الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 15، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض المقطع الوصية الباجية مؤكداً على لزوم الصدق واجتناب الكذب مستدلاً بالحديث النبوي: «عليكما بالصدق فإنه زين، وإياكما والكذب فإنه شين». ويبين فضائل الصدق وعاقبة الصادقين من خلال الآيات والأحاديث، محذراً من عواقب الكذب ومنها عدم قبول قول الكذاب حتى لو صدق.
يبرز المقطع فضيلة الصدق من خلال قصة الثلاثة الذين خلفوا، ويحذر من الكذب بوصفه من خصال النفاق وكبائر الذنوب الموردة للنار. كما يوضح الفرق بين الكذب المحرم والتورية المباحة مستشهداً بفعل أبي بكر رضي الله عنه، ويؤكد على وجوب أداء الأمانة والوفاء بالعهد.
يؤكد المقطع على وجوب حفظ الأمانة وعدم التصرف فيها بغير إذن، مع وجوب إيفاء الكيل والميزان كاملين لأن النقص فيهما مقت ونقص في الدين والسمعة. ويختتم بالتمهيد لبيان تحريم سفك دماء المسلمين والتحذير من الإرهاب في الدرس القادم.
يعلن المتحدث انتهاء المقطع الحالي والجلسة العلمية، ثم يختم بالتسبيح والاستغفار والدعاء بالتوبة قائلاً: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ليكون ختاماً طيباً لمجلس العلم والذكر.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أخذنا في الوصية الباجية، وصية بالوليد لولديه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك طاعة ولي الأمر في غير معصية الله عز وجل. وذكرنا الأدلة من الكتاب والسنة على ما ذكر رحمه الله. ثم قال: التزام الصدق واجتناب الكذب مما أوصى به، أن يلتزم الصدق ويجتنب الكذب. قال: «وعليكما بالصدق فإنه زين، وإياكما والكذب فإنه شين»، وهي عكس وضد كلمة زين. وقد وردت هذه في بعض الأحاديث. هاتان الكلمتان عربيتان فصيحتان. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن مدحي زين وذمي شين. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ذاك الله، ذاك الله عز وجل». فإذا كلمة الشين: الشيء المعيب غير الجيد. قال: «وإياكما والكذب فإنه شين». ومن شهر بالصدق فهو ناطق محمود، ومن عرف بالكذب فهو ساكت مهجور مذموم. من اشتهر بالصدق فهو ناطق محمود، يعني بين الناس يُعلى ذكره، كما علا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام واشتهر. فإذا جاء عليه الصلاة والسلام قيل: هذا الصادق المصدوق، لأنه ما علم عنه كذب قط عليه الصلاة والسلام. فاشتهر بالصدق بين الناس، فهذا محمود. فصاحب الصدق يعرفه الناس، فقد كما قيل: يصدق الكذب، أو بالعكس، لكن هذا نادر. فالشخص يجعل ديدنه الصدق، لأن الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. كونوا مع الصادقين. فالصدق محمود، وفضائله كثيرة. وبوَّب له النووي رحمه الله باباً كاملاً، باب الصدق، وذكر الأدلة من الكتاب والسنة على هذا الأمر. فالصدق محمود، ومن اشتهر بالصدق في الناس فهو له زين، ومن عرف بالكذب فهو ساكت مهجور مذموم، يهجوره الناس ويذمونه. الكذاب الذي يكذب ثم لو صدق مرة لما صدقه الناس. قد يصدق الكذاب كما قيل في الأمثلة، لكن الناس اعتادوا منه الكذب. فإذا اعتاد منه الناس الكذب لن يصدقوه ولو كان صادقاً، يعني في ذلك الأمر الذي أخبر به. قال: وأقل عقوبات الكذاب أن لا يقبل صدقه. قد يكون صادقاً في بعض المرات، لكن لما عرف بالكذب عقوبة له أن الناس ما يقبلونه. قال: ولا يتحقق حقه. وما وصف الله تعالى أحداً بالكذب إلا ذاماً له، ولا وصف الله تعالى أحداً بالصدق إلا مادحاً له ومرفعاً به. ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. هذا من ثمار الصدق وعاقبة الصدق. فالله عز وجل قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. وأول من صدق به وآمن هو أبو بكر، فيدخل في هذه الآية العظيمة رضي الله عنه وأرضاه. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، هذا مدح من الله عز وجل بأنهم أهل تقوى. فأهل الصدق أهل تقوى، وأهل الكذب بخلاف ذلك، ما عندهم تقوى. الذي يكذب ما عنده تقوى. لهذا المسلم يتحرى الصدق، ولا يجادل الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً. يكتب صديق عند الله عز وجل، يتحرى يريد الصدق حتى ولو كان عليه، حتى ولو كان الأمر عليه عليه. والصدق عاقبته حميدة، ومن جاء من المهالك... من جاء ينجي الله سبحانه وتعالى أهل الصدق، كمن قال كعب: لو كذبت مثل أولئك المنافقين لهلكت، لهلكت. ولكنه صدق، كان صادقاً فيما قاله للنبي عليه الصلاة والسلام أنه تخلف، ما عنده عذر. ولو اعتذر بشيء مثل ما اعتذر أولئك لقال له النبي: اذهب، وصدقه عليه الصلاة والسلام. لكن الوحي جاء وأطلع الله عز وجل نبيه الصادقين من الكاذبين، فكانت ثلاثة الذين خلفوا هم الصادقون، هم الصادقون، وابتلوا وامتحنوا، فكانت عاقبة الصدق لهم حميدة أن تاب الله عز وجل عليهم، فكان قرآناً يتلى، وغفر الله لهم. وأولئك هلكوا، المنافقون الذين كذبوا واعتذروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلفوا عنه. فتاب الله عن الصادقين، وغفر الله عز وجل للصادقين، وجعل عاقبتهم حميدة في الدارين. لهذا ينبغي على المسلم أن يلتزم الصدق، ويجعل شعاره الصدق، ويجتنب الكذب. فإنها خصلة مذمومة، وهي أيضاً من خصال النفاق. آية المنافق كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». هذه آية المنافق. وأيضاً في بعض الأحاديث: «وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر». فليست محصورة في الثلاث، بل هي خمس. هذه من آيات النفاق، ومنها الكذب. الذي يتعود مرسخه الكذب والعياذ بالله فيه خصلة من هذه الخصال، خصلة عملية من خصال النفاق. فإذا اعتقد أن الكذب حلال صار ماذا؟ صار يعتقد أمراً محرماً، اعتقد أمراً محرماً، مثل الذي يقول: الخمر حلال، الزنا حلال. كذب كبيرة من كبائر الذنوب. والكذب عليه عقوبة في الآخرة. الذي يكذب ويتحرى الكذب يكتب عند الله كذاباً. وإن عقبة الكذابين في الجنة أو في النار؟ عقبة الكذابين في النار. لأن الكذب ليس من صفات المؤمنين أهل الإيمان، وإنما هم من صفات الكفار، ومن صفات أهل النفاق الذين ذمهم الله عز وجل في القرآن العظيم. فآيات كل في المكذبين. فانظر كيف كان عقبة المكذبين. يقول الله: عقوبتهم في الدنيا بالهلاك والدمار، وعقوبتهم في الآخرة بالنار. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. الذين يكذبون على الله سبحانه وتعالى، يقولون: هذا حلال وهذا حرام، يكذبون، وهو ليس بحلال ولا بحرام، ما عندهم شيء. فهذا أعظم الكذب. أعظم الكذب أن يفتري الإنسان على الله سبحانه وتعالى الكذب، ويحلل ويحرم من هواه وليس عنده شيء من العلم. لهذا يحذر رحمه الله من ماذا؟ من الكذب. فكن يا أيها المسلم ديدنك الصدق، واحذر من أن تخالطك شيء. وإذا كذبت فتب إلى الله سبحانه وتعالى، فإن الله قد فتح باب التوبة. لكن هناك مما أجازه الشرع في الإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، والحرب خدعة. هذا مما أجازه الشرع، يجوز ذلك، يجوز ذلك، ويستخدم المسلم فيما يسمى المداراة. استخدم ماذا؟ المداراة والتورية. والتورية: أبو بكر رضي الله عنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى المدينة، رآه بعضهم فقالوا له: من هذا الذي معك؟ يعرفون أبا بكر. فقال: هذا هادٍ يهديني السبيل. هادٍ يقصد الرسول. ما قال لهم: محمد. ما قال لهم: محمد. لأنه لو قال لهم بالاسم لأخبروا به قريش، وكانوا في الأثر. فقال أبو بكر: هذا هادٍ يهديني. أوليس الرسول بهادٍ؟ بلى، هادٍ. فاستخدم التورية. فالمسلم يستخدم التورية ولا يستخدم ماذا؟ الكذب. قال: وأداء الأمانة. وعليكما بأداء الأمانة، وإياكما والإلمام بالخيانة. أدي الأمانة إلى من ائتمنكما، ولا تخونا من خانكما. وأوفيا بالعهد، إن العهد كان مسؤولاً. أيضاً مما أوصى به الأولاد: يقول لكم: عليكم حفظ الأمانة. الأمانة يعني الوديعة. ليست أمانة الدين. المراد هنا بالوديعة: إذا إنسان أعطاك أمانة وقال لك: احفظها حتى أرجع، أي شيء، ولو كان شيئاً قليلاً، لا تستخدم هذه الأمانة. احفظها كما هي. لأن بعض الناس قد يتجاوز، يقول لك الشخص: ما جاء هذا الشخص، ما نري أي شخبارة، وأنا بأستخدمها. وبعدين لو عطب أو خرب منها شيء بصلحها. لا، أنت تكون خائناً لهذه الأمانة، لأنه ما أذن لك في استخدامها، ما أذن لك في استعمالها. قال لك: هذه أمانة، سيارة لا تستخدمها. أمانة استخدمها إن تريد استخدامها، عليك باستئذانه. هذه أمانة، سيارة ضعها عندك حتى أرجع. دراجة ضعها عندك حتى أرجع. آلة من الآلات ضعها عندك حتى أرجع. أي شيء وضعه الإنسان عندك أمانة، تكون أميناً. لأن الله مدح الأمناء، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم. والخائن مذموم. الذي يخون الأمانة بأن يعطبها أو ينقص منها شيئاً أو يفقدها، يعني يرجع صاحبها ويجد أمانته غير موجودة. والله ضاعت، والله ضاعت. أنت أمين، لم يبغي أن تحفظ هذه الأمانة. لهذا يقول: أدي الأمانة إلى من ائتمنكما، ولا تخونا من خانكما. ولو كان ذلك الشخص قد خانك من قبل، لكن إن أعطاك أمانة لا تكون مثله خائناً للأمانة. وقد جاء حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». أدها الذي ائتمنك، أدي الأمانة كما ائتمنك، ولا تخن من خانك. والحديث في صحيح الجامع، رواه أبو داود والترمذي. إذن ينبغي علينا أن نهتم بهذا الأمر، وهو الأمانة، وأن يحفظ المسلم الأمانة ويؤديها كما ائتمن عليها. قال: تتميم الكيل والميزان. أوفي الكيل والوزن، فإن النقص فيه مقت. لا ينقص المال بل ينقص الدين والحال. أيضاً مما أوصى به الكيل والميزان. ذا كنت بائعاً فإن عليك أن توفي، لأن الله عز وجل أمر بذلك. فقال نبي الله شعيب لقومه: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾. والله عز وجل توعد أولئك الذين يخسرون الكيل والميزان، فقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. يعني إذا كان الحق له استوفى، وإذا كان عليه بخس وخسر الميزان. هذا هو، العياذ بالله، هذا على خطر عظيم. أوفي الكيل والميزان. أوفه. زد. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل وأوفي». يقول له ذلك البائع: كل وأوفي، يعني اجعله زيادة، يبارك الله عز وجل لك في بضاعتك. لأن البركة من الله عز وجل، وأنت مأمور بإيفاء الكيل والميزان. قال: فإن النقص فيه مقت، فيه غضب من الله سبحانه وتعالى. وأيضاً لا ينقص المال، يعني لا ترى أن هذا ينقص المال. لما تخسر قليل، قليل، قليل، تقول: مالي سينقص. بل ينقص دينك أنت أولاً. قال: بل ينقص الدين والحال. وتشتهر عند الناس بأنك مطفف. الناس يقولون: هذا لا تشترون منه، هذا يبخس الكيل، يبخس الميزان. وانظر إلى الآخر الذي يستوفي الكيل، والناس يعرفونه. يقولون: إذا بلى عنده فلان، اشتروا من عنده فلان، فإن الميزان حقه راجح، لأنهم يعرفونه. فالناس ينظرون ويعرفون من الذي يطفف ومن الذي يوفي. فأنت إذن هذا من باب الدين. اجعله من باب الدين: إما أن تستوفي دينك، أو أن تخسر دينك والعياذ بالله. فتصبح بين الناس مذموماً. ثم قال: النهي عن المشاركة في سفك الدماء المحرمة. وهذه نقطة، نقطة مهمة، ولعل الوقت قد قارب، ولا يصلح لها خمس دقائق. لأن هذا الباب انزلق فيه أناس كثر. سنأتي إن شاء الله تعالى لبسط الأدلة في تحريم دم المسلم، في تحريم دم المسلم. وأيضاً نذكر من خالف في هذا الباب ممن يسمونهم أهل الإرهاب، الإرهابيون الذين يقتلون المسلمين، والذين أيضاً يشتغلون بالتفجيرات في بلاد المسلمين. إن شاء الله تعالى في الدرس القادم نبين هذا الأمر. نكتفي بهذا إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.