الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 13، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
ينقل الشيخ وصية الإمام أبي الوليد الباجي لولديه بالنهي عن قراءة كتب المنطق والفلسفة لاشتمالها على الكفر والإلحاد، مؤكداً أن الاطلاع عليها لا يجوز إلا بعد التمكن التام من علوم الكتاب والسنة وأقوال العلماء كالإمام ابن تيمية للقدرة على الرد على شبهاتهم. وقد حذر السلف الصالح كالمزني من الخوض في علم الكلام دون أدوات التمييز خوفاً من رسوخ الشبهات في القلب.
يصف المقطع أهل المنطق والفلسفة بأنهم عُراة من العلم الحقيقي ومستحقون للذم في الدنيا والآخرة، محذراً من الاشتغال بعلومهم الضالة. ثم ينتقل إلى تأكيد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بوصفه شعار أمة الإسلام وسبب فلاحها، مستدلاً بالقرآن والسنة على مراتب تغيير المنكر ووجوب أدائه تبرئة للذمة.
يبيّن المقطع مراتب إنكار المنكر الثلاث: باليد واللسان والقلب، مع شروط كل مرتبة وضوابطها، ويؤكد على وجوب الرفق والحكمة في النصيحة باللسان مستدلاً بالكتاب والسنة. كما يحذر من مفارقة القول للعمل مستشهداً بحديث أسامة بن زيد في عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يأتيه، داعياً المسلم إلى المبادرة بالخير ليكون قوله مقبولاً.
يختم المتحدث الموعظة بالتأكيد على أن اجتناب المنهيات والكبائر هو شرط لقبول النصيحة وتأثيرها في النفوس. ثم يرفع يديه داعياً الله تعالى بالفقه في الدين، والرضا بقضائه، والتوفيق لمرضاته، مختتماً المجلس بالتسبيح والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فقد أخذنا في الوصية كلام أبي الوليد الباجي رحمه الله في وصيته لولديه بالتفقه في الدين، وكذلك النهي عن قراءة كتب المنطق والفلسفة. وذكرنا ممن حار وتشكك مثل الفخر الرازي والشهرستاني ونحوهم، ممن لم يهتدوا إلى طريقة السلف والعلماء في لزومهم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكرنا شيئًا مما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في أمر الفخر الرازي، وكذلك الذي حصل من المناظرة بين أبي المعالي الجويني والهمداني. قال رحمه الله: «النهي عن قراءة كتب المنطق والفلسفة، وإياكما وقراءة شيء من المنطق وكلام الفلاسفة، فإن ذلك مبني على الكفر والإلحاد، والبعد عن الشريعة والإبعاد». وهذه نصيحة قيمة لكل شخص أن يبتعد عن كلام الفلاسفة، لأنه كما قال: مبني على الكفر والإلحاد، فهم لا يؤمنون بوجود الخالق سبحانه وتعالى. وللمناطقة أولئك أصحاب المنطق تلك الجمل وتلك المقدمات التي يبنون عليها النتائج، فلذلك ينبغي الحذر. وقد حذر السلف من علم الكلام، كما ذكرنا قول الشافعي رحمه الله تعالى. قال: «قراءة كتب المنطق تكون بعد التمكن في الدين، وأحذركما من قراءتها ما لم تقرأ من كلام العلماء ما تقويان به على فهم فساده، وضعف شبهه، وقلة تحقيقه». يقول لهما: أحذركما من قراءة كتب أهل الكلام، كتب المنطق والفلسفة، ما لم يكن قبل ذلك أن تقرأ كلام أهل العلم؛ لأن كلام أهل العلم كلام قوي ومتين، وبه تستطيع أن تفند شبه القوم. فما كل أحد يستطيع أن يفهم كلام الفلاسفة. وأحسن من رد على الفلاسفة وأهل المنطق هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، له مؤلفات خاصة، وأيضًا له ردود ضمن مجموع الفتاوى. فله كتاب اسمه «نقض المنطق»، وأيضًا ردوده على الفلاسفة أمثال أرسطو وسقراط وغيرهما موجود في مجموع الفتاوى: كلام حول الحوادث، كلام حول قدم العالم، وغير ذلك من الأمور التي تكلموا فيها. فأحسن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الرد عليهم وفند شبههم. فإذا أردت أن تقرأ، يعني احتجت للقراءة في كتب الفلاسفة، فاقرأ أولًا كلام العلماء، كلام العلماء من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم وغيرهما. قال: «مخافة أن يسبق إلى قلب أحدكما ما لا يكون عنده من العلم ما يقوى به على رده». مخافة أن تسبق إلى قلوبكم الشبهة، فإن الشبهة إذا وقعت في القلب وقرت فيه صعب تفريجها، فقد لا يكون هناك من العلم ما يكفي لأن تزال هذه الشبهة. ولذلك أنكر جماعة العلماء المتقدمين والمتأخرين قراءة كلامهم، من أمثال الشافعي رحمه الله وغيره، لمن لم يكن من أهل المنزل والمعرفة به، خوفًا عليه مما خوفتكما منه. وما الفائدة فيها حتى يقرأها الشخص؟ ليس هناك فيها فائدة، فيهتم بما هو أنفع له من علم الكتاب والسنة، وأيضًا من كتب السلف. ولو كنت أعلم أنكما تبلغان منزلة الميز، يعني التمييز، لو كنت أعلم أنكما تبلغان هذه المنزلة بأن تميزا كتب الفلاسفة عندما تقرآنها، الميز والمعرفة والقوة على النظر والمقدرة، لأحَلَّتكما على قراءته وأمرتكما بمطالعته لتحققا ضعفه وضعف المعتقد له. ما الغرض من قراءة كتب الفلاسفة؟ يقول أبو الوليد رحمه الله: الغرض من ذلك هو أن تردوا عليهم. فالذي يريد أن يقرأ كتب الفلاسفة لا للاستفادة منها، وإنما للرد عليهم؛ لأنهم يتكلمون في هذه الأمور التي تشكك عقائد المسلمين. فيأتي كثير ويجعل مثلاً المعاد والبعث والنشور خرافة، هذا خرافة، ويستدلون بأدلة كثيرة لأنهم كفار ملاحدة، فلا يؤمنون باليوم الآخر، ولا يؤمنون بوجود الله سبحانه وتعالى، فيأتون لك بأشياء عظيمة، ربما ضعف العلم والذي ليس عنده علم يصدق كلامهم. فقال لهما: إذا أنا عرفت أنكما لستم عندكما قوة وعندكما تمييز ومعرفة لتقرآ في كتب الفلاسفة، ولو كنت أعلم أن عندكما ذلك لقلت لكما: اقرآها لأجل أن تردا عليهما. قال: «وركاكة المغتر به، وأنه من أقبح المخاريق والتمويهات». يقول: لتحققا ضعفه وضعف المعتقد له، وركاكة المغتر به من المسلمين، قال: «وأنه من أقبح المخاريق والتمويهات». من أقبح ما يأتون به من الشبه والتمويهات ووجوه الحيل والخزعبلات التي يغتر بها، أو يغتر بها من لا يعرفها، ويستعظمها من لا يميزها، من لا يميزها. فإذا كان بعض المسلمين الذين يعيشون في بلاد الإسلام ربما عندهم شيء من الشبه والتشكيكات في مثل هذه الأمور، فكيف بمن يعيش في بلاد الكفر، عياذًا بالله؟ فربما صدق ما يقوله هؤلاء. قال: «ولذلك إذا حققت من يعلم عند أحد منهم وجدته عاريًا من العلم، بعيدًا عنه، يدعي أنه يكتم علمه، وإنما يكتم جهله، وهو ينم عليه، ويروم أن يستعين به وهو يعين عليه». يعني: إذا نظرت إلى أحد من هؤلاء ممن يدعي العلم، لوجدته عاريًا من العلم حقيقة، أنه عارٍ من العلم، ليس عنده علم، وإنما يدعي أنه عنده علم ويكتم العلم، ويكتم أنه كذلك جاهل، وأنه جاهل. فإذا جاء العالم وفند شبهه، وجده خاليًا من العلم. وقد رأيته ببغداد وغيرها ممن يدعي منهم هذا الشأن: مستحقرًا، مستهجنًا، مستضعفًا. يعني: رأيت أصحاب المنطق وأصحاب الفلسفة، أهل العقل الذين يدعون أنهم عندهم عقل، هؤلاء مستحقرون، وجدهم ببغداد، ومستهجنون، ومستضعفون، يعني لا يلتفت إليهم أحد. قال: «لا يناظره إلا المبتدي». يعني: ربما طالب علم مبتدئ يناظر ذاك الذي يدعي أنه من العلماء، لكن علمه فاضٍ كما يقال، فيأتي المبتدئ الصغير ويناظره فيغلبه، فيغلب هذا المبتدع وهذا الذي ادعى علم الكلام والفلسفة، المبتدئ الصغير. قال: «وكفاك بعلم صاحبه في الدنيا مرموقًا مهجورًا، وفي الآخرة مدحورًا مثبورًا». إذا كان صاحب هذه الفلسفة وهذا المنطق في الدنيا هذا حاله: مرموق مهجور، وفي الآخرة مدحور مثبور، يصلى سعيرًا. فلذلك إذا كان هذا حاله فينبغي الإعراض عنه. قال: «وأما من يتعاطى ذلك من أهل بلدنا فليس عنده منه إلا اسمه، ولا وصل إليه إلا ذكره». فإذا هذا حال أهل المنطق، أهل الكلام، وحال أهل الفلسفة، ليس عندهم أثر من علم، فهم خاوون من العلم. