الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 12، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يوضح المقطع وصية الإمام أبي الوليد الباجي لولديه بالتفقه في الدين وحفظ القرآن ورواية الحديث، ثم قراءة المسائل على مذهب الإمام مالك لكونه إماماً في الحديث والرأي. ويستعرض مكانة المذاهب الأربعة وأبرز أئمتها الذين نصروها وحرروها، مؤكداً أن الأئمة المجتهدين لا يتعصبون لمذاهبهم بل يأخذون بالدليل من الكتاب والسنة، مع بيان انتشار كل مذهب في أقطار العالم الإسلامي.
يؤكد المقطع على أفضلية البدء بطلب العلم عبر التمسك بمذهب فقهي محدد للتأصيل والضبط، مبيناً أن الجمهور في كتب الفقه هم الأئمة الأربعة وأتباعهم. كما يحذر بشدة من كتب المنطق والفلسفة وعلم الكلام لكونها مدخلة للشبهات وموجبة للزندقة، مستدلاً بأقوال السلف ووقوع بعض المتكلمين في الضلال كابن سينا والفخر الرازي.
يبيّن المقطع فساد علم الكلام والمنطق وما يورثانه من حيرة وشك، مقابل علم اليقين المستمد من الكتاب والسنة الذي تستقر به النفوس. ويستشهد بقصص الفخر الرازي مع الإمام العكبري، وأبي المعالي الجويني مع الهمداني، حيث عجز المتكلمون عن رد الفطرة والضرورة القلبية المثبتة لعلو الله واستوائه على عرشه.
يختتم المتحدث الدرس محذراً من أن علم الكلام والسفسطة والجدل والفلسفة هي أدوات جاء بها الكفار للتشكيك في دين الإسلام. ويعتذر عن الإطالة معلناً استكمال الكتاب في درس قادم، مختتماً بالاستغفار والتسبيح.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. بعد: أخذنا فيما مضى في وصية أبي الوليد الباجي رحمه الله في رفعة أهل العلم وأفضل العلوم. فما هي أفضل العلوم؟ ما هي أفضل العلوم؟ علم ماذا؟ علم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كم أقسام العلوم؟ ثلاثة: معرفة الأسماء والصفات، والأمر والنهي، والجزاء يوم المعاد، كما ذكر ابن القيم رحمه الله. قال الإمام أبو الوليد رحمه الله في وصيته لولديه: "التفقه في الدين". قال: "ومن قصر عن ذلك فليقرأ بعد تحفظ القرآن ورواية الحديث المسائل على مذهب مالك رحمه الله". فهو أوصى بمذهب مالك لأن أبا الوليد مالكي المذهب، فأوصى بمذهب مالك، فهو يمشي على طريقة الإمام مالك، والإمام مالك من أهل السنة، وهو إمام دار الهجرة، وأيضًا له الموطأ، الموطأ المعروف المشهور، إمام في الحديث، فهذا من الأخذ بالمذهب. فهو مالكي، وأكثر العلماء يذهبون إلى أنه إما أن يكون مالكيًا أو حنبليًا أو شافعيًا أو حنفيًا، يعني يسمى يأخذ بأصول المذهب الذي تمذهب عليه. وأكثر العلماء عندهم التجريد، يعني التجريد من حيث الأدلة، فهو يعرف للإمام قدره، وبعد ذلك إذا اجتهد ربما خالف المذهب. فمثلًا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى له اختيارات كثيرة غير المذهب الحنبلي، وإن كان هو حنبلي المذهب. فالمسلم يأخذ بالدليل، يأخذ بالدليل من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقال: "الدين بالرجال"، لا يقال: "الدين بالرجال"، لأن الحجة إنما جعلت في الكتاب والسنة، ويستأنس بأقوال العلماء. فمثلًا الإمام أحمد له أصول في الأخذ، له أصول في الأخذ، فهو يأخذ بالكتاب والسنة، بالقرآن ثم الحديث، ثم بعد ذلك الإجماع، ثم القياس. يعني إذا لم يجد دليلًا في هذا نظر في الثاني، فينظر في المسألة: دليل من القرآن، فإن لم يجد نظر في السنة، فإن لم يجد نظر في الإجماع، وهو إجماع الصحابة، فإن لم يجد نظر في