تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 4

تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 4

الدرس في تفسير سورة التحريم من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب وقاية الأهل من النار والمسؤولية الفردية

الآية الكريمة تأمر المؤمنين بوقاية أنفسهم وأهليهم من النار، وتشير إلى مسؤولية الأفراد عن أنفسهم وعن من تحت ولايتهم. هذا يشمل طاعة الله واتباع أوامره وتجنب عواقب الكفر والمعصية.

تفسير الآيات المتعلقة بنار جهنم وملائكة العذاب

تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بنار جهنم ووقودها من الناس والحجارة، وصفات الملائكة الموكلين بحراستها. يشير إلى أن النار تشمل المؤمنين والعصاة والكافرين بدرجات متفاوتة، ويوضح معنى غلظة وشداد الملائكة الموكلين بها.

أهمية التوبة والثبات على الدين واللجوء إلى الله

يؤكد على أهمية المبادرة بالتوبة قبل فوات الأوان، وضرورة اللجوء إلى الله للثبات على الدين. يشير إلى أن الجزاء من جنس العمل وأنه لا ينفع الندم عند دخول النار، ويسأل الله الرحمة والفضل والعطاء.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يا أيها الذين آمنوا وقوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾. قال المفسر رحمه الله: في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا وقوا أنفسكم وأهليكم﴾ بالحمل على طاعة الله ﴿نارا وقودها الناس﴾ الكفار، والحجارة كأصنامهم منها، يعني أنها مفرطة الحرارة تتقد بما ذكر، لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه، ﴿عليها ملائكة﴾ خزنتها، عدتهم تسعة عشر كما سيأتي في سورة المدثر، غلاظ من غلظ القلب، شداد في البطش، ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ بدل من لفظ الجلالة، أي لا يعصون أمر الله، ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ تأكيد. والآية تخويف للمؤمنين عن الارتداد، وللمنافقين المؤمنين بألسنتهم دون قلوبهم. ﴿يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم﴾ يقال لهم ذلك عند دخولهم النار، أي لأنه لا ينفعكم، ﴿إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ أي جزاؤه. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه السورة العظيمة، سورة التحريم، التي احتوت على عدد من الأحكام والحكم. وبعد أن ذكر الله عز وجل عددا من الأحكام وأمر بطاعته فيها، أتبعها سبحانه وتعالى بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾، وهو أمر لأهل الإيمان أن يبدؤوا الأسباب التي تقي أنفسهم، ليس فقط، بل وكذلك أهاليهم، بالحمل على الطاعة والبعد عن المعصية. ولما كانت الآيات فيها من الأحكام التي تقع في وسط الأسرة الواحدة، فيها الأب والبنت والزوج والزوجة وولي الأمر ومن تحته، وفيها من أحكام التحريم والطلاق، وفيها ما سبق، إما لا يسلم منه إنسان إلا من رحم الله، مما يقع بين النساء من الغيرة، وبين الأزواج مما ينزغ به الشيطان، أمر الله عز وجل بلزوم تقواه، وذلك بفعل أسباب طاعته واتباعها، وإغلاق أبواب معصيته وغضبه والبعد عنها. وأنه لا يكفي الإنسان أن يقي نفسه، فإنه مسؤول عن نفسه ومسؤول عن من تحت يده ممن هو ولي عليه. وتقدم معنا قصة عمر رضي الله عنه ورضاه، كيف أنه غضب على ابنته لما وقع منها ما ينافي الصواب، رضي الله عنها ورضاه. بل وقبل نزول الحجاب، طاف على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهن ورضاهن، ناصحا وواعظا. وهذا كله من هذا المعنى. وقد مر معنا أن الآية السابقة من المواضع التي وافق القرآن فيها قول عمر، رضي الله عنه ورضاه. وهنا تنبيه: ما جاء أنه قال: "وافقت ربي في ثلاث"، أي في ثلاث مواضع، الصحيح أن هذا قبل نزول المواضع الأخرى، ولا معارضة بين قوله هذا وبين ما جاء في بعض الأحاديث الأخرى أنه وافقه القرآن في أكثر من ثلاثة مواضع. وقوله رحمه الله: "بالحمل على طاعة الله نارا وقودها الناس" قال: الكفار. والصحيح أن الآية عامة تشمل جميع الناس، المؤمن والكافر، والبر والفاجر. ويؤكده أن الآية افتتحت بالنداء لأهل الإيمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا قووا أنفسكم وأهليكم نارا﴾، هذه النار لا تختص بالكافرين، بل يدخل فيها الكفار والعصاة. ولكن الفرق بين من يدخلها من الكفار وغيرهم من عصاة المسلمين والمؤمنين: أن نارا المؤمنين ومن يدخلها من العصاة لا تدوم، بل يعذبون بقدر ذنوبهم ومعاصيهم. والمطلوب أن المؤمن يعمل بإيمانه الذي يستلزم أن لا يشبه الكافرين في الدنيا حتى لا يشبههم بالعقوبة والعاقبة في الآخرة. وقوله: ﴿والحجارة﴾ يعني ليس وقود النار الناس فقط، بل كذلك الحجارة، قال: كأصنامهم منها. وذكر الأصنام كمثال، فالله عز وجل أخبر بأنه توقد هذه النار بالناس وبما يجعل الله عز وجل فيها من الحجارة. وذكر الأصنام لأن