الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 315

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 315

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 315، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعاء قنوت الوتر وشرحه

شرح حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما الذي علّمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلمات يقولهن في الوتر، وتناول صيغة الدعاء ومدى صحته وثبوته في قنوت الوتر.

دعاء النبي ودليل الهداية والولاية

شرح دعاء النبي صلى الله عليه وسلم والفرق بين هداية الدلالة وهداية التوفيق، وأهمية العافية من أمراض القلوب والبدن، والولاية الخاصة والعامة لله عز وجل.

معنى القضاء والشر في الإسلام ودعاء الوقاية

شرح معنى البركة والقضاء والشر في الإسلام، وأن قضاء الله عز وجل كله خير، لكن الشر يكون في المقضي بالنسبة للعباد، وتفسير الدعاء "وقني شر ما قضيت".

فوائد الحديث وختامه

ذكر فوائد جمة في شرح الحديث عن معاني ألفاظ الله تبارك وتعالى، والاكتفاء بهذا الشرح مع الإشارة إلى أن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: حدثنا قطيبة بن سعيد وهو ابن جميل بن طريف أبو رجاء، وقف البغلاني وأحمد بن جواس الحنفي قال: حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم عن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم، بريد بن ماني قال: حدثنا ابن ربيع عن أبي الحوراء وربيعة بن شيبة ومحمد بن راشد قال: قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلمات أقولهن في الوتر. قال أبو إسحاق في روايته: كلمات أقولهن في الوتر. وأما في رواية شعبة لم يذكر كلمة الوتر. قال ابن جواس في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت. قال: وحدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، وهو حافظ كبير من حفاظ الكوفة، قال: أخبرنا زهير بن معاوية قال: أخبرنا أبو إسحاق بسنده ومعناه، قال في آخره: هذا يقول في الوتر في القنوت، ولم يذكر أقولهن في الوتر. قال ابن حجر: ربيعة بن شيبان، هذا حديث صحيح، وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني البخاري أن يخرجها، ومعنى ذكرها في كتاب الإلزامات. قال: وخرجه الترمذي، وهذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، حديث أبي الحوراء السعدي، واسمه ربيعة بن شيبان، ولا نعرف عن النبي عليه الصلاة والسلام في القنوت شيئا أحسن من هذا. وأخرجه النسائي، فقلنا: إنه اختلف في مسألة هل صحت في قنوت الوتر؟ لأن شعبة لم يذكر لفظة قنوت الوتر، وذكرها أبو إسحاق. وشعبة خير من عشرين من أبي إسحاق، ولكن قد جاءت هذه النقطة لها شواهد، فقد رواها يونس عن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم، وجاءت أيضا من طرق أخرى عن أبي الأحوص من غير طريق أبي إسحاق، هذا يدل على أنها ثابتة، وأنها تقال في الوتر أي في قنوت الوتر. وأما جعلها في الصبح، فقد جاء في حديث موضوع: أنا جعل هذا في صلاة الفجر، فلم يثبت هذا الدعاء في صلاة الفجر، وإنما في قنوت الوتر. فقوله: «اللهم اهدني فيمن هديت» هذا في طلب الهداية من الله أن يهدي، والهداية هي خير عظيم يطلبه العبد من ربه جل وعلا. لهذا يقول في الفاتحة: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم﴾ وهنا قال: اهدني فيمن هديت، فدل على أن الهداية هدايتان: هداية طلب وهداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وامتنان. فلهذا قال: اهدني فيمن هديت، لأن الهداية التي هي هداية الطلب والدلالة لا تكفي. أو كما سماها الإمام ابن القيم: هداية العلم وهداية العمل، فهداية العلم لا تكفي، لابد من هداية العمل. أن لا تكفي العبد أن يهتدي هداية علم، يعلم هذه الأشياء ويعلم هذه الطريقة أنها صحيحة، فهذا لا يكفي. لهذا قال الله عز وجل: ﴿فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ أي دلهم على الطريق الصحيح، لكن ما أرادوا إلا مخالفة الله عز وجل ومخالفة الطريق. فلهذا أعظم شيء أن يهدي الله العبد هداية التوفيق، ويوفقه للهداية. لهذا قال: اهدني فيمن هديت، أي وفقني لهداية كما وفقت من هديت، لأن هذه هداية التوفيق هي بيد الله. أما هداية الدلالة، فربنا جل وعلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ فهداية الدلالة تكون للأنبياء، وتكون أيضا للدعاة إلى الله، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي رضي الله عنه: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم». فلهذا هداية الدلالة تكون لأهل الإيمان، يهدون، يدلون الناس على الخير، كما هم أهل الله عز وجل. وأما هداية التوفيق، فهي لله سبحانه وتعالى. ولهذا هنا قال: فيمن هديت. قال: «وعافني فيمن عافيت» المعافاة هي ذهاب المرض. والمرض الذي يصيب الإنسان على قسمين وعلى نوعين: مرض الأبدان، ومرض القلوب، وهو أعظم. مرض الأبدان، ومرض القلوب. فإذا عافى الله عز وجل عبده من أمراض البدن، ولم يعافه من أمراض القلوب، فهو خاسر. وإن عافاه من أمراض القلوب، ولم يعافه من أمراض البدن، فهو فائز ومفلح، لأن أعظم العافية أن يعافي الله عز وجل عبده من أمراض القلوب. فالعافية كنز عظيم. لهذا جاء في حديث رواه الترمذي وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول في دعائه: «سألت الله العفو والعافية»، سأل الله العفو والعافية، «إنه لم يعط أحد بعد اليقين خير من العافية»، لم يعط أحد بعد اليقين خير من العافية، أن يعافيه الله عز وجل من أمراض البدن، وأمراض القلوب التي هي أعظم. قال: «وتولني فيمن توليت» أي اجعلني من أوليائك الذين أعطيتهم الولاية الخاصة، اجعلني في زمرة أوليائك. وهناك ولاية عامة، وولاية خاصة. الولاية الخاصة هي لأهل الإيمان، وهي المقصودة هنا: تولني فيمن توليت. وإلا فربنا جل وعلا مولى لكل الناس، مسلمهم وكافرهم، ثم يردون إلى الله مولاهم الحق، وهو مولى كل الناس وكل الخلائق. لكن المراد هنا الولاية الخاصة التي يلزم أن يكون من أولياء الله عز وجل، الذين هم الذين آمنوا وكانوا يتقون. كل مؤمن تقي فهو لله ولي، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كل مؤمن ولي لله، بقدر إيمانه وتقواه. ما ذكر جعفر رحمه الله قال: لو بارك لي في ماء عن ضيق. والبركة هي الخير والنماء والسعة. قيل: أنها مستفادة من بركة الماء، الماء الواسع الذي يكون في العرض، فكذلك البركة هي من السعة والخير والنماء. أن يكون واسعا في الخير. وبارك لي فيما أعطيت أي إذا أعطيتني شيئا بارك لي في هذا الذي تعطيه، سواء كان مالا أو عملا أو ولدا مثلا، أي شيء تعطيني يا رب بارك لي فيه، لأنه لو نزعت البركة منه ما استفاد الإنسان ولن ينتفع به. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾ أنه ظهر الفساد، نزعت البركة من ذلك أو من هؤلاء الناس. حتى في الولايات التي يتولاها الناس إذا صارت ظالمة فيه والمعونة من الله، بارك الله عز وجل له في هذه الولايات. كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنها خزي وندامة يوم القيامة». وقال لهم عليه الصلاة والسلام: «إنك إن أعطيتها عن غير مسألة وإن سألتها أكلت إليها». فالبركة هي النعمة والتوفيق من الله عز وجل في ذلك الأمر، وأيضا الخير الذي يخلفه الله عز وجل لعبده حتى ينتفع بهذا المال وبهذا الولد وبغيره. قال: «وقني شر ما قضيت» إنك تقضي ولا يقضى عليك. قضاء الله عز وجل إما أن يكون خيرا وإما أن يكون شرا، لكن الشر هنا في المقضي وليس في القضاء. الشر في المقضي وليس في القضاء، لأن قضاء الله عز وجل كله خير، لكن الشر في المقضي في هذا المقضي الذي قضاه أو الذي خلقه لأجل غاية حميدة مثلا. على سبيل المثال الآية التي ذكرناها آنفا: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾ ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. هذا الفساد الذي في البر والبحر هذا الشر هو شر للناس بالنسبة للناس، لكن الله عز وجل أراد غاية عظيمة وهي رجوع الناس إليه سبحانه وتعالى. فلهذا قال في الحديث الآخر: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك». فالشر لا ينسَب إلى الله عز وجل لأنه ليس في أفعاله شر أبدا، وإنما الشر في أفعال العباد بالنسبة للعباد. لما قضاه الله عز وجل يكون عليهم شر، مثل المرض، المرض هو مصيبة، شر للعباد، لكنه في قضاء الله عز وجل قد يكون له خير، وهناك أراد الله عز وجل غاية عظيمة لهذا العبد، إما أنه يتوب، وإما أن يكفر الله عز وجل عنه، وغيرها من المعاني العظيمة التي تكون في ذلك. فقوله: «وقني شر ما قضيت» أي من هذا المرض الذي قضيته، فيكون قضاه خيرا للعبد. قال: «إنك تقضي ولا يقضى عليك» القضاء والحكم لله وحده سبحانه وتعالى. قال: «وإنه لا يذل من واليت» مثل ما تقدم في قوله: «تولني فيمن توليت» من كان الله عز وجل وليه فلا يذل أبدا، بل يعزه الله، كما قال جل وعلا: ﴿إنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين﴾ الله عز وجل ما ذكر مقالة بينا أن العزة له سبحانه وتعالى وليس لأحد سواه، ولأوليائه. فلا يذل من والى الله عز وجل، بل الله عز وجل يدافع عنه. ولا يعز من عاديت، من عادى الله فهو ليس بعزيز، بل ذليل، مهما اختفى في الدنيا، إن الله عز وجل يذله، ومهما أيضا تظاهر بأنه متكبر ومتغطرس، فلا شك أن الله عز وجل يجعل من يذله، يجعل من يذله، ولو كان لا يظهر للناس أو أنه يأتي عليه يوم يذله الله. قال: «تباركت ربنا وتعاليت» تباركت أي تعظمت وعظمت وجلت يا رب، وتعاليت العلو الذاتي وعلو الصفات. تعاليت أي العلو الذاتي وعلو الصفات. لأن العلو الذاتي صفة ذاتية لا تنفك عن الله، وهي قد جاءت من الكتاب والسنة والإجماع. علو ذات الله جل وعلا، وهو العلي العظيم، فهي صفة ذاتية. والمراد هنا علو الذات وعلو الصفات، معنى أنه يوصف بالعلو سبحانه وتعالى، وله العلو المطلق، سواء كان علو الذات أو علو القهر أو علو القدر، وكل ذلك ثابت لله جل وعلا. ونازع بعض أهل البدع في علو الذات كما هو معروف لديهم. فما أوردت ربنا وتعاليت، فهذا شرح هذا الحديث، وقد شرحها جماعة من العلماء، وطبع رسالة في معنى أن الله تبارك وتعالى، شرح فيها هذا الحديث شرحا طيبا، ذكر معاني هذه الألفاظ، وذكر أيضا ما يهدى إليه، وكذلك ذكر فوائد جمة في هذا الكتاب. فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.