القياس، وإلا فقول التابعي، يأخذ بقول الصحابي ثم التابعي بعد القياس. يأخذون بقول الصحابي ثم التابعي، ويأخذ كذلك بعد ذلك إذا لم يجد بالمصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب. كل هذه يأخذ بها في أصوله. شيخ الإسلام يتبع الإمام أحمد في الأصول، في أصوله، يعني يذهب إلى أصول الإمام أحمد في الاستدلال، ثم إذا لم يجد يجتهد المسألة، وله اختيارات، وقد حررت تلك الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فهكذا كثير من العلماء يتبعون مذهبًا معينًا ويسمون به: فلان بن فلان الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي، ليس فيها شيء هذه التسمية. لكن نعرف أن الإمام هذا ليس متعصبًا لإمامه، بمعنى أن يخالف قول الرسول صلى الله عليه وسلم ويترك قول الرسول ويأخذ بقول إمامه. فهم لا يتعصبون ولا يقلدون، فهم أئمة مجتهدون. فأبو الوليد الباجي من كبار المالكية بعد عبد الوهاب المالكي، حتى قال ابن حزم رحمه الله تعالى: "لو لم يكن لأهل المذهب المالكي بعد عبد الوهاب إلا أبا الوليد الباجي لكفى". وهو من كبار المالكية، مثل هناك كبار الحنابلة، وهناك كبار الشافعية، وهناك كبار الحنفية، كبار أئمة، يعني هم الذين تحملوا عبء المذهب وحرروا المذهب ونصروا المذهب. نصروا المذهب، فكل مذهب له أنصاره وله كباره، له كباره. من يذكر لنا من كبار الشافعية؟ المزني، ابن عبد الحكم، محمد بن عبد السلام، العز بن عبد السلام، ومن أيضًا البيهقي، صاحب "شعب الإيمان"، ومن أيضًا سليمان بن الربيع، الرافعي، نعم النووي. يعني نصروا المذهب، نصروا المذهب وقووه بالمسائل والتحريرات. طيب، من يذكر لنا المذهب الحنبلي كباره؟ شيخ الإسلام... تبدؤون بالآخر، أنتم تبدؤون بالآخر، اذكروا لي المتقدمين: ابن قدامة، قبله أبو يعلى، الخرقي، الخرقي تمام. الذين نصروا المذهب وكتبوا في مذهب أحمد وحرروا مسائل الإمام أحمد: ابن مفلح أيضًا من كبار الحنابلة، الطوفي كذلك، بعض في الأصول وبعض في غير ذلك. وأئمة المالكية: مثل عبد الوهاب المالكي، وأبي الوليد الباجي، ومختصر خليل منهم. صح صاحب "المختصر" يا خليل؟ رقع أنه مالكي. خليل له مختصر اسمه "مختصر خليل" يشرحونه شرحًا. وأيضًا أبي حنيفة له أبو يوسف وجماعة من أتباعه. فهؤلاء كبار الأئمة، يقال: فلان بن فلان حنفي، حنبلي، شافعي. مثلًا قد يكون قطر من الأقطار مسمى باسم الإمام، مثل اليمن في المذهب شافعية، يقال: شافعية لأنهم أخذوا مذهب الإمام الشافعي في الفقه، في ماذا؟ في الفقه. فأكثر المسائل التي يمشون عليها على أصول الإمام الشافعي. وهكذا بلاد الحرمين في الفقه حنابلة، حنابلة. بلاد المغرب في الفقه ماذا؟ مالكية. وكذلك السودان. بلاد المشرق غالبهم على مذهب الإمام أبي حنيفة، مثل باكستان، إيران، العراق ونحوها. هذه عندهم المذهب الحنفي هو السائد وهو الذي انتشر. فإذن يقول الإمام: "ومن قصر عن ذلك فليقرأ بعد تحفظ القرآن ورواية الحديث المسائل على مذهب الإمام مالك". يقرأ مسائل، يعني يعظ المذهب ويقرأ مسائل ذلك المذهب حتى تكون أثبت له وأحفظ له، بدل ما يتشعب، يتشعب الشخص يدرس كل المذاهب، فيأخذ له مذهبًا معينًا. فأوصى لأنه على مذهب مالك، قال: يأخذ بمذهب مالك، قال لولديه: "فهي إذا انفردت أنفع من سائر ما يقرأ مفردًا في باب التفقه". ولا شك أن هذا رأي الإمام رحمه الله. وإنما خصصنا مذهب مالك رحمه الله لأنه إمام في الحديث، هذا ليس عليه غبار. الإمام مالك إمام في الحديث، وأيضًا إمام أحمد إمام في الحديث، وأيضًا الشافعي له أيضًا المسند. قال: "وإمام في الرأي"، إمام في الرأي. بل أن الإمام مالك أيضًا ماذا؟ من أئمة الحديث. أكثر فتوى الإمام مالك قائمة على الحديث النبوي. وكل إمام يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، فهو مذهبي. قال: "وليس لأحد من العلماء ممن انبسط مذهبه وكثرت في المسائل أجوبته درجة الإمامة في المعنيين، وإنما يشاركه في كثرة المسائل وفروعها والكلام على معانيها وأصولها أبو حنيفة والشافعي". ولم يذكر الإمام أحمد رحمه الله. فهو ذكر الكلام في الفروع، الكلام في الفروع وفي الأصول. فيقول: أن من أكثر في هذا هم من المالكية، المالكية من أكثر في هذه المسائل، والحنفية كذلك أصحاب الرأي، والإمام الشافعي أو الشافعية كذلك لهم مسائل كثيرة. وفي الفقه أقوى وأثبتهم الشافعية، كما قال الشيخ الخضير، ابن الكريم الخضير حفظه الله: "الشافعية يكونون أقوى في الفقه لأن الفقه كان مغلقًا ففتحه الله على الشافعي، فأصولهم في الفقه أقوى". وأما الاستدلال فالحنابلة أقوى استدلال في الحديث، لأن إمام أحمد إمام أهل الحديث وإمام أهل السنة، فلهذا كان استدلالهم أقوى ودليلهم أقوى. الحنابلة في المسائل فأكثر استدلالاتهم بماذا؟ بالحديث. قال: "وليس لأحدهما إمامة في الحديث ولا درجة متوسطة". وهذا كلام ليس بصحيح، ليس لأحدهما إمامة في الحديث. الشافعي إمام في الحديث، له أيضًا مسند، رحمه الله. وهذا من اجتهاده، أقل ما يقال في الكلام الذي قاله أبو الوليد رحمه الله أنه من اجتهاده، وإلا فإن الشافعي إمام، إمام أيضًا في الحديث، وإمام. بل هو شيخ الإمام أحمد، والإمام أحمد استفاد من الإمام الشافعي، والشافعي استفاد من مالك، استفاد من الإمام مالك وهو تلميذه، فهو تلميذ الإمام مالك. وأبو حنيفة كان قبلهما، مات أبو حنيفة في يوم ولادة الإمام الشافعي كما قيل. "ولا درجة متوسطة". وطبعًا يقول هذا نصرًا لمذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى. فنجل جميع الأئمة من الإمام أبي حنيفة إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو من كان آخرهم، رحم الله الجميع. فلا ينقص من قدرهم وإمامتهم وجلالتهم، فمن أخذ عنهم فقد أخذ عن أهل العلم. ولهذا يقول: قال الجمهور في بعض المسائل، يراد به جمهور الأئمة الأربعة، لأنه صار لهم أتباع وصار الناس يأخذون عنهم، فليس بواحد ولا عشرة ولا مئة ولا ألف، بل قل ملايين، دولة ودول صارت الآن تأخذ بمذهب. فلهذا يقال في كتب الفقه: "قال الجمهور"، والمقصود بالجمهور إما جمهور الصحابة رضوان الله تعالى عليهم والتابعين، أو كذلك جمهور أهل المذاهب وهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية. فهؤلاء إذا قيل: "قال الجمهور"، يعنون بهم هؤلاء الذين هم من أئمة المذاهب ومن وافقهم. طيب، قال الإمام رحمه الله تعالى: النهي عن قراءة كتب المنطق والفلسفة. بعد إرشاده لولديه بأخذ العلم، أخذ العلم من الكتاب والسنة، فإذا قصرا فليأخذا مسائل المذهب، مسائل المذهب حتى تكون أحفظ لهما وأضبط. وهكذا طالب العلم يختار له مسائل معينة من مذهب معين، ليس معناه أنه متمذهب يقلد، لكن يأخذ المسائل عن إمام ذلك المذهب ويمشي عليها، ثم بعد ذلك يتسع، يتوسع، يتوسع في ماذا؟ فيما بعد إذا ضبط قواعد وأصول هذا المذهب، هذا المذهب تكون أيسر له في الفقه، في مسائل، في مسائل الفقه حتى تضبط، حتى تضبط، حتى تضبط. كثير من الإخوان ربما يتشعب ويخرج من المولد كما قال: "بلا حمص"، يعني ماشي معه حصيلة، لماذا؟ لأنه في البداية كان هكذا متشعبًا، يريد هذا وهذا وهذا وهذا، ويأخذ هذا وهذا وهذا وهذا، فبعد ذلك ضربت الفيوزات عنده، وقال: "يلا ما عرفنا شيء"، لأن البداية لا بد أن تكون بداية صحيحة، بداية تأصيل، بداية إيش؟ تأصيل في العلم. فخذ لك متنًا من المتون يسير في الفقه، ثم خذ الذي بعده، هي أصول متقاربة، يعني ليست كلهم يأخذون من كتاب والسنة، كتاب الله، سنة رسول الله، الإجماع، القياس، وبعد ذلك قول الصحابي إذا لم يخالفه أحد، قول التابعي إذا لم يخالفه، الاستحسان، الاستصحاب، المصالح المرسلة، هذه أصول أغلب الفقهاء. فأنت بدل ما تشعب نفسك تأخذ أصول في مذهب الشافعي أو مذهب الإمام أحمد، ثم بعد ذلك إذا قعدت وأصلت عرفت كيف الفتوى عند العلماء. لماذا نحن نأخذ الآن بفتوى ابن عثيمين وابن باز واللجنة الدائمة وغيرهم من العلماء الكبار، وهم حنابلة، ولا لا؟ يعني على مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، لأنهم أخذوا العلم بالتأصيل، فدرسوا الكتب التي توصلهم إلى المطلوب، بعد ذلك لما فتح الله عليهم صاروا ينظرون في الأدلة من الكتاب والسنة. خلاص الأصول موجودة والقواعد موجودة، صار يستطيع أن يفتي في المسألة على قواعد الإمام، فيرى أن هذا هو أيسر وأسهل في الفتوى، فيفتي بالدليل من كتاب الله ومن سنة رسول الله على ما يوافق الإمام. ولهذا قال العلماء: لا ينبغي لأحد أن يتكلم في مسألة إلا وله فيها إيش؟ سلف، لك فيها إمام. ما تتكلم في مسألة من رأسك تقول: هذا جائز وهذا غير جائز، إلا ولا بد أن تكون قد علمت أن إمامًا من الأئمة قد أفت بها وقال بها ممن سبقوك. فأنت تأخذ بعد ذلك بكلام أهل العلم في المسائل. وأما قراءة كتب المنطق والفلسفة فهذه نهى عنها السلف رحمهم الله، وأبو الوليد يكرر هذه الوصية لولديه، فينهاهما عن الأخذ من كتب الفلسفة وكتب أهل الكلام. لأنها للمنطق هم أهل كلام، ما عندهم أدلة لا من كتاب ولا من سنة، بل أدلتهم أكثرها إيش؟ أكثرها كلام. ولهذا من طلب علم الكلام تزندق، أي صار زنديقًا كافرًا ملحدًا بالله سبحانه وتعالى. لهذا ينبغي أن ينتبه لهذا الأمر. فليس كل الأمر هو مسألة العقل، تغلب العقل على النقل، وتدور الشبهات في رأسك، يأتي هذا بشبهة أو يقرأ شبهة يدورها في رأسه، ويأتي بعد ذلك الشيطان، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يأتي الشيطان إلى أحدكم فيقول له: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ إلى أن يقول له: من خلق الله؟". هذه من وسائل الشيطان. كذلك علم المنطق والكلام أنه من الشيطان، ليس من العلوم الشرعية، ليس مما أمر الله عز وجل به ولا رسوله عليه الصلاة والسلام. قال الشافعي: "حُكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في الأسواق، ويقال: هذا جزاء من ترك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل على علم الكلام". فعلم الكلام مذموم عند السلف رحمهم الله تعالى، وهو الجدال والخصام والشبهات. هذه تأتي على الضعيف، ضعيف النفس، الذي قد سمح للشبهات أن تدخل في قلبه. من هؤلاء من الذين كانوا يقال لهم علماء، ليسوا علماء سنة، وإنما علماء ضلال وعلماء انحراف. هؤلاء منهم ابن سينا الزنديق، والناس الآن يسمون باسمه المستشفيات والطرقات وغير ذلك تعظيمًا له، طبيب ابن سينا، وهو زنديق كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وهكذا أيضًا الفخر الرازي، دخل في علم الكلام طوال حياته، وعنده شبهات كثيرة، إلى