الله عز وجل ذكر أنهم يقذفون، أي أهل الشرك والكفر، مع أصنامهم في نار جهنم. وقوله: "مفرطة الحرارة تتقد" يعني هذه النار من شدة إيقادها أن حرارتها شديدة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نار الآخرة فضلت على نار الدنيا سبعين ضعفا. وجاء في بعض الروايات غير ذلك. والمقصود أنها مضعفة، ونار الدنيا كافية. ولكن الله عز وجل أراد سبحانه وتعالى أن يظهر عظمته وعظيم قدرته في مضاعفة هذه النار. ولهذا لا يوجد لهذه النار نظير في هذه الدنيا، فهي أحميت حتى اسودت من شدة ما وصبت إليه من شدة. ونار الدنيا مهما بلغت فإنها لا تكون سوداء مظلمة. وهذا يدل على عظم وصبها وعظم أثرها. نار الدنيا تذيب الحديد والصخور، ونار الآخرة أعظم من ذلك، أجارنا الله وإياكم منها. وقوله رحمه الله: ﴿وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد﴾ قال: خزنتها، عدتهم تسعة عشر، يعني ذكرهم الله عز وجل في سورة المدثر كما سيأتي إن شاء الله. والصحيح أن هذا العدد، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله، لا يفيد الحصر. وقد تقدم معنا أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر. وقوله: "غلاظ" قال: غلظ القلب. والظاهر أنه عام، فإن لفظة غلاظ نكرة في سياق الإثبات، فهي تفيد الإطلاق. ويكون معناها غلظ حسي بقوتهم وشدتهم، وغلظ معنوي بغلظة قلوبهم وبأسهم وعدم رحمتهم. وقوله: "شداد" هذا تأكيد لمعنى الغلظة، وهو وصف أخص، إذ أنه يراد به الفعل، أي شداد في أفعالهم. فمثلا من باب تقريب المعنى: قد يكون إنسان قويا في جسده وشديدا في أخلاقه وقسوته، لكنه لأنه مثلا ليس عنده من القدرة قد يجعل ما هو أضعف منه قوة وشدة أشد منه في الضرب. ممكن هذا، وغير ممكن. فهذا الذي يظهر في الهيئة في الجسد أنه أضعف من ذاك الأشد قد يكون بتمرينه وبكذلك قدرات أخرى يكون ضربه أشد من ضرب الآخر. لكن إذا اجتمع مع هذا الجسد وهذا الغالب شدة، فإنه يزداد البطش. مثل الضربة القوية من المطرقة الكبيرة، والضربة القوية من المطرقة الصغيرة، أيهما أشد؟ الكبيرة. إذن الشداد شدة في الفعل والبطش. وقوله: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ قال: بدل. والمقصود أنهم مأمورون يفعلون ما يؤمرون. ومما أمرهم الله عز وجل به معاقبة أهل النار بما يستحقون. والمراد بذلك تأكيد استمرار هذه العقوبة التي أخبر الله عز وجل بها في النار، ما دام أهل النار في النار، حتى ولو كان الذي فيها ليس من أهل الكفر. وقوله: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ قال: تأكيد، يعني لوصف هؤلاء الملائكة، وهم لا يعصون ويفعلون ما يؤمرون. وكل هذا تأكيد لاستمرار العقوبة التي توعد الله عز وجل بها كل من عصاه. وقوله: "والآية تخويف للمؤمنين عن الارتداد" إن أراد بالارتداد معنى أعم من الكفر فصحيح. وإن أراد بالارتداد الكفر، فالآية ليست خاصة بالردة، بل الآية جاءت للتحذير في كل ما يوقع في غضب الله من شرك وكفر ونفاق وما كان بمعناه، وبدعة وما كان بمعناها، ومعصية بأنواعها وما كان بمعناها. ولأن الآية اختتمت بنداء الإيمان، وجاءت بعد أحكام لأهل الإيمان، فإذا كانت هي في حق المؤمنين، فهي في حق غيرهم من باب أولى. فإذا كان من هو من أهل الإيمان إذا عصى يعاقب إذا لم يتب، فكيف بمن هو أعظم معصية إن كان كافرا أو منافقا أو مشركا أو نحو ذلك؟ وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم﴾ يعني فيها الأمر لفظا، التحذير من الندم حيث لا ينفع الندم. وفي معناها المبادرة بالتوبة. ولهذا سيأتي في الآية التي بعدها الأمر بالتوبة. فالمؤمن والمسلم وكل إنسان ينبغي عليه أن يبادر ويتعجل التوبة في وقت الإمكان وقبولها في هذه الدنيا، وذلك قبل أن تغرغر النفس، وقبل أن تطلع الشمس من مغربها، كما صحت لذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقول المؤلف: "يقال لهم ذلك عند دخولهم النار"، أي لأنه لا ينفعكم، كما تقدم، لأن المقصود منه التحذير من أن يندم حيث لا ينفع الندم، والأمر بالمبادرة والإسراع في التوبة. وقوله: ﴿إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ قال: أي جزاء. وفيه ما تقدم من أن الجزاء من جنس العمل، وأن ما عمل الإنسان يجزى به. فالأعمال سبب، إما لدخول الجنة إن أحسن فيها، أو دخول النار إن أساء فيها. ومع ذلك هي لا تدخل الجنة بذاتها، ولا تنجي من النار بذاتها، إلا أن يتغمدنا الله عز وجل برحمة منه وفضل. فلولا فضل الله ورحمته لم تُعن أن توفق لأصل الإيمان، ولم تُعن أن توفق للاستمرار فيه، ولحسن الخاتمة عليه. فأنت تفتقر مع عملك باللجوء إلى الله بأن يعينك بواسع فضله ورحمته على الثبات على هذا الدين حتى تلقاه. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته، وتفضل علينا بواسع فضله وعطائه، وأن يجعلنا من عباده المؤمنين المتقين. والحمد لله رب العالمين.