لا يزال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت حتى فارق الدنيا»، فهذا حديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ضعفه أهل الاختصاص: الشيخ الألباني وغيره من علماء الحديث. هي نفسها: الأحزاب والخندق، اسم واحد. سميت الأحزاب لأن الأحزاب تجمعوا، فيقال لها: غزوة الأحزاب، ويقال لها: غزوة الخندق، لأن الصحابة حفروا خندقا في الجهة التي يخشى أن يدخل منها المشركون، فيقال لها: غزوة الخندق، وغزوة الأحزاب. الأحزاب. ثم قال شيخنا: وقال الطبراني رحمه الله في "الكبير": حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، وهذا يدلك على أن الحضارم كان منهم محدثون وعلماء. قال: حدثنا أحمد بن جواس، قال: بالحاء المهملة، وصواب الجيم المعجمة من تحت، كما في التقريب. وصواب: أحمد بن جواس. عندكم: جواس أو حواس؟ جواس. قال: حدثنا أحمد بن جواس الحنفي، قال: حدثنا أبو الأحواص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس. وإذا روى عكرمة، فهذه الرواية فيها الاضطراب، كما حكم على ذلك علماء العلل، كما سيأتي من كلام شيخنا. قال: قال، عن، كما عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، يجيء خادم الرجل إليه وهو في الصلاة، فيكلموه في حاجته، فنُهُوا عن الكلام. قال أبو عبد الرحمن: وهذا من تواضع شيخنا رحمه الله، ما يقول: "قلت"، كما بعض الآن الكُتّاب يقول: "قلت كذا وكذا"، هذا فيه شيء من تعظيم النفس والرفع من شأنها. شيخنا ما يقول هذا في كتبه، ما يقول: "قلت"، لا يقول: "قال أبو عبد الرحمن". من أبو عبد الرحمن؟ يعني نفسه، كنية أبي عبد الرحمن. وقد نبه في بعض دروسه على ذلك رحمه الله، وهذا من تواضعه وهضمه لنفسه. الآن تجد طالب علم صغير يذكر كلام العلماء ثم يقول: "قلت، والصواب كذا وكذا"، ما شاء الله! شيخنا ما يقول: "قلت"، قال: "أبو عبد الرحمن" يأتي بكنيته. قال أبو عبد الرحمن: الحديث من طريق سماك عن عكرمة، ورواية سماك عن عكرمة فيها الاضطراب، ولكن الحديث في الشواهد كما ترى، فيغني عنه الحديث الذي قبله، فهو بمعنى حديث زيد بن أرقم، بمعنى حديث ابن عباس: كانوا يتكلمون في الصلاة. وهذا قال: "كنا نتكلم في الصلاة" في رواية زيد بن أرقم: "يكلم أحدنا أخاه"، وفي رواية ابن عباس: "يجيء خادم الرجل إليه وهو في الصلاة فيكلم في حاجته"، وهو بمعنى الحديث المتقدم، فهو في الشواهد، ولذلك أورده شيخنا هنا رحمه الله. قال شيخنا: تنبيه. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: وقد أشكل هذا الحديث على جماعة من العلماء، حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلى المدينة، وبعد الهجرة إلى أرض الحبشة، كما دل على ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح: قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن نهاجر إلى الحبشة، وهو في الصلاة، فيرد علينا. قال: فلما قدمنا، فسلمت عليه، فلم يرد علي، فأخذني ما قرب وما بعد. فلما سلم، قال: «إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث: ألا تتكلموا في الصلاة». ما هو وجه الإشكال؟ وجه الإشكال: أن حديث ابن مسعود كان قبل الهجرة إلى المدينة، والآية ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ التي ورد فيها الن