آخر عمره، بعد ذلك قال: أنه رجع إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. وكانوا يسمون، يسمون أهل السنة المثبتين للصفات، يسمونهم مشبهة، يقولون لهم: أنتم تشبهون الله عز وجل بالمخلوق، وهم نفاة للصفات، مثل المعتزلة الذين ينفون صفات الرب سبحانه وتعالى. هذا كله لما احتار، يعني جعل الشك والحيرة تدخل في قلبه، لأنه لم يلزم ما لزمه العلماء، لم يلزم الكتاب والسنة ويريح نفسه ويطمئن، فذهب إلى علم الكلام وعلم المنطق، القائم على القائم على بعض السفسطة كما يقال، يعني يأتيك بكلام: مقدمة أولى، مقدمة ثانية، ونتيجة، يحكم عليها بأنها صحيحة، بأنها صحيحة. مثل: "كل متصف بالصفات جسم"، يقول لك: "كل متصف بالصفات جسم، هذا متصف بالنظر، متصف بالسامع، هذا جسم، وكل جسم يشبهه جسم آخر أو يشبهه غيره، إذن النتيجة: كل متصف بالصفات مشابه لغيره". هذه يسمونها النتيجة. هذا علم المنطق، هذا علم المنطق، علم حرام، ما يجوز، ما يجوز دراسته. وقد فرض على الناس، أو فرض في المدارس في الثانويات، في الجامعات، يدرسون علم المنطق، هذا مما ذمه السلف وتكلموا فيه، هو علم كلام، علم جهل، ليس فيه ماذا؟ ليس فيه آثار من علم حتى يؤخذ بهذا الذي يقال له المنطق. ماذا قال الفخر الرازي؟ قال: "نهاية إقدام العقول عقال، وأكثر سعي العالمين ضلال، وأرواحنا في وحشة من جسومنا"، الروح الداخلية هذه في وحشة غير مطمئنة ومستقرة في الجسد، "وأرواحنا في وحشة من جسومنا، وغاية دنيانا أذن ووبال، ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سواء جمعنا فيه قال: قيل وقال". هذا الذي جمعنا، الحصيلة النهائية التي بعد كل هذا العمر ما عندنا لا "قيل وقال"، يعني ما عنده "قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم". ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قصة هذا المسمى بالفخر الرازي. طبعًا هذا مشكك، دخل مع واحد معتزلي على الإمام العكبري رحمه الله، وقد سمع أن العكبري يقول: "أنا أعلم علم اليقين". دخلا عليه، أنهم عندهم شك، ما عندهم علم. فقال: "يا إمام، سمعنا أنك تقول: أنا أعلم علم اليقين". قال: "نعم، أنا قلت ذلك، أنا أعلم علم اليقين". قال له: "كيف أنت تعلم علم اليقين ونحن طوال النهار نتناظر أنا وهذا وما وصلنا إلى نتيجة وأنت مرتاح علم اليقين؟ وأنا وصاحبي طول النهار...". قال: "وقال: وكيف إذا قيل كذا قيل كذا...". وهكذا يجلسون يتناظرون في بعض المسائل. قال: "أما ما تقولان فلا أعلم الذي تقولان، لا أعلم، ولكني أعلم علم اليقين". الجماعة قالوا: "طيب، قل لنا إيش هو علم اليقين". قالهم: "علم اليقين واردات ترد على النفوس، علم اليقين واردات ترد على... على النفوس، لا تستطيع النفوس ردها". عبارة مختصرة: إذا جاءت هذه لا يستطيع الإنسان أن يرد هذه، هذا هو علم اليقين: ما قال الله عز وجل بكتابه وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته، هذا علم اليقين. واردات ترد على النفوس ما يستطيع الإنسان ردها. وكانت أصل المسألة، المسألة فيها الأجسام والعلوم وما إلى ذلك، فعندهم تشكيك في علو الله سبحانه وتعالى وغيرها، وفي الرؤية، فيه أمور كثيرة عندهم تشكيك: كيف؟ كيف؟ كيف؟ ما سلموا. قال: أشياء إذا وردت على النفوس لا تستطيع النفوس ردها. فجعل يكرران العبارة: "واردات ترد على النفوس لا تستطيع النفوس ردها". ثم قال: "يا إمام، كيف الطريق إلى ذلك؟ كيف نهتدي إلى هذا علم اليقين؟ كيف الطريق إلى ذلك؟". قال: "تتركان ما أنتما فيه"، إيش الذي فيه؟ علم المنطق والكلام. "تتركان ما أنتما فيه وتتمسكان بما أمركم الله عز وجل في العبادة والزهد". فأمرهم بالعبادة وأمرهم بالزهد والاستمساك بما أمرهم الله عز وجل به، تسلم. هذا هو علم اليقين، باختصار شديد. قال الرازي حينها: "أما أنا فمشغول، مشغول". فذهب وترك الإمام العكبري. وأما المعتزل فقال: "أنا أمكث عندك وأتعلم، أتعلم". قال: فجلس فترة يتعلم من الإمام. فلما بعد حين قال: "والله إن هؤلاء المشبهة لعلى حق". المشبه أمن؟ المشبهة يقصدون بها أهل السنة الذين يثبتون صفات الله، كانوا يسمون أهل السنة بالمشبهة. قال: "والله إن هؤلاء المشبهة لا على حق". أخيرًا علم أن المشبهة على حق، يعني أهل السنة على إيش؟ على حق، لأنه عندهم دليل: قال الله وقال رسوله، لا يحتارون، لا يحتارون. الشهرستاني يحتار، قال: "لعمري لقد طفت المعاهد في الأرض كلها، وصيرت طرفي بين تلك المعالم"، طار في الأرض يدور، قال: "فلم أرى إلا واضعًا كف حائر على ذقن، أو قارعًا سن نادمي". يعني ما فيه أحد إلا محتير، هؤلاء أصحاب التشكيك. قال له الأمير، أجابه الأمير الصنعاني: "لعل أهملت الطواف بمعهد الرسول ومن والاه من كل عالم، فما حار من يهدي بهدي محمد، ولست تراه قارعًا سن نادمي". موجود، موجود الكتاب والسنة، أنت أدخل في الكتاب والسنة وخذ بالكتاب والسنة ترتاح، لا تأتيك الشكوك ولا يأتيك الحيرة. وانظروا أيضًا إلى قصة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى لبعض هؤلاء الذين هم عندهم شيء من العقل، وهو الإمام أبو الجويني، أبو المعالي الجويني، أبو المعالي الجويني كان أيضًا عنده شيء من هذا، فكان يقول على منبره: "كان الله ولا عرش". يريد إيش بهذا الكلام؟ كان الله ولا عرش، يعني نفي جهة العلو لله سبحانه وتعالى، ما في عرش. والله عز وجل قال في كتابه الكريم: "الرحمن على العرش استوى"، قال: "ثم استوى على العرش". قال: "كان الله ولا عرش". فقام أحد العلماء كان جالس يسمع هذا الكلام، وهو أبو جعفر الهمداني رحمه الله، قال: "يا أستاذ، دعنا من العرش، عرش خلاص معروف مذكور في كتاب الله عز وجل، دعنا من العرش، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ضرورة الواردات هذه التي قال العكبري رحمه الله، أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا". ما قال عارف قط: "يا الله" إلا وتوجه قلبه إلى السماء. ما قال عارف قط لما تقول: "يا الله" تنظر في الأرض، ولا أيمن، ولا شمال، ولا أمام، ولا خلف، ولا فوق. أي إنسان يقول: "يا الله" كذا يتوجه إلى السماء، يعني يجد في قلبه توجه إلى إن... إلى العلو. قال: "بس أخبرنا عن هذه الضرورة، ما نريد دليل ولا عرش ولا شيء". خل... على جم. قام يلطم خده، أبو المعالي الجويني الذي له في الأصول يذكرونه، قام يلطم خده ويقول: "حيرني الهمداني، حيرني الهمداني، حيرني الهمداني". حيره بكلام بسيط، صح كلام بسيط. أين نذهب بهذه الضرورة؟ الله في العلو، إذا أنت ما تريد تثبت، لكن نحن نثبت لأن هذه ما نستطيع دفعها. ما قال عارف قط: "يا الله" إلا وتوجه قلبه إلى السماء. فانظر كيف أهل العلم لما يرد على أولاء المتكلمين. فإذن علم الكلام هذا، والسفسطة، والجدل، والفلسفة، كله مما أتى به الكفار ليشككوا في دين الإسلام. طيب، طالنا في هذا، سامحونا على الإطالة، وعندكم دروس، والله المستعان. فإن شاء الله تعالى نكمل ما تبقى في هذا الكتاب. لهنا، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر