الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 10، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض المقطع وصية الإمام الباجي لولديه مبيناً أن العلماء هم أرفع الناس منزلة في الدنيا، إذ يحتاج إليهم الرؤساء والمرؤوسون في أمور الدين والدنيا، ويتميزون بالسلامة من الزلات والتبعات، ويحظون بالقبول عند جميع الطبقات، فالعلم ولاية دائمة لا يعزل عنها صاحبها.
يبيّن المقطع أن الولايات والمناصب الدنيوية تزول بمفارقة صاحبها لمكانه أو عزله، بينما ولاية العلم تلازم العالم أينما ذهب وتبقى بعده. ويؤكد أن أفضل العلوم علم الشريعة، وأعلاها معرفة أسماء الله وصفاته، ثم حفظ القرآن والسنة والفقه وأصوله.
يذكر المقطع ثلاثة علوم أساسية يجب على كل مسلم معرفتها: علم أسماء الله وصفاته، علم الأمر والنهي (الحلال والحرام)، وعلم الجزاء في الآخرة. ويؤكد أن تعلم القرآن والسنة هو الأساس قبل التدرج في باقي العلوم الشرعية كالفقهي والأصولي.
يختتم المتحدث الجلسة بدعاء للتوفيق من الله، ويعلن الاكتفاء بهذا القدر على أن يُكمل الدرس بعد الصلاة، مع توجيه الشكر للمترجمة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. يقول الإمام أبو الوليد الباجي رحمه الله في وصيته لولديه: "رفعة أهل العلم". قال: "وانظرا أي حالة من أحوال طبقات الناس تختاران، ومنزلة أي صنف منهم تؤثران؟ هل ترياني أحدا أرفع حالا من العلماء وأفضل منزلة من الفقهاء؟ يحتاج إليهم الرئيس والمرؤوس، ويقتدي بهم الوضيع والنفيس، يرجع إلى أقوالهم في أمور الدنيا وأحكامها وصحة عقودها وبياعاتها وغير ذلك من تصرفاتها، وإليهم يلجأ في أمور الدين وما يلزم من صلاة وزكاة وصيام وحلال وحرام. ثم مع ذلك السلامة من التبعات، والحضوة عند جميع الطبقات. إذن هذه المنازل الرفيعة بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى، ووضع ذلك في قلوب العباد. فالعلماء أرفع الناس منزلة في الدنيا". ولهذا يختار المرء طريق أهل العلم، فيقول لولديه: "انظرا أي حالة من أحوال الناس تختاران، وأي صنف تؤثران؟" فيقول لهم: "هل ترياني أحدا أرفع حالا من العلماء؟" الجواب: لا أحد أرفع حالا من العلماء في هذه الحياة الدنيا، فالعلماء أرفع الناس حالا ومنزلة، ويشمل كذلك الفقهاء منهم. يحتاج إليهم الرئيس، ويحتاج إليهم المرؤوس، ويقتدي بهم الوضيع - يعني الذي هو أدنى الناس منزلة - والنفيس - يعني الغالي الذي هو أرفع الناس منزلة -، الكل يحتاج إلى العلماء، فيرجع إلى أقوالهم في أمور الدنيا والدين وأحكامها. فالبيوع والنكاح مثلا لا بد فيه من أهل العلم الذين يصححون هذه البيوع، ويصححون كذلك هذه النكاحات. فمعاملات الناس تحتاج إلى أهل العلم، وهكذا أمور الدين مثل الصلاة والزكاة والصيام والحلال والحرام، كل هذا يحتاج الناس فيه إلى العلماء. فإذا معايش الناس وأحوال الناس وأمور الناس لا تتم إلا بالعلماء، بعد سؤالهم واستفتائهم. فالعلم فيه سلامة من الأخطاء ومن الزلات. ولهذا: "ثم مع ذلك" أي مع ما ذكر سابقا من منزلة ورفعة أهل العلم، مع ذلك أيضا يضاف إليه السلامة من الزلات، والسلامة من التبعات، يعني الزلات والأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس. فإن الناس يقعون في أخطاء كثيرة، ولكن بالعلم تستطيع أن تدفع وترفع عن نفسك هذه الأخطاء والزلات، وأيضا تكون ذا شأن ومنزلة عند الطبقات، طبقات الناس سواء كانوا من رؤساء أو من مسؤولين، أو كذلك من طبقة أهل العلم، ومنزلة كذلك طالب العلم وعوام الناس. "والعلم ولاية لا يعزل عنها صاحبها، ولا يعرى من جمالها لابسها. وكل ذي ولاية وإن جلت، وحرفة وإن عظمت، إذا خرج عن ولايته أو زال عن بلدته أصبح من جاهه عاريا، ومن حاله عاطلا. غير صاحب العلم، فإن جاهه يصحبه حيث سار، ويتقدمه إلى جميع الآفاق والأقطار، ويبقى بعده في سائر الأعصار". ما أجمل هذا الكلام من أبي الوليد رحمه الله! فيقول أيضا: "انظر أن العلم ولاية". هذه الولاية كمن ولاك الله سبحانه - مثل ما ولاك الله سبحانه وتعالى - أيضا انظر إلى الولاية في الدنيا الذي يولى فيه الإنسان أحد المناصب الدنيوية، فإنه إن ولي اليوم واستمر عليه فربما يعزل غدا. كان رئيسا، كان وزيرا، كان مسؤولا، كان أميرا، فيقولون: "كان السابق"، القاضي السابق كذا كذا، السابق فيقولون: "السابق" لأنه كان ثم عزل، ثم عزل عنه. أو كذلك كما يقال هنا: "طلع على المعاش". إذن هذه الولاية ما تستمر مع الإنسان. الولاية التي يولى فيها في الدنيا ما يستمر معه هذا الوصف، ينخلع عنه هذا الوصف، ويزال عنه هذا الوصف. لكن العالم، العالم ما يزال عنه هذا الوصف. هذه مثل الولاية، إذن يتبقى معه هذه الولاية، فلا يخرج عنها، ولا تزال حتى لو خرج من بلدته. فسيقال: "العالم الفلاني حضر"، حضر إلى البلدة الفلانية، "العالم الفلاني خرج من بلدته أو من قطره"، فإنه لا يزال عنه. فإذن الذي تزال هي ولاية الدنيا، أما ولاية العلم فلا تزال أبدا، لا تزال من صاحبها. فيبقى صاحب العلم وحامل العلم، علمه معه أينما سار، لا يستطيع أحد أن يخلع ذلك منه. يقول: "أفضل العلوم علم الشريعة". ما هي أفضل العلوم؟ أفضل العلوم هي علوم الشريعة، أي علوم كتاب الله وعلوم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: "وأفضل العلوم علم الشريعة، وأفضل ذلك لمن وفق أن يجود قراءة القرآن، ويحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرف صحيحه من سقيمه، ثم يقرأ أصول الفقه فيتفقه في الكتاب والسنة، ثم يقرأ كلام الفقهاء وما نقل من المسائل عن العلماء، ويدرب في طرق النظر وتصحيح الأدلة والحجج، فهذه الغاية القصوى والدرجة العليا". يقول: ما هي أفضل العلوم الشرعية؟ أفضل العلوم الشرعية لمن وفقه الله عز وجل هي علم كتاب الله، فيحفظ القرآن العظيم، وهكذا علم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. علم الكتاب والسنة يتقدمهم العلم بأسماء الله عز وجل وصفاته، هذا أشرفها وأعلاها منزلة. أن يعرف الطالب، ويعرف المسلم العلم بأسماء الله سبحانه وتعالى وبأوصافه عز وجل. وكذلك العلم الثاني هو علم الأمر والنهي الذي يسمى الحلال والحرام: ماذا أمر الله، وماذا نهى عنه؟ والعلم الثالث الذي ينبغي لكل واحد منا معرفته هو علم الجزاء في الآخرة، أمور الآخرة ما رتبه الله سبحانه وتعالى على ما يحصل للعبد في الدنيا من الامتثال أو من العصيان. فينبغي للشخص أن يعرف ماذا سيكون في الآخرة، أمور الآخرة كلها تبدأ من القبر، من القبر حيث يوضع في قبره، ثم ما بعد القبر من البعث والنشور والصراط والميزان وعرصات القيامة والجنة والنار. هذه علوم ثلاثة هي في مقدمة علوم الشريعة، فلينبغي كل مسلم أن يعرف هذه العلوم. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية: «العلم أقسام ثلاث ما لها من رابع والحق ذو تبيان علم بأوصاف الإله وفعله وكذلك الأسماء للرحمن والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني» إذن هذه ثلاثة علوم، ما هي العلوم الثلاثة التي ينبغي لكل مسلم أن يعرفها؟ علم بأسماء الله عز وجل وصفاته، علم بالأمر والنهي الذي هو علم الفقه من حلال ومن حرام الأمر والنهي، وعلم بالجزاء الذي هو يوم القيامة. نبغي لكل شخص أن يعرف ماذا سيكون يوم القيامة، لأن هذه المعرفة، معرفة أمور يوم القيامة، تجعلك تعمل، تجعلك تعمل في هذه الحياة الدنيا. إذا عرفت ما يترتب على هذا الأمر يوم يوم المعاد، يوم الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى، فتأتمر وتنتهي. إذن يوم الجزاء، يوم العظيم، سمى الله عز وجل يوم الدين، قال: ﴿ مالك يوم الدين ﴾، يوم الحساب والجزاء، وماذا يكون هناك؟ هذا ينبغي لكل مسلم أن يتعلمه. ولهذا قال: "لمن وفق أن يجود قراءة القرآن، ويحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم". فيأتي في المقدمة أولا هو علم الكتاب والسنة، فيعمل على حفظ القرآن، ويقرأ القرآن، ويرتل القرآن، ويفهم القرآن، ويتدبر القرآن. ويأتي بعد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث حفظه، ويعرف الصحيح والضعيف منه ما استطاع. ثم بعد ذلك تأتي باقي العلوم التي ذكرها من أصول الفقه، وكلام الفقهاء في المسائل عن العلماء، يتدرب فيها، ويدرب نفسه كيف أخذوا هذا الحكم من هذا الدليل من القرآن ومن السنة، يعرف كيف يستنبطون هؤلاء العلماء. هدي بعد ذلك تأتي خطوة بخطوة حتى يصل إلى الدرجة العليا من النظر في الأدلة الشرعية والتصحيح، الذي يقال له الفقيه والمفتي. هذا ما يصل الفقيه ومفتي إلا بعد أن يتعلم علم الكتاب والسنة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لمرضاته. نكتفي بهذا إن شاء الله، بعد الصلاة نكمل ما تبقى من هذا الدرس. سبحانه وتعالى ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر شكرا