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وعليكما بالأمر بالمعروف، وكونا من أهله، وانهيا عن المنكر واجتنبا فعله. يقول رحمه الله في وصيته، بعد أن أوصاهما وحذرهما من القراءة في كتب المنطق والفلسفة، يقول لهما: الزما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا شك أن هذه الوصية بهذا الأمر هي مما وصل الله سبحانه وتعالى هذه الأمة، خير أمة أخرجت للناس، لماذا؟ لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ليست كالأمم السابقة الذين إذا رأوا المنكر سكتوا عنه، وإذا رأوا المعروف لم يحضوا عليه. فلعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم، على لسان نبيين كريمين. لعنوا لماذا لعنوا؟ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. إذن هؤلاء يفعلون المنكر أمام الجميع، فلا ينهى بعضهم بعضًا، يعني لا يقول أحدهم: انتهِ عما تفعل، أو لا تفعل هذا أمام الناس، بل ربما تواصوا به، أو فرحوا به، أو أشادوا به، هذا شخص متحرر عندهم، هذا الشخص متحرر فيفعلون الفواحش جهارًا نهارًا، عياذًا بالله. فلعنوا، لعن هؤلاء الكفار من بني إسرائيل. وأما أهل الإسلام فامتدحهم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بأنهم خير أمة ممن سبق. خير أمة هي أمة محمد عليه الصلاة والسلام، لأنهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. يعني إذا رأوا المنكر غيروه. ومراتب التغيير على ما ذكره عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». هذا أضعف الإيمان: أن يغيره بقلبه. فأهل الإسلام لا يرضون بانتشار المنكرات بين أيديهم، حتى لو لم يكن لهم حول ولا قوة في تغييره، فإنهم يسعون بتغييره بالطرق الشرعية. إذا كان هناك ولي أمر يستجيب، أو مسؤول يستجيب، يذهبون إليه ويأمرونه بأن ينهي هذا المنكر، الذي قد يكون فيه سبب لعذاب الله سبحانه وتعالى. وإذ قالت أمة منهم: «لما تعظون قومًا الله مهلكهم»؟ لما تعظونهم، أي تنهونهم وتأمرونهم؟ «لما تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا؟» قالوا: «معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون». لعلهم يتقون. نحن نبلغ، نؤدي الذي علينا، معذرة حتى نعذر عند الله، لأن الذي لا يغير المنكر لا يعذر عند الله عز وجل. فهؤلاء الصلحاء، هؤلاء الذين ذكرهم الله عز وجل، هؤلاء قوم عرفوا الخطورة من أين تأتي، وكذلك العذاب من أين يأتي، يأتي من السكوت على المنكرات. فقالوا: معذرة إلى ربكم، نحن نبلغ ونؤدي الذي علينا، ونعذر عند الله عز وجل، ولعلهم، لعل الله عز وجل يريد بهم الخير فينتهون، ولعلهم يتقون. إذن لا بد من الأخذ بهذا الأمر، شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا على كل مسلم، من رأى، الخطاب عام: «منكم منكرًا فليغيره بيده». كولي الأمر يغير بيده، الوالد في البيت يغير بيده، أولو أهل القوة وأهل الشوكة يغيرون بأيديهم. كذلك أنت تغير بيدك إذا لم تخش فتنة من وراء هذا التغيير، إذا لم تخش على نفسك أو حدوث فتنة أعظم أو منكر أكبر، فإنك تبلغ من يستطيع أن يزيل هذا المنكر بيده. ومن ليست لك عليه ولاية أو سلطة، فعنك ماذا تفعل عندما ترى المنكر؟ فإنك تنهى، فإن انتهى وإلا أخبرت من يستطيع أن يغيره. فهكذا عباد الله، هذا الأمر عظيم، يوصي أولاده. قال: «وعليكما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». التغيير باللسان يكون بالوعظ، بالله الحسنة، يكون بالنصيحة الطيبة، حتى يتقبل منك ذلك الفاعل للمنكر وينتهي. فينبغي علينا أن نكون رحماء بالخلق، رحماء بالخلق. فعندما تغير ذلك المنكر بلسانك، ائتِ له بقول الله وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع التلطف له والدعاء له بالهداية والصلاح، لعل الله عز وجل يجعل على يدك الخير فيقبل منك، إذا رأى منك الإحسان إليه، ورأى منك كذلك الأدب والأخلاق العالية الرفيعة. وكم من شخص لا يقبل، لا يقبل النصيحة، لا يقبل تغيير المنكر، لأن الذي أتاه ونهاه ربما أغلظ له في القول، وشتمه وسبه، وشتمه وسبه، لهذا لا يقبل منك، لا يقبل منك، ويضل على ما هو عليه، وربما ازداد حاله سوءًا، والعياذ بالله. لهذا ينبغي على المسلم لأخيه المسلم أن يناصحه، وأن يرجو بذلك النصح الخير لهذا المنصوح، وأن ينتهي عن هذا الشر الذي وقع فيه. وأما إنكار المنكر بالقلب فهو كما قال أهل العلم: الإعراض، الإعراض ما استطعت أن تغير، عليك بالإعراض والذهاب والقيام. يعني: إذا حضر ذلك المنكر بحضرتك، كيف تغيره بقلبك؟ حضر بحضرتك وأنت عرفت أنه منكر، لكن لا تستطيع، قم من ذلك المكان الذي فيه المنكر. منكر دُعيتَ له، لا تحضر ذلك المنكر. شخص دعاك للعَشَاء، إجابة الدعوة واجبة، لكن علمت أن هذا الشخص لديه منكرات، سيأتي بالأغاني والمزامير والطبول وإلى آخره، فلا تحضره، وإن كانت الدعوة واجبة، لأنه أسقط حقه في الدعوة، أسقط حقه، أسقط حقه. فلذلك لا تحضر، تعرض عن هذا. فإذن الإنكار بالقلب: أن تذهب من ذلك المكان وتقوم منه، الذي هو يكون فيه المنكر وأنت حاضر. فربما تكون لك منزلة عند صاحب البيت أو صاحب المكان فيستحي منك لأنك أعرضت عن هذا المنكر، وربما تكون لك مكانة عالية، ولا يريد أن تذهب، فيطفئ هذه الأغاني مثلاً، إن كانت أغاني أو نحو ذلك، فتكون سببًا في إزالة هذا المنكر. فإذن هذه الشعيرة إلى قيام الساعة ينبغي على أهل الإسلام أن لا يتركوا، أن لا يتركوا هذه الشعيرة العظيمة، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: «وانهيا عن المنكر واجتنبا فعله». اجتنب فعله، يعني: لا تنهى عن المنكر وأنت تأتيه. وأنت ماذا؟ كما قال القائل: يا أيها الرجل المعلم غيره ** هل لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ** كيما يصح به وأنت سقيم لا تنهى عن خلق وتأتي مثله، عار عليك إذا فعلت عظيم. إذا الشخص ينبغي له أنه يكون أبعد الناس عن المنكرات، يحذر الناس من المنكرات وهو يكون بعيد منها، يأمرهم بالخير وهو يستطيع أن يكون أول المؤتمرين بهذا الخير. فالناس في غفلة، ويحتاجون مننا إلى أن نبذل لهم النصح في دعوتنا. فأنت تكون يا طالب العلم، ويا أيها المسلم المتمسك بدينه، ويا أيها المستقيم على شرع الله، عليك أن تكون أولى الناس بهذا. فلا تقول للناس: يا جماعة، حافظوا على صلاة الجماعة، ويرونك أنت المتأخر عن صلاة الجماعة. تبا من هذا! أنت تأمرهم بخير وبمعروف، لكن كن من السباقين إلى هذا الخير، حتى يكون لقولك القبول والأثر. فربما رأوك أنت تخالف قولك، تنهاهم عن شيء وتقع فيه أمام عيونهم، فكيف تقول: تنصحنا وأنت ما نصحت نفسك؟ فهذا لا ينبغي. وذكر النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أسامة: الرجل الذي يؤتى يوم القيامة، فتُندلق أقتاب بطنه في النار، فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى، فيقولون: يا فلان، أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، ولكن كنت تأمرون بالمعروف ولا آتيه، وتنهون عن المنكر وآتيه. فيفعل به هكذا في النار، عياذًا بالله. فليحذر المسلم، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، تكون أنت من السباقين إلى هذا الأمر. إن كان معروفًا حضضت عليه، وجاهدت نفسك لأن تكون منهم. جاهد نفسك كالحفاظ على الصلوات، عندما تنصح الناس بها، أن تكون من المحافظين عليها، المداومين لها. وقس باقي العبادات والمأمورات التي أمر الله، والمندوبات. فعندما تحض الناس على شيء، حاول وجاهد نفسك أن تكون أنت الأول في هذا الباب. وهكذا المنهيات، المحرمات، الكبائر، إذا نهيت الناس عنها، أنت كذلك تكون ممن اجتنبها، فيوفقك الله عز وجل، ويكون كذلك لقولك القبول والأثر الذي يجدونه منك. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين، نسأله سبحانه وتعالى أن يرضى عنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لمرضاته، إنه ولي ذلك وهو القادر عليه. نكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.